الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

إمام وزعيم.. عن الذى يجمع عادل إمام بالشعراوى

الشعراوى وعادل إمام
الشعراوى وعادل إمام

عاشا حياة متشابهة.. وانطلقا إلى عالم الشهرة والنجومية فى توقيت واحد تقريبًا.. وكان لهما نفس التأثير فى الرأى العام

البضاعة التى يقدمها كل منهما مختلفة تمامًا بل متناقضة ومتصارعة

اقتربا من السلطة بنفس القدر واحتفظا لنفسيهما بمساحة من الاستقلالية أصرا عليها

كان الشيخ الشعراوى فاتنًا.. من يسمعه يقع فى هواه حتى أذنيه.. لا تعرف لجاذبيته سرًا.. ولا لحضوره الغامر تفسيرًا

الصفحة الأولى من العدد التاسع عشر لحرف

عرفت الشيخ محمد متولى الشعراوى قبل أن أعرف عادل إمام. 

تلميذ صغير لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره فى العام 1984 يشارك فى معسكر تشرف عليه مديرية الشباب والرياضة فى رأس البر، يعرف أن الشيخ الشعراوى جاء ليسجل بعض حلقات تفسيره «خواطرى حول القرآن الكريم» فى مسجد السوق الكبيرة بالمدينة، فيسعى لمقابلته، دون أن يكون لديه أى مبرر للقاء، أو أى هدف من الحديث. 

يلهو التلميذ الصغير مع أصدقائه على البحر بلا مبالاة، لم يكن لديه وقتها ما يشغل باله أو يعكر صفوه، وعندما يلتفت يجد الشيخ يجلس فى بلكونة استراحته يتأمل عن بُعد، فيتسلل إليه دون أن يشعر به أحد، وعندما يجد نفسه وجهًا لوجه أمام الشيخ، يفقد القدرة على الكلام.

وهل كان لديه من الأصل كلام ليقوله؟ 

يسأله الشيخ عما يريده. 

تهرب منه الكلمات متعمدة، فيطبطب الشيخ عليه ويدعو له بالتوفيق، ويقول له فى حنان: خلى بالك من نفسك. 

يظهر حارس الشيخ الذى يصر على أن يصطحب التلميذ الصغير خارج الاستراحة بعنف، فيستمهله الإمام قليلًا، ويطلب منه أن يترفق بضيفه الصغير. 

يسأله الشعراوى: اسمك إيه؟ 

فيجد التلميذ الصغير حروف اسمه، لكن ينطقها متلعثمًا: اسمى.. اسمى محمد. 

التلميذ نفسه الذى كان التليفزيون بالنسبة له ملجأ وملاذًا، يجلس منتبهًا أمام مسرحية «أنا وهو وهى»، تذيعها القناة الأولى فى سهرتها يوم الخميس، يخطفه ممثل نحيف، يكاد يسقط على وجهه من أثر الجوع والإعياء، يصرخ فيمن حوله: «بلد بتاعة شهادات صحيح». 

يتوقف الطفل الصغير- رغم ضحكه المتواصل على شكل الممثل وتعبيراته- عند الحزن الذى يسكن عمق عينى بطله الذى يشيع البهجة، ويعبر عن ذلك سريعًا، دون أن يحاول- مجرد محاولة- أن يفهم ما الذى يجمع بين الضحك الهستيرى والحزن المتوحش فى قلب رجل واحد؟ 

وحتى لو حاول.. فكيف له أن يفهم وهو الذى لم يكن قد أدرك بعد للحزن معنى؟

بعد سنوات وفى العام ١٩٨٧ يتم التلميذ الصغير حفظه للقرآن، ويصبح الشيخ الشعراوى واحته وبراحه، يجلس أمام حلقاته التى يذيعها التليفزيون بعد صلاة الجمعة، يستمع إليه منتبهًا ومندهشًا ومُركزًا، لا يفهم كثيرًا مما يقوله، لكن يشعر بسعادة غامرة لا يقدر على تحقيقها له شىء آخر، ودون وعى يمسك بقلمه وأوراقه ويسجل وراء الشيخ كل ما يقوله، ثم يتفرغ طوال الأسبوع لحفظه، ليستعين به فى خطبه التى كان يلقيها فى المساجد بشكل عابر فى رحلة بحثه عن نفسه. 

كان الشيخ الشعراوى فاتنًا، من يسمعه يقع فى هواه حتى أذنيه، لا تعرف لجاذبيته سرًا، ولا لحضوره الغامر تفسيرًا.. ولا تجد من قدرته على السيطرة عليك مهربًا. 

حصد الشيخ الشعراوى كل هذه الجماهيرية بسبب موعد إذاعة برنامجه «خواطرى حول القرآن الكريم» فالناس يجلسون أمامه بعد عودتهم مباشرة من صلاة الجمعة

فى المحاضرات الأولى بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وعندما جلس الطالب الذى كان مفتونًا بالشيخ الشعراوى، استمع من أستاذ مادة «علم النفس الإعلامى» إلى تفسير لشعبية الشعراوى الكاسحة. 

قال الأستاذ الجامعى المتخصص: حصد الشيخ الشعراوى كل هذه الجماهيرية، بسبب موعد إذاعة برنامجه «خواطرى حول القرآن الكريم»، فالناس يجلسون أمامه بعد عودتهم مباشرة من صلاة الجمعة، وهنا تحدث المقارنة، فقد فرغوا من الاستماع إلى خطباء بؤساء، لا يقولون شيئًا له قيمة، ولا يستفيدون منهم شيئًا ذا بال، وإذا بهم فى حضرة عالم يقول ما لم يسمعوه من قبل.. فيحظى بإعجاب الجميع. 

حصل المفتون بالشيخ الشعراوى على تفسير، لم يكن كافيًا على أى حال، لكنه بدأ يبحث خلف الظاهرة التى ملأ صاحبها الدنيا وشغل الناس.

فى إجازة تالتة إعدادى- صيف العام ١٩٨٨- يدخل التلميذ الصغير السينما لأول مرة فى حياته.

كانت السينما من دور العرض التى تنتمى للدرجة الثالثة اسمها «عدن» تطل على نيل المنصورة، وتعرض الأفلام التى سبق لدور العرض بالقاهرة عرضها، فلم تكن تنفرد بالعرض الأول معها إلا قليلًا. 

يتحرك عادل إمام بخفة على الشاشة الكبيرة مدفوعًا بطاقة هائلة لا يعرف الطالب المعجب به مصدرها، لكنه يخرج من دار العرض وهو أكثر إعجابًا بهذا العبقرى الذى يؤدى دور حسن سبانخ فى «الأفوكاتو». 

لا يعرف الفتى لماذا استقر فى يقينه يومها أن عادل إمام لا يقدم دورًا لمحام فى فيلم، بقدر ما يقدم نفسه، فهو هذا الفهلوى الحلنجى الذى يلعب بالبيضة والحجر، الذى لا يتعب من اللعب مع الحياة وبها، بل يخرج من لعبة ليدخل لعبة أخرى.. المهم عنده أن يستمتع بما يفعله لا بما يحققه منه.

ولا يعرف الفتى لماذا استقر فى يقينه أيضًا أن حسن سبانخ هو النموذج الذى يمكنه أن يواجه الحياة المعقدة اللا مبالية التى تطحن الناس دون مبرر، فأسلوب حياته يتناسب معها، فهى تسخر وهو يسخر، وهى تتلاعب وهو يتلاعب.. وهى غير منطقية وهو غير منطقى كذلك. 

«الأفوكاتو» الذى كتبه وأخرجه رأفت الميهى أحد أكابر السينما المصرية فى العام ١٩٨٤، لم يكن مجرد فيلم، بل كان نصًا مؤسسًا لقواعد كثيرة فى الحياة أهمها وكما جاء فى الحوار الذى دار بين حسن سبانخ والشاويش عبدالجبار: 

سبانخ: الحقيقة إن الحياة مقرفة جدًا يا عبدالجبار.. ولو رفضتها عشان مقرفة هتبقى مقرفة أكتر. 

عبدالجبار: طب والحل؟ 

سبانخ: الحل بسيط.. إنك تعامل الحياة بقوانينها عشان تتمتع بجمالها يا عبدالجبار. 

عبدالجبار: مش فاهم. 

سبانخ: المجتمعات المتخلفة يا عبدالجبار متعرفش حاجة اسمها العلم، وأى محاولة لتغيير حركتها بقوانين علمية تعتبر محاولة غير علمية فى حد ذاتها. 

عبدالجبار: عليا النعمة أنا حمار ولا فاهم حاجة. 

سبانخ: عشان كدا أنا باكلمك.. عشان إنت حمار.. كلكلوا حمير هنا محدش فاهمنى. 

لم يكن أسير الشعراوى يعرف عنه شيئًا، يجلس أمامه، يستمع إلى شيخ ليس بينه وبين الشيوخ التقليديين صلة، لا فى زيه ولا فى كلامه ولا فى حركات جسده المنطلقة ولا فى تأثيره، ولا فى انطلاقه فى الحديث الذى لم يكن له حدود. 

لكن ولأن كل مخبوء يقوده قدره إلى التجلى. 

فقد تجلى الشيخ الشعراوى على جمهوره بحياته كلها، من خلال برنامج «من الألف إلى الياء» الذى أعده وقدمه المذيع اللامع الراحل طارق حبيب فى نهايات العام ١٩٨٨، واختار أن يكون ضيفه الأول هو إمام الدعاة. 

فى أربع حلقات متتالية سحر الشيخ الشعراوى جمهوره، وبدأ فى تنظيم صفوف خصومه، ففى هذا البرنامج فتح على نفسه النار من بابين. 

الباب الأول: كان بسبب تصريحه الذى قال فيه: يوم نصر ٦ أكتوبر كنت فى السعودية وفى مكة المكرمة، وأنا فى الجزائر حدثت نكسة ٦٧، لكن من العجيب أننى استقبلتهما معًا استقبالًا واحدًا، هذا الاستقبال أننى انفعلت فسجدت حينما علمت بالنكسة، وحينما علمت بانتصارنا سجدت أيضًا، ولكن هناك فارق بين دوافع السجدتين، أما دوافع السجدة الأولى فقد نُقدت ممن حضرها، وأولهم ولدى. 

قال له ولده: كيف تسجد لله، وهذا علامة الشكر، من نكسة أصابتنا؟ 

فرد الشعراوى: يا بنى لن يتسع ظنك إلى ما بينى وبين ربى، لأننى فرحت أننا لم ننتصر، ونحن فى أحضان الشيوعية، لأننا لو نصرنا ونحن فى أحضان الشيوعية لأصبنا بفتنة فى ديننا، فربنا نزهنا.

والباب الثانى: كان بسبب حديثه عن نقل الأعضاء. 

قال الشيخ: الخالق الذى خلق، خلق لنا ما ينفعنا، ولكن ما لا نملكه، بمعنى لا نستطيع أن نخضعه لإرادتنا، شمس، قمر، وخلق لنا أشياء وملكنا إياها «أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون»، إذن خلق خلقًا ينفعنا، ولم يدخله تحت ملكيتنا.. لماذا؟ لأن هذا لو دخل فى ملكيتك وأنت رجل مختار تطيع أم تعصى، تتبهدل الدنيا، فالأشياء الضرورية فى الحياة ليس لك دخل بها، وهناك أشياء خلقها الله وملكها لك، ذللها وملكها وهناك أشياء خلقها لى وملكنى نفعها، ولكنه احتفظ بها لملكية ذاته، نحن نفرق بين الخلق والجعل والملك. 

«الخلق إيجاد معدوم». 

«الجعل يأخذ من المخلوق شيئًا ليتقى به شيئًا، فالإنسان يكون، ثم أخذ منه شيئًا أصبح عينًا، وشيئًا أصبح أذنًا، فهذا جعل، والمجعول شىء من المخلوق لغاية، وبعد ذلك يتركه لك ملكك، أم يتركه لك تنتفع به ولكنه ملكه». 

لو أنت ملكته تتصرف وتشترى وتبيع وما إلى ذلك أنت حر، ولكن الله قال «قل من يرزقكم من السماء والأرض» فهذه أشياء خاصة به، خلقها وانتفعت أنت بها، ولكنها ظلت فى ملكيته، وما دام فى ملكه إذن أنت لست بمالك لكى تبيع أو تهب أو تتصرف، والتبرع بالشىء أو البيع فرع ملكيته. 

«ولو أن الإنسان يملك ذاته وأعضاءه لما عاقب الله المنتحر بالخلود فى النار». 

«إذن فى الأعضاء والفلسفة الإنسانية الكذابة تقول له أنت تقول تنفع تُباع، ومرة أخرى تقول لا تباع ولكن يهبها، ومرة لا بعد أن يموت تستطيع أن تأخذها، إذ استملكتها لورثته، إذا كان هو لا يملكها وهو حى، فكيف تملكها لورثته، إذا كان الرسول، صلى الله عليه وسلم قال «لعن الله الواصلة والمستوصلة»، مع أن الشعر مخلوق عندما يحلق يطول، فقال: من أخذت من شعر أختها لشعرها فهى ملعونة، التى وصلت والتى استوصلت». 

«إذن ما معناها»؟ 

«معناها أن تلك ملكية انتفاع مثل البيت الأجرة، أنت تأخذ منفعة لا تأخذ عينًا لا تأخذ ذات، يقال إذا لم نوضب له الكلى يموت، فليمت، أنتم تمنعون الموت، إذن لماذا تبعدون لقاءه بربه ما دامت الغاية أن نلقى الله؟ ما حكايتكم؟ إن الذين تبقونهم فى غرف الإنعاش ويقومون بعمل غسيل كلوى كم مرة يغسل فى الأسبوع؟ مرتين، بكام؟ بمائة وخمسين جنيهًا، فى أربعة أسابيع ستمائة جنيه، وهل يزاول الحياة؟ هل من يأتون له بالمال ليست حياتهم ضائعة من أجله؟ إذن ماذا تصنعون به وتعذبونه هذا العذاب؟ فلنتركه يموت.. هل تريد أن تمنع الموت؟ امنعه إذن؟ 

كان لما قاله الشيخ الشعراوى صدى عنيف، تابعه فتاه عبر الصحف التى كان يحرص على مطالعتها، كان الهجوم على الشيخ شديدًا، طعنوا فى وطنيته، إذ كيف يسجد لله شكرًا على هزيمة مصر؟ وما هذه القسوة التى يتعامل بها مع أصحاب الأمراض، وكيف يقول فلنتركهم يموتون حتى لا نؤجل لقاءهم بالله؟ وهل هناك من يستطيع أن يؤجل لقاء أحد بالله؟ 

لم يفطن الفتى أن محبى الشيخ الشعراوى غضبوا هم أيضًا، اعتبروا الحوار مع الشيخ بطريقة طارق حبيب إساءة بالغة، بل وصل الأمر بهم إلى اعتباره مؤامرة كاملة. 

بعد الحلقات الأربع كتب حامد دنيا- وهو من محبى الشيخ- فى «آخر ساعة» بوضوح لا يقبل تأويلًا ولا تفسيرًا، يقول: استمرت محاولات تشويه صورة الشيخ الشعراوى، فكانت أخيرًا محاولة تقديمه كأحد نجوم السينما والمسارح والتليفزيون فى برنامج «طارق حبيب» المتهافت «من الألف إلى الياء»، وبدأنا نرى الرجل يضطر للإجابة عن أسئلة شخصية بحياته وأولاده وزوجته. 

ويشتبك «دنيا» مباشرة مع برنامج طارق حبيب، فيقول: بقدر الشعور بالملل من تلك الطريقة الجامدة التى يدير بها طارق حبيب كل برامجه، وبقدر إدانتنا لأسئلة البرنامج السطحية التى لا تليق بعالم جليل مثل الشيخ الشعراوى، فإن عتابنا على الشيخ الشعراوى قد يكون أكبر، فما الذى يضطر فقيهًا داعية للظهور فى برنامج خاص بنجوم السينما، وما الذى اضطره للإجابة عن هذه الأسئلة الفجة التى لا توجه إلا لممثلين ما زالوا فى بداية الطريق. 

وينقل «حامد دنيا» عن عبدالمنعم شمروخ مخرج أحاديث الشعراوى قوله: هناك حول الشيخ من يحاولون بيعه لكل من هب ودب فى وسائل الإعلام، وأن طيبة الرجل وحياءه تمنعانه من رد أى طارق على بابه، وقد نتجت عن هذا تلك السقطات الإعلامية والسطحية.

ويعلق دنيا أخيرًا: فى رأيى أن الرجل يحتاج لمكتب معاصر من خبراء العلاقات العامة يتميزون بالفهم المعاصر والإخلاص للإسلام والدراية بجميع التيارات المعادية والمؤامرات التى تكيد للصحوة الإسلامية ودعاتها، وبهذا نحمى فقيهًا وعالمًا عظيمًا من فئة جاهلة تريد الكيد له. 

توقع الفتى الذى بدأت صورة الشيخ تهتز عنده، أن الناس سينصرفون عن شيخه بعد ما قاله، لكنه تعجب عندما وجد أن شعبيته تزيد والإعجاب به يزداد، وكأنه لم يقل شيئًا خارجًا عن الفطرة والطبيعة والإنسانية. 

ظل الشيخ متمسكًا بما قاله عن سجدة الشكر بعد هزيمة ٦٧، وبرر ما قاله فى كل أحاديثه التالية، فقد حاول من حاوروه أن يخرجوا منه بتراجع عما قاله، لكنه كان يصر عليه، مضيفًا إليه معانى جديدة. 

لكن الشيخ أدخل متابعيه فى حالة من اللبس الشديدة، عندما قرر أن يزور قبر عبدالناصر فى أخريات حياته، معتذرًا له وشاكرًا له ما فعله، وخرج من بين أبناء الناصرية من يقول إن الشيخ يتراجع بذلك عما قاله عن ٦٧، إلا أن الشيخ أوضح أنه يعتذر لعبدالناصر عما قاله عن تخريبه جامعة الأزهر بعد أن أصدر قانونًا أدخل من خلاله العلوم الطبيعية والاجتماعية إلى قاعات الدرس بها، حيث تأكد له أن رؤية عبدالناصر كانت صحيحة. 

هذا اللبس نفسه فعله الشيخ الشعراوى فيما يخص نقل الأعضاء. 

فبعد عودته من العلاج فى لندن فى بداية التسعينيات تراجع عن فتواه وأقر بنقل الأعضاء، لكنه فجأة عاد إلى رأيه الأول. 

كانت لجنة الشكاوى والمقترحات بمجلس الشعب تناقش مشروع قانون نقل الأعضاء، وقامت بتأجيله أكثر من مرة، فخرج الشيخ بتصريحات أكد خلالها أن الفتوى المنسوبة إليه بجواز نقل الأعضاء مدسوسة عليه وأنه لم يقلها، وزاد على ذلك بالقول: الإنسان الذى يتبرع بعضو من أعضائه المزدوجة من أين له العلم بأن العضو الباقى له سيظل سليمًا؟

وتمادى الشيخ فقال: الإنسان لا يملك أعضاءه وهو حى فما بالنا وهو ميت، ثم إن القول بعدم النقل من الأحياء لا يتم إلا بناءً على تقارير الأطباء ينقصه العلم الصحيح، فالطبيب نفسه قد يفاجأ بمرض يلحق به، فكيف له أن يعرف أمراض الآخرين؟ 

توقف محب عادل إمام عند لقاء تليفزيونى عابر، وهو المقل فى ظهوره وأحاديثه الصحفية والتليفزيونية والإذاعية. 

كان عادل على سفر، أخذ فريقه ليعرض إحدى مسرحياته «شاهد مشفش حاجة» فى الولايات المتحدة الأمريكية، قطع طريقه وهو داخل إلى المطار رسام الكاريكاتير رمسيس الذى كان يقدم برنامجًا تليفزيونيًا شهيرًا هو «يا رمسيس يا»، وقبل أن يسأله فاجأه عادل بخفة دمه: إنت إيه إللى مصحيك بدرى كده يا رمسيس. 

لم يتحدث عادل كثيرًا عن حياته فى هذا اللقاء الذى كان سريعًا، لكنه لأول مرة يخرج من إطاره التمثيلى إلى حديث مباشر لجمهوره، ووجده فتاه ظريفًا سريع البديهة مقتحمًا، خفيفًا يتحرك كريشة فى الهواء الطلق، لا يبالى بشىء، ولا يلتفت إلى شىء. 

لكنه يومها وضع يده على سر من أسرار عادل امام، كان رمسيس يسأله عن علاقته بعبدالحليم حافظ الذى تعاون معه فنيًا فى مسلسله الإذاعى «أرجوك لا تفهمنى بسرعة»، وربطت بينهما علاقة إنسانية نادرة. 

كان عادل فى إجابته خاطفًا ومقتحمًا وفاتحًا بابًا جديدًا لفهمه وفتح مغاليق شخصيته فى آن واحد، قال: أنا وعبدالحليم متشابهان فى أشياء كثيرة.. هو يغنى من منطلق الحزن.. وأنا أضحك الناس من منطلق الحزن. 

كان عبدالحليم حافظ هو من سعى إلى صداقة عادل إمام، كان عادل يراه فى أماكن كثيرة فيتجاهله، اعتقد أنه بذلك يؤكد نجوميته، لكن عبدالحليم اقتحمه، ذهب إليه وسأله: إنت زعلان منى فى حاجة؟ فقال له عادل: ومين يقدر يزعل منك وأخذه بالحضن. 

ظل عبدالحليم قريبًا من عادل إمام، وظل يتابعه، وكان يتسلل إلى مسرحية «شاهد مشفش حاجة» ليشاهد مشهد المحاكمة، ثم ينصرف، وعندما قدم مسلسله الإذاعى الوحيد «أرجوك لا تفهمنى بسرعة» أصر على أن يشاركه عادل بطولته. 

صادر عبدالحليم حافظ عادل إمام لحسابه، لا يستمع غيره ولا يعترف به، وفشل أولاده أن يجعلوه يستمع للأجيال الجديدة، فقد كانت السنوات الخمس الأخيرة فى حياة حليم التى اقترب فيها عادل منه كفيلة بأن تجعله لا يرى غيره. 

ورغم بعد المسافة بين الشيخ الشعراوى وعبدالحليم حافظ فإننى وجدت شيئًا يجمعهما. 

توفى عبدالحليم فى ٣٠ مارس ١٩٧٧، ووقتها كان الشيخ الشعراوى وزيرًا للأوقاف.

عاد جثمان حليم من لندن الساعة الثالثة فجرًا، وكان من المقرر أن يوضع فى مستشفى بالمعادى، ثم ينتقل بعد ذلك إلى مسجد عمر مكرم فى الصباح للصلاة عليه، وعندما عرف الشيخ الشعراوى ذلك أصدر قرارًا بفتح مسجد عمر مكرم من اللحظة التى يصل فيها جثمان عبدالحليم إلى القاهرة وحتى الصلاة عليه. 

وعندما سئل الشيخ الشعراوى عن ذلك، قال إنه تكريم للفنان الراحل.. فقد كان يقدر فى عبدالحليم قدرته على مواصلة مشواره الفنى رغم ما يعانيه من ألم فى رحلته مع المرض. 

بعد أن أنهى الطالب المفتون بالشعراوى وعادل إمام دراسته الثانوية، وبعد أن دخل بقدميه تجارب حياتية اعتصرته بين أنيابها، فعرف معنى الحزن والتخلى والانكسار دون أن يفهم لذلك سببًا واضحًا، وجد نفسه يبتعد قليلًا عن الشيخ الشعراوى، ويقترب أكثر من عالم عادل إمام. 

لم يجد الطالب لدى الشعراوى ما يشفيه، كل ما يقدمه كان تفسيرًا غارقًا فى أعماق اللغة، وحياة بدأت تتكشف، وآراء بدا أنها لا تناسب العصر، وانتقادات بدأت تطارده على هامش آرائه ومواقفه، وتحديدًا بسبب علاقته برجال الأعمال وأصحاب شركات توظيف الأموال، وما تردد عن علاقاته بالفنانات ودوره فى إقناعهن بالحجاب. 

 الشيخ الشعراوى لم يكن له أى دور فى اعتزال شمس البارودى وأنها اختارت طريقها الجديد بنفسها

عتب الفتى بينه وبين نفسه على الشيخ الشعراوى عندما سمع من يقول إنه لعب دورًا فى إقناع الفنانة الفاتنة شمس البارودى باعتزال الفن وارتداء الحجاب، بل ودفعها إلى أن تصرح بأنها نادمة على ما قدمته من أفلام سينمائية، وأنها تناشد المنتجين أن يعدموا الأفلام التى شاركت فيها، حتى لا يشملهم الله بغضبه. 

كان الفتى يسأل نفسه: لماذا أقدم الشيخ الشعراوى على ارتكاب هذه الجريمة فى حق الإنسانية؟.. وكيف يحرم هذا الجمهور العريض من عالم شمس البارودى المثير؟ 

وعندما عرف الفتى بعد ذلك أن الشيخ الشعراوى لم يكن له أى دور فى اعتزال شمس البارودى، وأنها اختارت طريقها الجديد بنفسها، اعتذر بينه وبين نفسه للشيخ، لكنه ظل عاتبًا عليه لأنه أغوى فنانات أخريات، فتركن الفن وقمن بتحريمه. 

عادل إمام

تحول عادل إمام لدى الطالب الذى اعتبره نجمه المفضل إلى حالة يتعقب فيها أفلامه التى يذيعها التليفزيون، فكانت المتابعة عشوائية، فهو لا يشاهد إلا ما تيسر له. 

لكنه توقف معه عند محطات عديدة. 

المحطة الأولى كانت فى العام ١٩٩١ عندما شاهد فيلمه «اللعب مع الكبار».

شاهده فى سينما «اللبان» بدمياط، انفعل به ومعه، تعقب مغامرته فى كشف فساد الكبار، ابتسم لمداعباته وبكى لمعاناته، وتمنى أن ينتصر، وخاب أمله عندما مات صديقه، وتجدد لديه الأمل وهو يصرخ فى نهاية الفيلم: هاحلم... هاحلم. 

كان حسن بهنسى بهلول بطل «اللعب مع الكبار» يجسد حالة إنسانية وجدها الطالب فى كثيرين ممن يتحركون على خريطته، هؤلاء العاجزون الذين لا يملكون إلا الحلم دون أدنى أمل فى تحقيقه، وها هو بطلهم يقول لهم إن الحلم يمكن أن يتحقق.. لكنه لا يمنحهم فرصة امتلاك الأمل الكامل، فالحلم لن يكتمل أبدًا. 

وقف المفتون بعادل إمام وهو يقابل صديقه «على» أمام الأهرامات فى مشهد يجسد آمال وإحباطات مواطنين يجمعهم الحلم ولا يفرقهم البؤس. 

حسن: أنا الحارس الأمين بين يدى مولاه.. ساهرًا عليه.. قريبًا منه.. فانيًا فى ذاته.. حتى لقد أضفى على وجهى سماته وقسماته.. أنا صاحب فرعون.. بل إنى أنا فرعون.. عبدنى الناس منذ فجر الدهور.. واختلفت أسمائى باختلاف العصور. 

على: مالك يا حسن؟ 

حسن: أنا حسن بهنسى بهلول.. أنا المسكين فى هذا الزمان.. أنا المحاط بالأوهام.. أنا الذى إذا جاع نام.. أنا المخدوع بالكلام.. أنا اتسرقت يا على.. اتسرقت يا على. 

على: اتسرقنا بكل الأشكال يا حسن.

حسن: كويس إن أبوالهول والأهرامات لسه متسرقوش. 

على: عشان هم حجارة يا حسن. 

حسن: هو يعنى لازم كل حاجة فى بلدنا تبقى حجارة عشان ما تتسرقش يا على.. ده حتى الحب والروح الحلوة اتسرقوا يا على.. وآخرتها يا على؟.. آخرتها إيه يا على؟ 

وفى صيف العام ١٩٩٣ كان الباحث عن عادل إمام يشاهد فيلمه «المنسى»، ويتماهى مع هذا المواطن المطحون المحروم من أبسط حقوقه، لكنه لا يرضى بالظلم، حتى لو دخل معركة ليس مستعدًا لها. 

كان الفيلم كله فى كوم.. والحوار الذى وضعه وحيد حامد على لسان بطلىّ فيلمه عادل إمام ويسرا فى كوم آخر. 

يوسف: إنما هى الحفلة شطبت بدرى ولا إيه؟ 

غادة: لأ الحفلة شغالة بس أنا اللى زهقت ومشيت. 

يوسف: زهقتى؟ حلو قوى ده.. حلو قوى الواحد لما يزهق يقدر يمشى على طول... أنا برضه زى حضرتك كده، ساعات كتير أزهق.. بس مقدرش أمشى.. لو مشيت القطورات تخش فى بعض.. أنا لو زهقت أتسجن.. عارفة.. فيه ناس كتير تزهق بس متقدرش تمشى.. تموت وهى زهقانة.. أنا واحد منهم. 

وفى نفس العام ١٩٩٣ كان ثلاثة أصدقاء يقفون فى الشارع الذى يفصل بين دارىّ عرض «النصر» و«أوبرا» فى المنصورة. 

سينما «أوبرا» تعرض فيلم «مستر كاراتيه»، بطولة النجم أحمد زكى، الذى تم إنتاجه فى نفس العام، وسينما «النصر» تعرض فيلم «سلام يا صاحبى» بطولة عادل إمام وسعيد صالح، الذى تم إنتاجه فى العام ١٩٨٦. 

كان من الطبيعى أن يكون الإقبال على فيلم أحمد زكى أكبر وأضخم، على الأقل لأنه فيلم جديد، ولأن بطله هو أحمد زكى الذى كان قد أصبح واحدًا من نجوم الشباك الكبار. 

لكن المفاجأة أن الإقبال على فيلم عادل إمام كان الأكبر والأضخم، ويومها تأكدت أن عادل هو الأكثر شعبية وتأثيرًا فى الناس اللى تحت، فقد كان معظم جمهور سينمات المنصورة من الصنايعية والشغلية وطلاب المدارس الثانوية الفنية، وقليلون ممن نما وعيهم ونضج تفكيرهم. 

لم يستغرق الخلاف بين الأصدقاء الثلاثة سوى دقائق قليلة، تم حسم الاختيار لصالح عادل إمام، ووجد الطالب نفسه أمام فيلم يقدم فيه بطله المفضل حقيقته من جديد، لم يكن هذه المرة الفهلوى الحلنجى فقط، ولكنه كان قد أمسك بتيمته المفضلة، المواطن الفقير المطحون الذى جارت عليه الدنيا، لكنه يقهر ظروفه ويصل إلى قمة الثراء والنفوذ، لا يقف فى طريقه أحد أو شىء. 

غزا عادل إمام بصيغته الفنية التى تجسدت بقوة فى «سلام يا صاحبى» الأجيال المتعاقبة، ليس مهمًا أن تكون رحلة الصعود قانونية أو أخلاقية، ولكنها فى النهاية رحلة صعود، وزاد من تأثيرها أن البطل لا يعاقب، بل يخرج منتصرًا، ولم يكن هذا لأن البطل يستحق، ولكن لأن من كان يؤدى الدور هو عادل إمام الذى قرر ألا يعاقب أو يموت فى أفلامه. 

تأكد لى أن عادل إمام سعى طوال حياته إلى تجسيد دور البطل الذى لا يقهر. 

فى العام ١٩٨٩ عرضت دور السينما فيلم «المولد» الذى كتبه محمد جلال عبدالقوى، وأخرجه سمير سيف. 

شاهد الفتى الفيلم بعد سنوات، ولأنه كان يعرف منهج محمد جلال عبدالقوى فى منظومته الدرامية، ففى كل أعماله لم يكن هو الكاتب الذى يتواطأ مع أبطاله، يمكنه أن يحرك بطله على خريطة الانحراف المجتمعى وتجاوز القانون، لكنه لا يفلته من بين يديه، فلا بد أن يجعله فى النهاية يتلقى العقاب المناسب لما اقترفه من آثام. 

عندما قرر جلال عبدالقوى الكتابة للسينما اختار أن يكون بطله هو النجم الأول فى مصر. 

كتب قصة «المولد». 

الشاب إبراهيم «هيما العظيمة» الفقير المعدم الذى تطارده الحياة كما يطاردها، يبحث عن فرصة حتى يكون ثريًا، وبالفعل تأتيه الفرصة من باب الجريمة الكاملة، لم يترك شيئًا إلا واقترفه، بدأ بالتهريب، ثم قتل أعضاء العصابة التى يعمل معها بعد أن سرق أموالهم، قتل وسرق وبنى عمارات سقطت قبل أن يدخلها أصحابها. 

فى حوارى التليفزيونى معه، قال لى محمد جلال عبدالقوى: أنا تبت عن السينما على إيدين عادل إمام. 

رفض عادل النهاية التى كتبها عبدالقوى. 

قرر جلال عبدالقوى أن يعاقب بطله الذى تسبب فى قتل والده، وقتل بيديه خصومه، وسرق أموالهم، وطرق باب كل الجرائم بلا ضمير، لكن النجم الذى لا يقهر اعترض وتمرد، ولأسباب إنتاجية خضغ جلال عبدالقوى، وغيّر النهاية التى لا تتوافق مطلقًا مع قناعاته. 

كان لعادل إمام منطقه الخاص. 

قال لعبدالقوى: الناس لازم تصفق ليا فى نهاية الفيلم، الولاد لازم يدخلوا السينما ٣ مرات على الأقل حتى يربح المنتج. 

نفذ جلال عبدالقوى لعادل ما أراد، وقرر ألا يطرق باب السينما من جديد، فلم يكن هو الكاتب الذى يسهم فى ترسيخ قيمة شيطانية تقوم على أكتاف بطل مجرم يتحول صعوده المتجاوز للقانون إلى أيقونة يسعى خلفها الشباب.

 

الشيخ الشعراوي

لم يقترب الشيخ الشعراوى من عادل إمام.

ولم يحاول عادل إمام أن يتقاطع واقعيًا مع الشيخ الشعراوى. 

لم يحدث أن التقيا وجهًا لوجه، رغم أنهما صنعا مجدهما فى نفس الفترة تقريبًا- انطلقا إلى النجوم منذ نهاية السبعينيات- لكن ليس معنى هذا أنهما تجاهلا بعضهما. 

فى حوار الشيخ الشعراوى مع طارق حبيب فى برنامجه «من الألف إلى الياء»، تحدث الشيخ الشعراوى عن عادل وأبدى إعجابه به. 

سأل طارق الشيخ: ما الذى يضحكك فى المسلسلات والأفلام؟ 

رد: النكتة المهذبة تضحكنى وأنا يسعدنى عادل إمام.. وتعجبنى طريقة مزاولته الأشياء. 

لم يعلق عادل على ما قاله الشيخ الشعراوى، ربما لأنه كان يعرف رأيه فى الفن بشكل عام، وهو الرأى الذى لم يكن إيجابيًا. 

جاء رد عادل على الشيخ الشعراوى بعد ما يقرب من ١١ عامًا فى فيلمه «الواد محروس بتاع الوزير»، الذى تم إنتاجه فى العام ١٩٩٩، وفى مشهد تعمد عادل أن يجلس فيه على كرسى بساحة بيت واسع يلتف حوله أهالى القرية، فى مقاربة تكاد تكون متطابقة مع جلسة الشيخ الشعراوى، بل وتعمد أن يتحدث مثله تمامًا. 

كان الحديث تافهًا وفارغًا وبلا معنى. 

محروس: أنا أصلى من ساعة ما وصلت الموقع أنا والباشا الوزير وأنا شايف الواد عمال يتنطط زى فرقع لوز، مش هيجيبها البر، لقيته إيه.. بيطلع مدفع رشاش.. بيطلع إيه؟ 

الأهالى: مدفع رشاش. 

محروس: أنا أعمل إيه بقى؟ رحت طالع للواد، قلت له اضرب يا وله.. اضرب يا وله.. اضرب يا إيه؟ 

الأهالى: اضرب يا وله. 

محروس: رحت باصص له كده.. بصيت له بصات ثاقبة.. البصات الثاقبة جابت للواد استبحس نفساوى.. الاستبحس النفساوى ده يخلى الواد يترج ويتهز.. الواد فى هزته داس بصباعه على الزناد طلعت طلقة.. الطلقة دى بسرعة الصوت.. سرعة إيه؟ 

الأهالى: سرعة الصوت. 

ظل محروس يتحدث مع الأهالى بهذه الصيغة التى أوحت للمشاهدين بأنه يقوم بتقليد الشيخ الشعراوى الذى كان يتحدث مع جمهوره أثناء تفسيره بالطريقة ذاتها، يسألهم وينتظر منهم إجابة على سؤاله. 

الغريب أنه فى سبتمبر ٢٠١٢ أودعت محكمة مستأنف الهرم فى حيثيات حكمها ببراءة عادل إمام من تهمة ازدراء الأديان، أن الفنان الكبير لم يقم بتقليد الشيخ الشعراوى. 

كان المحامى الذى رفع الدعوى ضده قد قال فى دعواه: إن عادل إمام فى فيلمه «الواد محروس بتاع الوزير» جمع أهل بلدته وجلس يحكى لهم مشاهد عملية اغتيال الوزير، وكيف أنقذه، وأنه حاول تقليد الشيخ الشعراوى وارتدى ملابسه بشكل به سخرية.

قالت المحكمة: عادل إمام لم يقم بمحاولة تقليد الشيخ الشعراوى، ولم يقل شيئًا له علاقة بالدين بذات المشهد، ولم يرتدِ زيًا مماثلًا لزى الشيخ، ولم يتكلم بسخرية، ولم يتواجد داخل مسجد، كما ادّعى المحامى مقيم الدعوى. 

لم يغفر جمهور الشيخ الشعراوى لعادل إمام هذه السخرية التى استقرت فى ضمائرهم رغم ما قاله الحكم القضائى، ولذلك جعلوا الشيخ فى مواجهة الزعيم، وهى المواجهة الافتراضية التى جرت عبر اليوتيوب فقط. 

جاءوا بمقطع للشيخ الشعراوى يتحدث فيه قائلًا: لما شاب يحب يستقيم يقولوا له اتجوز، يعنى إيه اتجوز؟ يعنى يقيم حياته على لحظة الطهر، يرتاح من المعاصى، وساعة أن يأتوا إلى هذه اللحظة فى فيلم أو تمثيلية يجيبوا مأذون ويظهروه بمظهر منفر، يسخروا منه. 

ثم وضعوا مشهد عادل إمام فى مسرحية «الواد سيد الشغال» وهو يسخر من المأذون ومن ملابسه ومن طريقة كلامه.. وكأنهم يقولون إن الشيخ كان يسخر من عادل إمام تحديدًا.. رغم أن الظاهر أن الشيخ كان يتحدث بشكل عام ولا يقصد ممثلًا بعينه.

الغريب أن عادل إمام تحدث عن هذا المشهد تحديدًا فى حوار أجراه معه عمرو عبدالسميع فى العام ١٩٨٨، وضمنه كتابه «حوارات الحب والفن والحرية». 

كان سؤال عمرو: هناك مشهد قصير فى مسرحيتك «الواد سيد الشغال» يتعلق بالمسلسلات الدينية، وقد فوجئت بالعديد من الصحف المصرية تقف ضده وتتكلم عنه بطريقة فيها استهجان شديد، هل ترى أن هذا النوع من الكتابة يشجع التطرف؟ 

وكانت إجابة عادل: أولًا لقد فهموا المشهد خطأ، فأنا أتناول فى هذا المشهد الممثلين الذين يقومون بأداء معين فى مثل هذه المسلسلات، فهذا المشهد لا علاقة له بالدين مطلقًا، أردت أن أبرز عيوب التمثيل فى المسلسلات الدينية، ومع ذلك لم أسلم ممن يقولون إننى أسخر من الدين، هؤلاء الكتّاب والكتبة لا يختلفون كثيرًا عمن يحرّمون المسرح، ولو أن هؤلاء الكتّاب يتظاهرون بأنهم مثقفون. 

عادل إمام

خلال دراسته الجامعية انتقل الطالب المفتون بالشعراوى وعادل إمام من خانة المسحور بهما إلى خانة من أفاق على ضرورة أن ينتقد ما يتلقى دون أن يستسلم.. أن يناقش دون أن يخضع.. أن يمزق الصورة المرسومة ويبدأ فى رسم صورة جديدة خاصة به تحمل تصوراته وما يعتقد أنه صحيح.. حتى لو خالفت ما اعتقده الناس فيهما، واطمأنوا إلى أنه صحيح. 

بدأ بالشيخ الشعراوى الذى كان مادة لكتابه الأول «محاكمة الشعراوى.. ما له وما عليه»، الذى صدر فى العام ١٩٩٦، ومحورًا لكتابه الثانى «الشعراوى والسادات.. الدين فى فراش السلطة»، الذى صدر فى العام ١٩٩٨، ثم أصبح واحدًا من الشخصيات التى يعمل عليها كلما تيسر له ذلك. 

يوم وفاته كان يومًا حزينًا، لم يكن للحزن مبرر ولا سبب منطقى لدى المفتون السابق بالشيخ، فنحن نسير باتجاه أقدارنا، ولا بد أن نموت جميعًا، لكنه الارتباط الروحى الذى ظل قلقًا لا يستقر بين الإعجاب الشديد والنفور الذى كان يسيطر أحيانًا.. وكان أن أصبح الشيخ موضوعًا للبحث والدراسة، دون أن يمنع الحزن محاولة وضعه فى سياقه العام بعيدًا عن الافتتان به أو التقليل من قدره، دفاعًا عنه عندما يستوجب الموقف الدفاع، وهجومًا عليه عندما يكون الهجوم ضرورة، دون شعور بأى تناقض أو الوقوع فى فخ الازدواجية. 

وبعد سنوات دخل فى معارك صحفية وضع خلالها عادل إمام وما يقدمه على مائدة النقد العنيف، وهو النقد الذى طال ما يقدمه من محتوى فنى، وما يأتيه فى حياته من سلوك سياسى وفنى وشخصى. 

كان زواج ابنة عادل إمام من قيادى إخوانى لحظة فارقة فى تفاعل المعجب به معه، اتهمته بأنه سلم ابنته لطيور الظلام، وهو الذى ظل طوال عمره يواجههم ويقف فى طريقهم، غضب واعتبر ما كتبت تجاوزًا، وعندما أصبحت أبًا قدرت ما فعله، فما كان له أن يقف فى وجه سعادة ابنته، حتى لو كانت هذه السعادة لا تريحه ولا ترضيه. 

كان النقد حادًا وغاضبًا وأحيانًا كثيرة كان متجاوزًا. 

لكننى أعترف بأن ما كتبت لهما وعنهما لم يؤثر على حبى لهما وإعجابى بهما. 

لدىّ كثير مما يجمع بين الشيخ الشعراوى وعادل إمام.

ولدىّ كثير مما يفرق بينهما. 

لكنهما فى النهاية صنيعة ظروف واحدة، وهى الظروف التى جعلت لهما نفس الأثر فى حياة الناس، رغم أن البضاعة التى يقدمها كل منهما مختلفة تمامًا، بل متناقضة ومتصارعة إلى حد العداء. 

كل ذلك يدفعنى هنا لأن أضعهما على خط واحد. 

وأعتقد أنك ستكون معى على موجة واحدة بعد أن تقرأ ما سأعرضه عليك من حياتهما وأقوالهما، فهما يمثلان وجهًا واحدًا فى مجالنا العام، رغم أن الأول إمام الدعاة، والثانى إمام الفنانين أو زعيمهم. 

قد تعتقد أنه لا يمكن أن يكون هناك طريق واحد يمكن أن يسير فيه الشعراوى وعادل إمام، فوجه التشابه الوحيد بينهما أن كلًا منهما نجم فى مجاله تجاوزت حدود شعبيته بما لا يقدر العقل على استيعابه. 

لكن فى الحقيقة أننا أمام رجل واحد. 

تقاطعت السبل وتفرقت كثيرًا بين الشعراوى وعادل إمام. 

عاشا حياة متشابهة. 

وانطلقا إلى عالم الشهرة والنجومية فى توقيت واحد تقريبًا. 

وكان لهما نفس التأثير فى الرأى العام. 

اقتربا من السلطة بنفس القدر.. واحتفظا لنفسيهما بمساحة من الاستقلالية أصرا عليها.

وعبرا الأجيال بتأثيرهما. 

واستطاعا أن يحجزا مكانهما فى سفينة الخلود. 

هذه قراءة مجتمعية شاملة لرجلين يمكن أن تعتبرهما ظاهرتين مختلفتين.. رغم أننا بقليل من التأمل سنكتشف أنهما وجهان لظاهرة واحدة. 

قراءة يختلط فيها الدين بالسياسة.. ويطل خلالها الفنان من قلب ملامح الإمام.. نرسم بهما صورة لمصر على مدار ما يزيد على نصف قرن، ونقرأ عند أطراف أصابعهما تحولات كبرى جرت فى مصر.. ونرصد على هامشهما ما ينتظرهما فى المستقبل.. فعادل إمام كما الشعراوى، تجاوزا حدود الظاهرة حتى أصبحا جزءًا مهمًا من تكويننا الذى يختلط فيه طوال الوقت الجد بالهزل.. والفرح بالحزن.. والانتصار بالانكسار.. والريبة فى الحاضر بالخوف من المستقبل.