الأحد 08 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

التاريخ للمبتدئين.. لماذا حقق إبراهيم العسال كل هذا الانتشار؟

حرف

- يضع الرواية التاريخية أمام ميزان النقد لا الأهواء والانتماءات المذهبية

- خفف من مسئولية «يزيد» المباشرة عن «مقتل الحسين» ورجّح: «الرأس ليس مدفونًا فى القاهرة»

- لا يُرضى العاطفة المذهبية ويفكِّك الصور الملائكية للشخصيات التاريخية

رغم تعدد ظهوراته، ربما تكون سلسلة حلقات «الخلافة الإسلامية فى ألف عام.. خط السلطة»، تقديم الكاتب الصحفى سيد جبيل، الظهور الذى صنع كل هذه الجماهيرية الشعبية للدكتور إبراهيم العسال، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية فى جامعتى حلوان فى مصر وقرطبة فى إسبانيا.

وليس أدلّ على هذه الجماهيرية الشعبية أكثر من المشاهدات المليونية لسلسلة حلقاته، فضلًا عن الآلاف من التعليقات التى تغنّت بما يملكه إبراهيم العسال من ملكات استثنائية ومعرفة غير عادية وقدرة فائقة على السرد والحكى، جعلت المتابعين العاديين من غير المهتمين بالتاريخ أساسًا يلتهمون تلك الحلقات دون لحظة شبع أو ملل.

كل هذا حوّل الظهور الأيقونى الأخير لإبراهيم العسال أمام الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى «منتدى مصر 2026»، لكرنفال من البهجة والترحيب والانسجام الكامل مع كلمته التى استغرقت نحو 6 دقائق، حول أيقونية مصر فى السياق التاريخى والثقافى والمعرفى على مدار القرون.

فكيف تأتَّى لهذا الرجل كل هذا الحضور والإلمام العجيب بالتفاصيل والمصادر والقدرة الفائقة على كشف التناقضات فى الأحداث ونقد الروايات التاريخية حتى لو تعارضت مع الهوى المذهبى، وخالفت آراء رجال الدين الذين يكوّنون- فى أغلب الأحوال- آراءهم التاريخية بناء على وجهات نظر دينية بحتة؟!

 

ما المختلف فى إبراهيم العسال عن أى مؤرخ آخر ضليع المعرفة، من الذين زخرت بهم الساحة الجامعية والثقافية المصرية حتى من أجيال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات؟ 

ربما يكون أهم عنصر فى ذلك الاختلاف هو قدرته على تخليص علم جامد، مثل علم التاريخ معتمد على أصول ثابتة، من قيود وصعوبات التلقى المنهجية والأكاديمية الرصينة، وتحويله إلى مادة سردية مبسطة يمكن تقديمها للمتلقى ورجل الشارع العادى غير المهتم وغير المثقف من الأساس.

والإنتاج المعرفى لدى إبراهيم العسال ليس كل شىء، فهو يمتلك قيمة توازى قيمة العلم، وهى الموهبة المتوهجة التى تمنحه الحضور والكاريزما والقدرة على سلب المتلقى انتباهه الكامل، وهى ملكة لا تتأتى إلا لمن لديهم ذكاء اجتماعى من ناحية، وذكاء إعلامى من ناحية أخرى، فربما لو لم يكن مؤرخًا مرموقًا، لكان صحفيًا صاحب طلة إعلامية مميزة أيضًا.

وبوجهه الذى تحبه الكاميرا، وضحكته الطفولية أحيانًا، و«تون» ونبرة صوته التى تجمع بين جدية الأكاديمى وحميمية الراوى الأشبه بالرواة الشعبيين قديمًا، يصل أداؤه إلى درجات عالية من الجاذبية، فهو يشبه المصريين البسطاء فى ملامحه وطريقة حديثه حتى وهو يتحدث بالفصحى، فلا يتعالى على المتلقى بكثرة ما يخبئه داخل عقله من معارف شتى، وربما يكون له وجه آخر داخل القاعة الجامعية، أكثر تحفظًا وصرامة، لكنه، بلا يشك، يعرف كيف يلبس لكل حال لباسها، وكيف يواجه الجمهور ويأسر عقله وقلبه. 

ويعرف أيضًا كيف لا يوقع المتلقى فى أوحال المصادر وتشابكات الرواة وتهويمات المناهج البحثية، فيقدم التاريخ بسرد روائى لطيف وجاذب، ولا يكتفى بالحكاية فقط، فيعود إلى المصادر بشكل مرن غير ممل ويقارن الروايات ويكشف الصحيح والضعيف والمتناقض منها.   

والأهم من ذلك أن هذا المسار لا تحكمه انحيازات مذهبية أو أحكام عقائدية مسبقة؛ فهو يؤكد طوال الوقت أن الرواية لا ينبغى أن تكتسب صحتها لأنها توافق تصورًا دينيًا أو موقفًا مذهبيًا، كما لا ينبغى استبعادها لمجرد أنها تصطدم بهما. 

والمعيار الذى يقدمه هو وزن الرواية بمصادرها وقرائنها، ومقارنتها بغيرها، وترجيح الأقرب إلى الثبوت، حتى لو انتهى ذلك إلى نتائج لا تتفق مع ما استقر فى الوجدان الشعبى، أو مع قراءات تاريخية يتبناها بعض رجال الدين، وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم مزايا تجربته، أنه يضع الرواية التاريخية أمام ميزان النقد لا محكمة المعتقدات والانتماءات والأهواء.

ويرى أيضًا أن المكانة الدينية أو الرمزية للشخصيات التاريخية لا يمكن أن تكون سببًا لتعطيل السؤال التاريخى أو تحصين الروايات المتعلقة بها من النقد، ولذا فالتاريخ فى هذا المنظور لا يتعامل مع الشخصيات وفق مكانتها فى السياق الطائفى سنيًا كان أم شيعيًا أو أيًا من المذاهب، وإنما وفق ما تسمح به المصادر من فهم لأدوارها ومواقفها ومسئولياتها، فهو يفرّق دائمًا بين احترام المكانة الدينية وبين دراسة الشخصية تاريخيًا؛ لأن تلك المكانة لا تفرض بالضرورة التسليم بكل رواية تتصل بها، وهو ما سار عليه فى حديثه عن وقائع مهمة، مثل الفتنة الكبرى ومقتل الحسين بن على وغيرهما من الأحداث المفصلية.

إبراهيم العسال لا يسعى لإنتاج رواية تاريخية تصالح جميع الأطراف أو تمنح كل فريق ما يريد سماعه؛ لأنه يعتبر أن مهمته ليست إرضاء العاطفة المذهبية ولا ترميم الصور المثالية التى بناها بعض رجال الدين عن الشخصيات التاريخية، وإنما الاقتراب قدر الإمكان مما جرى حتى لو جاءت النتائج على غير هوى المتلقى أو خالفت ما اعتاد الناس اعتناقه وتصديقه وفق تصورات عقائدية.

من أجل كل ذلك، يقول الدكتور إبراهيم بوجوب إعادة كتابة التاريخ بشكل كامل، بما ينسف معه الكثير من المفاهيم والتصورات المغلوطة عن الكثير من الأحداث المفصلية فى تاريخنا، ليعيد تصحيحها وفق منهجية علمية سليمة، بحيث تروى ما حدث وفق الروايات الصحيحة التى يتم التعامل معها بمشرط جراح، لإزالة ما بها من أوهام والإبقاء على ما بها من حقائق ثابتة ومؤكدة.

من يتأمل مسيرة إبراهيم العسال يجد أنه أمام إنسان مصرى يحمل تحت جلده طموحًا دراسيًا غير عادى، وهو ما تجلّى فى رغبته المحمومة فى اقتحام المناطق المجهولة فى تاريخنا الإسلامى الملىء بالدهاليز والتعقيدات. 

وتشير محركات البحث عن الرجل إلى حضور إعلامى قديم من لقاءات صحفية وأخبار عن دراساته وأبحاثه، لكنها تظل معلومات لا تكفى لاستكشاف شخصية فوجئنا جميعًا بحجم حضورها الطاغى وموهبتها الواضحة بمجرد نشر سلسلة الحلقات التاريخية على «يوتيوب»، بما يضعنا أمام حقيقة صادمة عن مدى تقصيرنا فى اكتشاف مبدعينا الحقيقيين.

فى حوار أجراه مع «الأهرام» بتاريخ ٣١ يوليو ٢٠٢٦، تحدث إبراهيم العسال عن تكوينه العلمى ودراساته فى مصر وإسبانيا وأبحاثه ومشروعاته، وهى معلومات تناولها كذلك فى حلقة صورها مع الكاتب الصحفى والمذيع الكبير الأستاذ محمود سعد، على إحدى المنصات الإعلامية، لنكتشف من خلال ذلك أن أهم ما يميّز مسيرته ليس مجرد استكماله دراسته فى أوروبا؛ بل جرأته وعقله النابه وتحركه بين حقول معرفية متجاورة واشتغاله على موضوعات غير مألوفة نسبيًا فى الكتابة التاريخية العربية الشائعة، مثل المخطوطات والتمثيل الفنى للشخصيات التاريخية فى اللوحات التشكيلية وغير ذلك من المجالات التى لا يقتحمها إلا أصحاب الاستنارة والفكر التقدّمى.

يحكى إبراهيم العسال أن تكوينه العلمى تشكّل عبر مدرستين؛ الأولى مصرية، من خلال دراسته بقسم الإرشاد السياحى فى جامعة حلوان وحصوله على الدكتوراه عام ٢٠١٣ عن «تصاوير التصوف فى المخطوطات الإسلامية»، والثانية إسبانية، من خلال حصوله على الدكتوراه الثانية من جامعة قرطبة عام ٢٠١٧، وهى التجربة التى يقول إنها أتاحت له التعرف إلى مناهج بحثية تجمع بين المصادر التاريخية والأدلة الأثرية والفنون الإسلامية. 

يذكّرنا إبراهيم العسال بجيل النهضة المصرية فى الثلاثينيات والأربعينيات وحتى الخمسينيات من القرن الماضى، والذين سافروا إلى الخارج واحتكوا بالمنظومة العلمية الغربية واستقوا منها كل ما هو مفيد وقدموا لها أيضًا كل ما هو أصيل وجاد، لكن ربما لم تتوافر له ما توافر لتلك الأجيال من فرص فى ظل التغيرات التى حدثت فى المسار الجامعى خلال العقود الماضية، لكن على أى حال فإن الأكيد أنه لو لم يمتلك كل هذا الطموح والأحلام الكبرى لما تحرك خطوة من مكانه.

لقد عمل الرجل ضمن الفريق العلمى للتراث الثقافى بالأندلس، واهتم بتوظيف التقنيات الحديثة، ومنها الواقع الافتراضى، فى إعادة بناء المدن والمواقع التاريخية، ومن ذلك مشروع لإعادة تصور مدينة القطائع الطولونية، كما امتد نشاطه البحثى إلى أكثر من ٢٠ دراسة محكّمة، نُشرت فى دوريات بمصر وإسبانيا والمكسيك والبرتغال، وتناولت التاريخ الحضارى والفن الإسلامى والمنمنمات وتمثيل الشخصيات الدينية فى المخطوطات، إلى جانب تاريخ الطب فى الأندلس والعصر العثمانى، وتجلّى ذلك فى ٣ من مؤلفاته المهمة، هى: «سِيَر ملهمة فى التاريخ الإسلامى»، و«مزارات القاهرة التاريخية»، و«تاريخ مصر الإسلامية».

يلخّص إبراهيم العسال منهجه فى عبارة «المؤرخ قاضٍ عادل وليس محاميًا متعصبًا»، داعيًا إلى تحرير البحث التاريخى من الانحيازات المذهبية والسياسية، وإعادة فحص الروايات الشائعة والأساطير المتوارثة، وفهم الشخصيات التاريخية فى سياقاتها الإنسانية والسياسية والاجتماعية، مع الاستعانة بالمخطوطات والآثار المادية معًا.

كما يعتبر أن الوعى بالتاريخ ركيزة من ركائز الأمن القومى، وأن الهوية المصرية تستوعب روافدها الحضارية المتعددة ولا تتعارض مع انتماءاتها العربية والإسلامية والمسيحية، وهو ما أعاد تذكيرنا به خلال كلمته أمام الرئيس فى «منتدى مصر ٢٠٢٦».

هل صدمَنا إبراهيم العسال؟ نعم صدمنا فى كثير من التصورات التى كنا نراها حقائق فى وجداننا الشعبى، على الأقل. ويبدو أنه سيواصل تلك الصدمات التى ربما ستصل إلى تغيير جذرى فى كثير من الأشياء الثابتة التى طالما سمعناها على المنابر وفى أقوال رجال الدين على اختلاف مذاهبهم.

محاولات إبراهيم العسال لا تتوقف عن تقديم قراءة مختلفة للتاريخ الإسلامى عند مراجعة الروايات المتعارضة أو المفاضلة بين أسانيدها، وإنما تمتد إلى إعادة وضع الأحداث فى سياقاتها السياسية والاجتماعية، والابتعاد عن اختزال التاريخ فى تعاقب الخلفاء والمعارك والوقائع.

ففى حلقات «الخلافة الإسلامية فى ألف عام»، يبدو المؤرخ القدير مهتمًا بما وراء الحدث من ناحية دوافع أطرافه ومصالحهم والظروف التى أحاطت به، وكيف تشكلت صورته فى الذاكرة اللاحقة.

وتظهر هذه المقاربة بوضوح فى تناوله مقتل الحسين بن على؛ عبر خوضه نقاشًا مع مقدم السلسلة الكاتب الصحفى سيد جبيل حول مسئولية يزيد بن معاوية عن مقتله، مقدمًا قراءة ربما تخفف من مسئوليته المباشرة عن تلك الجريمة النكراء، مميزًا بين قرار الحسين بالخروج، والجهة التى تولت قتاله وقتله فى كربلاء، وما إذا كان «يزيد» قد أصدر أمرًا بذلك.

وتجدر ملاحظة تعبيرات وجه سيد جبيل وهو يجادل إبراهيم العسال فى أحكامه، لدرجة يبدو معها أنه لا يكاد يصدق ما يسمعه من وقائع بل ويكاد يستنكر ذلك، حيث طالما خلدت فى وجداننا فكرة المسئولية المباشرة ليزيد بن معاوية عن الجريمة، ليرد الدكتور العسال بسؤال حاسم: «هل تريد الرأى المنهجى؟ أم الحكم بالهوى؟».

كما طرح رواية ترجح أن «يزيد» أمر بدفن جسد الحسين ورأسه معًا فى البقيع، بجوار قبر أمه، مرجحًا هذا الموضع على الروايات التى تنسب الرأس إلى كربلاء أو عسقلان أو حتى القاهرة.

ويشكل «العسال» صدمة للوجدان الشعبى المصرى؛ بمناقشته الرواية الشائعة عن وجود رأس الحسين فى مشهده الحالى فى القاهرة، فاصلًا أيضًا بين المكانة الروحية لذلك المشهد فى وجدان الناس، وبين ما يراه ثابتًا أو غير ثابت من الناحية التاريخية.

وتتكرر المقاربة ذاتها فى تناوله «ثورة البشموريين» فى عهد الخليفة العباسى المأمون؛ إذ يضع فى تفسيرها أسبابًا أخرى غير التى يسوقها من يوصفون بـ«الكمايتة» عن كونها انتفاضة قومية مصرية، بل يسوق أسبابًا تدل على أنها كانت حركة احتجاج اجتماعى ارتبطت بأعباء الضرائب، وسوء الإدارة، وفشل الولاة فى التعامل مع السكان، لينقل الحدث من ساحة الشعارات والهويات القومية لواقع الناس ومشكلاتهم المعيشية، حتى وإن ظل هذا التفسير قراءة تاريخية تحتاج إلى موازنتها بما تقوله المصادر عن الأبعاد الدينية والسياسية للثورة.

 كما يدخل فى مناطق أكثر تلغيمًا مثل «فتنة خلق القرآن» وقضية المعتزلة، فيقدم أفكار المعتزلة ومنطلقاتهم الفكرية فى سياقها التاريخى والفلسفى، بدل الاكتفاء بعرض القضية من زاوية الخصومة التقليدية بينهم وأهل السنة والجماعة، وهو ما يمنح المُشاهد فرصة للتعرف إلى منطق أصحاب الفكرة أنفسهم قبل إصدار الأحكام عليهم، بما يكشف عن رغبته فى تحرير التاريخ من الأحكام المسبقة، وإعادة قراءة الشخصيات والجماعات والأحداث بعيدًا عن الصور التى استقرت فى الوعى العام.

ولا يتوقف «العسال» عن تحرى كل الدقة والحيادية المنهجية فى العرض عبر التزامه الدقيق بمقارنة الروايات وعرض الأدلة المخالفة، وعدم تحويل الترجيح الشخصى إلى حقيقة نهائية.

كما لا يتوقف أبدًا عن إطلالته الدافئة ذات الابتسامة العذبة والسمت اللطيف وحكيه الجذاب الذى يجعل العيون تجحظ أمام ظهوراته، وتجعلنا نلهث خلف حلقاته، ونتساءل: كم كنزًا مصريًا لا يزال مخفيًا خلف ضباب العالم الرقمى والضغوط والحياة السريعة التى تشغلنا عن كل ما هو جميل؟!