الأحد 28 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

مركز الإبداع.. هل نحتاج إلى غرفة للكتابة؟

حرف

- لم يعد كثير من الكُتَّاب الطامحين قادرين على تحمُّل كلفة غرفة تخصُّهم

- أدوات الكتابة رخيصة ومتاحة فى كل مكانٍ والجمهور ينتظر والغرفة ليست شرطًا

فى عام 1919 اشترت فيرجينيا وولف وزوجها ليونارد منزل «مونكس هاوس» وهو كوخ صغير فى مقاطعة سَسِكس، مقابل سبعمائة جنيه إسترلينى. لم يكن فيه كهرباء ولا مياه جارية. عملا بعد ذلك على تطويره، فأضافا بعض المرافق الحديثة وغرفتين جديدتين. وفى أسفل الحديقة تحوَّل مخزن متواضع إلى غرفة كتابة، أنجزت فيها وولف روايات مثل «السيدة دالواى» و«إلى المنارة».

اليوم يمكن زيارة المنزل وغرفة الكتابة، إذ أصبحا ملكًا للصندوق الوطنى البريطانى. تقول كاتى دا كونيا لوين فى كتابها «غرفة الكاتب: العوالم الخفية التى تشكِّل الكتب التى نحبها»: «لدىَّ صورة ذهنية عن المكان الذى يعمل فيه الكُتَّاب». وعندما تصل إلى غرفة وولف تجد أن تلك الصورة تتحقق إلى حدٍّ كبير: الضوء يتسلَّل من الحديقة، والهدوء يخيِّم على المكان، وعلى مكتب وولف أوراق مجعَّدة، وكتب، ومزهرية نرجس. يبدو المكان كأنه الملاذ المثالى للكتابة.

غير أن ثمَّة مفارقة واحدة، فعلى الرغم من أن وولف عملت فى تلك الغرفة، فإنها أنجزت جانبًا كبيرًا من كتابتها داخل البيت نفسه، جالسةً على كرسى منخفض. كانت توازن على ركبتيها لوحًا خشبيًّا مُثبتًا عليه محبرة ودفترًا، منحنية فوق هذا الحاسوب المحمول البدائى، كانت تُنتج ما سمَّاه ليتون ستراتشى «رُزم القذارة»، حزمًا صغيرة من رؤوس الأقلام البالية، ومشابك الورق، والقصاصات المكورة. كانت، بعبارة أخرى، كاتبة عادية، لا تختلف فى فوضاها وعفويتها عن بقيتنا.

تلاحظ دا كونيا لوين أن «فى صورة الكاتب ما يأسرنا كشخصيةٍ أو كنموذجٍ رمزى»، وينطبق الأمر نفسه على الغرف التى يعمل فيها الكُتَّاب، أو تلك التى نتخيَّل أنهم يعملون فيها. وبالنسبة إلى الكُتَّاب الطامحين خصوصًا، تكتسب غرف الكُتَّاب طابعًا شبه سحرىٍّ، كأنها تمائم ملهمة. فعندما نقصد مكانًا ارتبط بكاتبٍ ما، قد نبحث عن إجابات عملية تتعلق بطريقته فى العمل، لكننا نطمح أيضًا على نحوٍ أكثر تجريدًا إلى فهم «مسار الإبداع» على حد تعبير دا كونيا لوين، منذ لحظة الإلهام الأولى حتى يصير نصًّا مكتوبًا. تتساءل: «ما هى الكتابة؟»، ونحن نتأمل مكتبًا طال عليه الإهمال، أو نحدِّق عبر النافذة التى كان يحدِّق عبرها، نأمل أن نرى عملية الكتابة وقد تجسَّدت أمامنا، كى نفهم ماهيتها الفعلية.

وتستعيد دا كونيا افتتانها الشخصى بغرف الكُتَّاب قائلة: «كنت أريد أن أصوغ لنفسى فضاءً إبداعيًّا خاصًّا، كأننى إذا أتقنت ترتيبه أصبحت كاتبة». تحكى عن شرائها مكتبًا جديدًا، متخيلةً إياه مكدَّسًا بـ«دفاتر ومجٍ من الشاى وشموع وبعض الفوضى». ومع مكتبٍ كهذا، تظن أنها ستتبنَّى عادات جديدة: تستيقظ باكرًا، تكتب طوال الصباح، وتقرأ بعد الظهر بدل مشاهدة التلفاز. وفى طريقها إلى «مونكس هاوس» تفكر فى اقتناء «بعض أدوات وولف الأنيقة، كصورةٍ جميلةٍ مزخرفةٍ للبيت»، بل وحتى «منشفة شاى»، أثر صغير تضيفه إلى مكتبها ليجسر المسافة بين فضاء وولف وفضائها. «وفى النهاية تكتفى بالتقاط صورة لمكتب وولف بهاتفى.» وعندما تعود إلى منزلها، ترتِّب «أكوام الكتب، والمسودَّات، والدفاتر، والأقلام، وأوعية الفاكهة المجففة». ومع ذلك، فإن هذا المشهد الكاتبى الذى تصوغه لنفسها لا يلبث أن يتبدد؛ إذ سرعان ما يستولى طفلها الرضيع على مكتبها، محوِّلًا إياه إلى طاولةٍ لتغيير الحفاضات.

فى استعراضها لتاريخ فضاءات الكتابة، يقدِّم كتاب «غرفة الكاتب» وصفًا رشيقًا للغرف التى اتخذتها مايا أنجلو، وتشارلز ديكنز، وجوان ديديون، وجون كيتس، وغيرهم من الأعلام. ويخلص إلى أن السعى وراء الغرفة المثالية كثيرًا ما ينقلب على صاحبه، فحاول توماس كارلايل، وقد أرهقته ضوضاء الحىِّ «ومنها صياح ديك الجيران»، أن يشيد غرفة عازلة للصوت، لكنها انتهت، على نحوٍ ساخرٍ، إلى أن تكون أكثر غرف البيت ضجيجًا.

وفى المقابل، ثمَّة من لا يملكون أصلًا رفاهية غرفة للكتابة، أو يعيشون ظروفًا لا تسمح بالخلوة، أو ببساطةٍ لا يحتملون الجلوس طويلًا فى مكانٍ واحد. يعمل بعضهم فى المكتبات أو المقاهى؛ وبعضهم يكتب فى قطارات الأنفاق، أو على أسرَّة المستشفيات، أو عبر مستندات جوجل. وتشير دا كونيا لوين إلى أننا، رغم ميلنا إلى تخيُّل الكاتب داخل غرفةٍ، ينبغى ألا نغفل صورًا أخرى، مثل الكاتب الذى لديه وظيفة أخرى، والكاتب المنتظر فى طابور، والكاتب الذى يرعى غيره، والكاتب السجين.

كاتى دا كونيا
كاتى دا كونيا

وتصل الكاتبة إلى أن صورة الكاتب المنكفئ إلى الداخل، المنهمك خلف مكتب، قد تكون مضللة فى جوهرها. فإميلى ديكنسون، مثلًا، كان لها منضدة صغيرة للكتابة قرب نافذة غرفتها، لكن الفستان المعروض فى متحف منزلها يحمل جيبًا خارجيًّا صغيرًا مضافًا ما تسميه الشاعرة مارى روفِل «جيب العامل» «ويبدو بحجم مناسب لقلم وورقة.» صحيح أن ديكنسون أمضت جلَّ وقتها داخل المنزل، إلا أن هذا التفصيل يوحى بأنها أرادت أن تكتب حتى بعيدًا عن مكتبها. وتكتب دا كونيا لوين أن «لمساحة المكتب سحرًا رومانسيًّا لا يُنكر»، غير أن الأجساد، مثل العقول، فى حركةٍ دائمة. ولعل الأجدر بنا أن نتخيَّل الكاتب شخصًا يتحاور، ويتحرَّك، ويخالط الناس، ويتفاعل مع محيطه، لا مجرد مراقب ساكن، كائنًا يعيش فى العالم لا منغلقًا فى غرفةٍ.

فى كتابه «نظرية الطبقة المترفة» الصادر عام ١٨٩٩، بحث الاقتصادى ثورستين فيبلن فى دوافع اقتناء السلع الفاخرة وغير الضرورية. فنحن نشترى الأشياء الجميلة لأننا نحبها، ولأنها أفضل، ولأننا نريد أن ننال إعجاب الآخرين أو نثير غيرتهم — هذا ما يجادل به — لكننا نفعل ذلك أيضًا لنؤثر فى نظرتنا إلى أنفسنا. خذ مثلًا الصيادين: «حتى أكثر الرجال هدوءًا وواقعيةً يميلون، حين يخرجون للصيد، إلى حمل فائض من الأسلحة والعتاد كى يرسِّخوا فى مخيلتهم جدية ما يقدمون عليه»، كما كتب فيبلن. فإذا اشتريت حقيبة «بيركين»، أو منظار بندقية بمواصفاتٍ مبالغ فيها، أو كاميرا باهظة الثمن، فقد تكون أو لا تكون راغبًا فى إبهار الآخرين، لكنك بالتأكيد تسعى إلى إبهار نفسك. ولهذا قد يكون محرجًا فعلًا أن يلحظ هاوٍ آخر هذا البذخ ويرغب فى الحديث عنه؛ فأنت لم ترد بالضرورة أن يراك الآخرون، بل أن ترى نفسك على نحوٍ مختلف.

كيف يصل الفنان إلى أن يؤمن بأنه فنان حقًا؟ كلُّ عملٍ فنىٍّ يبدأ من تفصيلٍ تافه. فالنغمة الأولى، أو الضربة الأولى للفرشاة، أو الجملة الأولى، بلا معنى يُذكر؛ والفقرة الافتتاحية غير المكتملة مدعاة للخجل. وغالبًا ما تنشأ المحاولات الإبداعية فى ظروفٍ غير مواتية. تذكر دا كونيا لوين أنها، مع وجود طفل صغير فى المنزل، تكتب الآن وهى «منحنية على كرسى فى غرفة الجلوس»، فكل شىءٍ يكاد يدفع المبدع إلى الاستسلام. لذا على الكُتَّاب أن يؤكدوا لأنفسهم جدية ما يفعلون، ربما بالجلوس إلى مكتبٍ مُعدٍّ بعنايةٍ، أو بالدخول إلى مقهى أنيق مرتدين ما تسميه دا كونيا لوين «زيُّ الحِرَفية الفنية للطبقة الوسطى» «معطف عمل، ونظارات مستديرة، وسروال واسع الساقين».

قد توجِّه غرفة كتابة مُلهمة ضربةً لتفاهة البدايات وهشاشتها. لكن ما مدى قوة هذه الضربة؟ حين كنت فى الجامعة، كنت أعانى فى كتابة القصص القصيرة داخل غرفة السكن، بينما كان زميلى يشخر خلفى فى سريره؛ وتحسَّن أدائى عندما عثرت فى قبو المبنى على ما يشبه خزانة تُركت مفتوحة بالصدفة، فحوَّلتها إلى غرفة دراسة. وفى العام التالى، عندما أسَّستُ شركة ناشئة فى مجال التقنية مع بعض الأصدقاء، كنت أمضى ليالى أكتب الأدب فى المكتب الذى استأجرناه، محاطًا بخوادم الحواسيب. لم تكن غرفة كتابة بالمعنى التقليدى، لكنها كانت مساحة أدفع مقابلها، وكان مجرد وجودها إشارة إلى قدرتى وجديَّتى.

منزل مونكس هاوس 
منزل مونكس هاوس 

واصلت البحث، بعد ذلك، كطالب دراسات عليا، ثم كمحاضر، ثم كصحفى، عن أماكن أفضل للكتابة. عملتُ فى عدد لا يُحصى من المقاهى والمكاتب الجامعية والمكتبات؛ واستأجرتُ مكتبًا داخل شركة محاماة، وأعمل اليوم فى مكتب يطل على الماء تمامًا كما كنت أتخيَّل يومًا أننى سأكتب. وكنت حريصًا بالقدر نفسه على تنسيق بيئتى الرقمية للكتابة، بعد أن جرَّبت معظم برامج معالجة النصوص وتطبيقات الكتابة، أصبحت أعتمد أساسًا على جهاز لوحى بحبرٍ إلكترونىٍّ تصنعه شركة نرويجية تُدعى «ريماركابل»، وحين أستخدم الحاسوب، أكتب فى برنامج اسمه «يوليسيس»، وأختار خط «سابون»، اشتريته لنفسى قبل عقودٍ، وأضبط الصفحة بحيث يظهر النص فى عمودٍ ضيَّقٍ يشبه أعمدة المجلات.

لقد كان امتلاك هذه المساحات والموارد امتيازًا حقيقيًّا، ولا شك فى أنها ساعدتنى على الكتابة. ومع ذلك، حين أنظر إلى مسيرتى، أجد أن الفائدة التى جنيتها من إحكام السيطرة على بيئتى تبدو ضئيلة مقارنةً بمصدرى الأساسى للتحفيز، رسائل البريد الإلكترونى المقلقة من المحررين. حين كنت أكتب بمفردى، كان أدائى لا بأس به. لكن جودة إنتاجى وكميته ارتفعتا بوضوحٍ عندما بدأت أتلقى رسائل تحذِّرنى من أن عدد المجلة قد يتعطل إن لم أرسل مسودتى فورًا. بعد مثل هذه الرسائل، أنجزتُ مشروعات بسرعةٍ وكفاءة، وأنا أكتب على هاتفى، فى أماكن شتى فى القطارات، والسيارات، ومرة فى حانة. وحتى حين صرتُ أرسل رسائل مشابهة بصفتى محررًا، قاصدًا دفع الكُتَّاب إلى مزيدٍ من الإنتاج، لم تفقد هذه الرسائل سطوتها علىَّ. وتخلص دا كونيا لوين إلى أن «مشكلة غرفة الكاتب هى أن ليس الجميع يملك واحدة». لكن لعل المورد الأندر بالنسبة إلى الكُتَّاب ليس المكان، بل التوقعات.

ينظر كتاب «غرفة الكاتب» إلى تجربة الكتابة اليوم بشىءٍ من التشاؤم. فبسبب أزمات السكن فى المدن الكبرى، لم يعد كثير من الكُتَّاب الطامحين قادرين على تحمُّل كلفة غرفة تخصُّهم، كما أن تراجع صناعة الإعلام جعل من الكتابة مهنة أقل استقرارًا ويسرًا. وأصبحت معدلات القراءة فى تراجعٍ عام، والذكاء الاصطناعى يهدد بتقويض قيمة الكتابة والتفكير البشريين. ومع ذلك، تقف فى مواجهة هذه الصورة حقيقة مزعجة بعض الشىء، أنه، سلبًا أو إيجابًا، لم يكن الوصول إلى جمهورٍ أسهل مما هو عليه اليوم. فبوسع أى شخصٍ أن ينشر كتابًا على نفقته الخاصة أو يطلق نشرة عبر «سابستاك». قد تكون المساحات المادية نادرة، وقد يصعب العثور على محررين، لكن القُرَّاء فى كل مكانٍ.

تتساءل دا كونيا لوين ماذا لو حاولنا «أن نجعل من فعل الكتابة نفسه بيتًا لنا»!، أيًّا كان المكان أو الظرف الذى نكتب فيه؟ وإجمالًا، ترى أن بوسعنا أن نطوِّر تصورًا لحياة الكتابة يتمحور حول التلقِّى لا حول الإنتاج. وتقتبس عن بِل هوكس قولها: «حتى وإن كانت الكتابة فعلًا انفراديًّا، فعندما أجلس إلى الكلمات وأنا واثقة أنها ستُقرأ، أعلم أننى لا أكون وحيدة حقًا». ولعل عددًا أكبر من الناس قد اختبر هذا الشعور فى عصر وسائل التواصل الاجتماعى أكثر من أى وقتٍ مضى. لذلك تقترح دا كونيا لوين أن نستبدل صورة الكاتب المنعزل فى غرفته بصورة «شخص مجهول قارئ يجلس مع الأفكار التى أمضى شخص آخر ساعات لا تُحصى فى صياغتها، ويعيش معها». وتوضح أنها باتت تتخيَّل وحدتها فى أثناء الكتابة على هذا النحو: «هذا الإحساس الجميل بالألفة هو ما أودُّ أن أستحضره حين أكون وحدى وأنا أكتب».

فأدوات الكتابة رخيصة ومتاحة فى كل مكانٍ؛ والجمهور ينتظر؛ والغرفة ليست شرطًا. فإذا كان كل ذلك صحيحًا، فما الذى يعيقك؟ يتعلَّق التحدى باللغة نفسها. فالكلمات ينبغى أن تشير إلى شىء؛ والكتابة يجب أن تكون عن موضوعٍ ما. قد تبدو صورة الكاتب فى غرفته جذابة، إذ تُصوَّر الكتابة كأسلوب حياة. لكنها تحمل جانبًا قاتمًا أيضًا، كاتبة تمسك رأسها بين يديها، فاقدة الإلهام، ومأزومة. يتجاهل كلا الوجهين جوهر الكتابة ذاتها وموضوعها، ومحتواها، ونيتها، ومعناها. وتميل دا كونيا لوين إلى موافقة الكاتب الإنجليزى جيف داير، الذى يرى أن «حبسة الكاتب» أسطورة. فإذا لم يكتب شيئًا، يقول داير، فليس لأنه عاجز، بل لأنه فى الحالة الأصلية التى يتعيَّن على كل كاتبٍ أن ينتشل نفسه منها، أينما كان: «ببساطةٍ، لم يكن لدىَّ ما أقوله».