مناجم التحرير.. لماذا أستمتع بإعادة كتابة أعمالى؟
من خلال حديثى مع كتّاب آخرين، اكتشفت أننى حالة نادرة نوعًا ما، فأنا أستمتع بإعادة كتابة أعمالى بقدر استمتاعى بنشوة تدوينها على الورق.
لا تفهمونى خطأ، فأنا أعشق الكتابة الإبداعية العفوية. فى الأيام التى لا يكون فيها سوى أنا وشاشة بيضاء وهدفى كتابة ألفى كلمة قبل نزهة الكلب المسائية، يكون الأمر رائعًا.
تتدفق الكلمات بسلاسة من لا وعيى عبر أناملى، مذهلة عقلى الواعى بما تختاره الشخصيات من أفعال. لكن الأمر ليس كذلك دائمًا: ففى بعض الأيام، تكون الكتابة شاقة ومرهقة من البداية إلى النهاية، وأجد نفسى حتمًا أغرق فى «تدفق الكتابة» عندما أحتاج للتوقف.
مع ذلك، أستمتع بنفس القدر بالأيام التى أعود فيها لأحذف فقرات كاملة وأكتب فقرات أفضل. أحب التدقيق فى علامات الترقيم فى الجملة: أتنقل بين الفواصل والنقاط والشرطات الطويلة، أو أستخدم النقاط العادية، محاولة جعلها مثالية قدر الإمكان، وفية لصوت الشخصية ومعاييرى الخاصة.
لكن قليلًا من الكتّاب يستمتعون بهذا الجزء الثانى. لقد وصلوا إلى «النهاية»، وهم مستعدون لها. إعادة الكتابة والتنقيح والتعديل ليست متعة، بل عمل شاق، أو أسوأ من ذلك، عمل مؤلم.
لم أتوقف يومًا لأتساءل، حتى اليوم، لماذا يكره الكثيرون هذه الخطوة بينما أستمتع بها بقدر استمتاعى بعملية الكتابة نفسها، بل وأكثر من جوانب أخرى فى مهنة الكتابة- كالتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعى، على سبيل المثال لا الحصر.
لكن اليوم، خطرت لى الإجابة فجأة: أستمتع بإعادة الكتابة والتحرير لأنى أحب التحرير كما أحب الكتابة. عندما أحرر أعمال الآخرين، أسعى للارتقاء بكتاباتهم، ومساعدتهم على صقل أسلوبهم ورؤيتهم.
لا أحكم عليهم بسبب الكلمات التى لا يجيدون تهجئتها، أو الجمل الطويلة المتشعبة، أو حتى عندما يتأخرون فى وصف شيء ما ويحتاجون إلى تقديمه.
مهما كانت المشكلة، أرى الأجزاء التى لم ترق إلى مستوى التوقعات، وأجد طرقًا لتحسينها. يمكننى دائمًا تحسينها أو تقديم النصح للكاتب. هناك كتابة جيدة كامنة وراء الأجزاء غير المكتملة، عليك فقط إبرازها.
لذا، عندما أرى أجزاء من كتاباتى حيث كان من الواضح أننى أمر بيوم عصيب أو أننى استعجلت الأمور، لا أشعر بالإحباط أو التوتر الشديد. لا ألوم نفسى بشدة «مع أننى أضحك على نفسى أحيانًا».
أعرف أننى أستطيع إصلاح المشاكل. إذا لم أعرف ما يجب فعله فورًا، أعرف أننى بعد بعض المحاولات «أو الابتعاد عن الموضوع قليلًا ثم العودة إليه» سأجد الحل.

أشعر بالراحة عند تحرير وإعادة كتابة أعمال الآخرين. وفجأة أدركت أن هذا هو سبب حبى لذلك مع كتاباتى. أعرف أننى أستطيع أخذ كتاباتى الأولية وصقلها حتى تصبح رائعة. أستمتع بهذه العملية مع أعمال الآخرين، لذا فإن القيام بذلك مع كتاباتى الخاصة أفضل بكثير.
أعتقد أن الأمر الأهم هو أننى اطلعت على أعمال كتاب آخرين فى مراحلها الأولية، حتى أعمال كتاب أكن لهم إعجابًا كبيرًا، وأعلم أن مسودتى ليست أسوأ حالًا. أستطيع أن أكون رحيمة بنفسى، فلا يغمرنى الشك الذاتى أو شعور انعدام الكفاءة أو أى خوف آخر.
كنت كاتبة قبل أن أصبح محررة، ولكن قبل أن أكتب روايتى الأولى، أمضيت سنوات فى مناجم التحرير، أُدقق فى جمل وفقرات الآخرين.
ولعل على كل كاتب أن يفعل ذلك، إن استطاع، أن يمنح نفسه الوقت الكافى ليعتاد على تحرير أعمال لا تربطه بها علاقة عاطفية، حتى إذا كان ما يحرره هو قصته المحبوبة وشخصياته العزيزة، فإن التعامل مع المسودة الأولى لمسودته لا يصبح أمرًا مرهقًا مليئًا بالتوتر والشك الذاتى.
لا يعنى هذا أننى لست بحاجة إلى محرر. فأنا أقدر محررتى كثيرًا، وقد أنقذتنى فى كل مرة أرسلت إليها قصة. ورغم أننى بذلت قصارى جهدى لصقل قصتى، إلا أننى أؤمن إيمانًا راسخًا بأنه لا يمكن للمرء أن يحرر عمله بنفسه حتى يصل إلى درجة الكمال «الجاهز للنشر»، وأن وجود رأى آخر ضرورى لهذه العملية.
أعتقد أن الكتّاب سيحتاجون دائمًا إلى محرر خارجى. ومع ذلك، أدرك الآن أن تدريبى كمحررة قد جعلنى كاتبة أفضل، وكاتبة أستمتع بكل مراحل هذه العملية التى لا تخلو من الصعوبة والتعقيد.
لذا، إذا سنحت لى فرصة عمل فى مجال التحرير، أو إذا طلب منى صديق مراجعة قصته، فقد لا يكون الأمر مجديًا من الناحية المادية أو من ناحية الصداقة فحسب، بل قد يحسن كتابتى ويعزز استمتاعى بها، بطرق لم أكن أتوقعها أبدًا.
حتى لو لم يتاح لك تخصيص وقت لتحرير كتابات كتّاب آخرين، فإن أهم ما يجب أن تستفيد منه هو أن تكون لطيفًا مع نفسك عند مراجعة مسودتك الأولية.
فالمسودة الأولية لا تعنى الفشل أو النقص، بل هى دعوة لمزيد من الإبداع. مراحل التحرير لا تقل أهمية عن لحظات الإبداع الأولى، وهى بنفس القدر من الأهمية فى سرد قصتك.







