الثلاثاء 24 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

فى حضرة الفنان.. ما يخفيه فاروق حسنى

فاروق حسنى
فاروق حسنى

- الأمم التى تهمل فنونها تفرّط فى صورتها أمام نفسها

- فاروق حسنى قدوة حقيقية لكل من يسعى إلى الجمع بين الفن، الثقافة، والنزاهة فى حياة عامة مليئة بالتحديات

- خلال عملى وزيرًا تمتعت بحرية كاملة وفعلت ما أراه فى صالح الوطن وما يليق بالثقافة فى دولة بحجم مصر.. وقد ساندنى الرئيس مبارك باقتناع فى كل مشروعاتى الثقافية بالوزارة

اليوم، فى الواحدة والنصف ظهرًا، كان موعدى مع الفنان فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق، فى متحف لوحاته الذى يحمل اسمه فى الزمالك؛ ذلك المكان الذى لا يُشبه المتاحف بقدر ما يُشبه سيرة معلّقة على الجدران، وذاكرة وطن تمشى على أطراف اللون.

سعدتُ كثيرًا بالدعوة التى تلقيتها من سيادته لهذا اللقاء؛ دعوة سبقها شوق داخلى لدىّ، ورغبة فى أن أقترب من رجلٍ ظلّ اسمه لسنوات طويلة مرادفًا للثقافة فى مصر، ووجهًا من وجوهها الكبرى، وتلقى الوزير الفنان رغبتى بترحابٍ كريم، كعادته، فكان الموعد.

وقبل اللقاء، ساورنى هاجسٌ عابر.. ظننتُ أن الالتقاء بالأستاذ فاروق حسنى خارج المنصب قد يكون أسهل، بل ربما أكثر يسرًا؛ فهو الآن يمتلك فسحة من الوقت، ومسافة بعيدة عن الأعباء، لم تكن متاحة حين كان على رأس وزارة ظلت لعقدين ونصف أحد أهم مواقع الفعل الثقافى فى العالم العربى.

وحدثتنى نفسى قبل الموعد الذى أخطرنى به مدير مكتبه الأستاذ محمد حسين، الذى يعدّه الوزير ابنًا له- أن مثل هذا اللقاء ربما ما كان ليتحقق لو كان الرجل لا يزال فى منصبه، قياسًا على ما يحدث فى هذه الأيام، حيث لا يهتم كثير من الوزراء بأقلام الكُتاب، ولا يصغون لرؤاهم وأفكارهم؛ وربما يكتفون- فى أحسن الأحوال- برد بروتوكولى عبر مستشار إعلامى، قد يفتقد للياقة الحوار، وروح الإنصات، وأدب الاختلاف.

لكن بعد أن جلستُ إلى الأستاذ فاروق حسنى.. تيقنتُ أن كل ما دار فى النفس كان هواجس حمقاء، وتقديرًا متعجلًا، فاليوم، يبدو فاروق حسنى أكثر انشغالًا من وقت أن كان على رأس الوزارة، لكن انشغاله هذه المرة ليس مرتبطًا بالمنصب أو السلطة، بل بمشروع أراه يمد حياته ويغذى روحه، يدعم فيه إبداعات الشباب من الفنانين والمبدعين، ويقدمهم للمجتمع، ويضعهم على أول الطريق نحو التميز والإبداع.

كلية الفنون الجميلة جامعة الإسكندرية

إنه مشغول بمحبة الناس وتلاميذه ومريديه فى الفن، محبة صافية بعيدة عن أى حسابات، محبة مرتبطة بالرسالة نفسها، التى لا يريد لها مقابلًا؛ بل ينفق عليها من ماله، وجهده، ودمه، وأعصابه، وقبل مقابلته، انتظرته لحظات وهو يستقبل بعض الشباب من الفنانين، ومن بينهم فنانة شابة جاءت لتهديه كتابًا جديدًا لها، ولاحظت على الفور أنه دائمًا يفتح ذراعيه للمبدعين الصغار، يسألهم عن أعمالهم، يجيب عن أسئلتهم، ويشاركهم من خبراته الطويلة دون أى تحفظ، ويتيح لهم أن يأخذوا من تجربته، وأن يستفيدوا من مسيرته، دون أن يمنع شيئًا عنهم، مؤكدًا أن المعرفة والثقافة أمانة يجب أن تنتقل من جيل إلى جيل.

وكل ذلك ليترك أثرًا دائمًا وقدوة مستنيرة، ويمنح الشباب شعورًا بأن الفن والثقافة رسالة قبل أن تكون وظيفة أو منصبًا، وأن الإبداع ليس مسألة سلطة، بل روح حية تُنمى بالاهتمام والحرية والقدوة.

لقد أدركتُ بعد الإبحار فى شخصية الإنسان والفنان فاروق حسنى، أن الرجل لم يكن يومًا أسير المنصب، ولا متكئًا على الكرسى. ولو أن هذا اللقاء قد حدث قبل عام ٢٠١١، والوزير فى قمة مجده الوظيفى، وأوج حضوره التنفيذى، لتحقق أيضًا.. لأن الثقافة لديه لم تكن وظيفة، بل كانت قناعةً عميقة، ومشروع عمر.

استقبلنى الأستاذ فاروق حسنى بهدوء الفنان، لا بصرامة الوزير، وطلب لى قهوتى بلطف كريم، وجلسنا فى مكان يفضله بالقاعة الرئيسية بالمتحف، وفى جواره مائدة صغيرة فوقها نسخ الصحف الصباحية اليومية، وهى التى لم نعد نراها اليوم أو نرى أحدًا يهتم بها، إلا من أدرك قيمة الصحافة الحقيقية، وكان المكان يشى بسيرته من خلال لوحات تتجاور كما تتجاور مراحل العمر، ألوانٌ صاخبة وأخرى متأملة، خطوطٌ تبدو كأنها تبحث عن معنى أبعد من الشكل، شعرتُ أننى لا أدخل متحفًا، بل أدخل عقل رجلٍ ظلّ لعقودٍ يفكر فى صورة مصر قبل أن يفكر فى صورته.

مع لويس عوض

تحدث الفنان فاروق حسنى عن الثقافة باعتبارها «قوة ناعمة» قبل أن يصبح المصطلح دارجًا، وعن معاركه الصامتة داخل المؤسسات، وعن إيمانه بأن الجمال ليس ترفًا، بل ضرورة حضارية، فقال- فى معنى حديثه- إن الأمم التى تهمل فنونها تفرّط فى صورتها أمام نفسها قبل أن تفرّط فيها أمام العالم.

وخلال حواره معى، تكلم الوزير فاروق حسنى عن علاقته بالطب والإبداع، وذكر أنه لطالما أحب الطب، فقد احتوت دراسته على مناهج دقيقة لدراسة تشريح الجسم البشرى، ما أكسبه فهمًا معمقًا لجسم الإنسان وأسراره، وشاركنى بعض الإصلاحات الطبية والأفكار التى عكست مدى اطلاعِه الطبى المهم، فاستمع باهتمام، ثم تحدث عن قناعته الراسخة بأن الطبيب، بحكم دراسته الموسوعية، يمتلك قدرة على التعمق العلمى تسمح له بالتوسع فى مجالات أخرى، بما فيها الفنون، إذا توافرت لديه الموهبة والقدرة، مؤكدًا أن العلم والفن ليسا طريقين منفصلين، بل مساران يمكن أن يلتقيا فى ذهن موسوعى واعٍ.

مع الملكة فريدة وحياة الحينى

وتحدث عن الزمن الذى قضاه فى الوزارة، لا بنبرة استدعاء أمجاد، ولا بروح دفاع، بل بروح شاهدٍ على مرحلة. كشف عن تفاصيل لم تكن متداولة، وعن رؤى كانت تُدار خلف الأبواب المغلقة، وعن صراعاتٍ لم تكن سياسية فقط، بل ثقافية وفكرية فى المقام الأول، وقلت له بعد أن أنصت إليه: لقد جعلت الطريق شاقًا على كل من سيأتى بعدك، ورفعت المعايير وأصبحت قدوة يصعب على من يأتى بعدك أن يرقى لها.

وقد بدأ الحديث عن الفن، لكنه لم يبق طويلًا فى حدوده الضيقة، فقد نقلته أنا إلى ساحة أكثر اتساعًا، وأكثر التباسًا.. ساحة الأدب والكتابة، حين قدمت لسيادته نسخًا من بعض أعمالى الروائية تحمل إهداءات إلى مقامه ومكانته، وقد سعد بها كثيرًا، واختطفت الفرصة وتحدثت مع الوزير عن حال الكلمة اليوم، عن مستوى كثير من الأعمال المطروحة فى الأسواق، وعن تلك النصوص التى لا يرتقى أغلبها- فى تقديرى- إلى مقام الفن الأدبى، ولا إلى أىٍّ من شروط الإبداع الراسخ، وقلت له بصراحة: حين يصبح من يدفع هو من ينشر، وحين تتحول دور النشر إلى منصات خدمات لا مؤسسات ثقافية، يغيب السؤال عن القيمة، ويتراجع معيار الجودة، وتصبح السوق- لا المعنى- هى الحَكَم الأول والأخير.

فهل لا يزال المحتوى هو الأهم؟ أم أن معادلة الفن المكتوب باتت خاضعة بالكامل لمتطلبات البيع، وموجات الرواج، وخوارزميات الانتشار؟

طلاب من كلية الفنون الجميلة بمعرض فاروق حسنى

أصغى الوزير الفنان باهتمام، ثم أجاب بهدوء لا يخلو من مرارة العارف: إن ما يحدث فى الأدب ليس معزولًا عن السياق العام لتطور المجتمع؛ فنحن نعيش تحولات عميقة تمس الذوق العام، وأنماط التلقى، وسرعة الاستهلاك الثقافى، وأكد أن الإشكال لا يقتصر على الكتابة فقط، بل يمتد إلى معظم الفنون؛ حيث يتراجع التكوين العميق لصالح الصورة السريعة، ويعلو الصخب على حساب القيمة، ويصبح الانتشار بديلًا عن التأثير، وكان للفنان فاروق حسنى نقد واضح لما يُدار فى بعض دوائر الفن اليوم، محذرًا من أثر ذلك على الأجيال الجديدة، التى قد تلتبس لديها المعايير بين الحضور الإعلامى والجدارة الفنية، لكنه أشار فى الوقت ذاته إلى أن الأزمة معقدة، والتحديات شديدة، وأن الإصلاح لا يكون برفض الردىء فقط، بل بإعادة بناء التذوق الفنى، ودعم النماذج الجادة، وترميم الجسور بين المؤسسة الثقافية والمجتمع، وأن هذا ما يحاول أن يقدمه من خلال تجربة مؤسسة فاروق حسنى للثقافة والفنون.

لكننى عدت إلى مناوشته باعترافى بأننى واحد من أبناء هذا البلد الذين تأثروا إيجابيًا بالمناخ الثقافى فى فترة توليه وزارة الثقافة، وسألته مباشرة: هل هناك تحديات موجهة أو ضغوط خارجية تمنع ضبط الثقافة وحماية الأجيال وتكرار التجربة؟

أجابنى دون تفكير: بالقطع «لا»، ثم ابتسم قبل أن ينسج لى سردًا عن لحظة قبوله منصب وزير الثقافة فى وزارة عاطف صدقى الثانية، عام ١٩٨٧، التى تشكلت عقب انتخاب الرئيس محمد حسنى مبارك لفترة رئاسية ثانية، وكان آخر منصب يشغله قبلها هو مدير الأكاديمية المصرية للفنون بروما.

روى لى أنه رفض تولى المنصب فى البداية، فقد تحدث إليه الدكتور عاطف صدقى المكلف بتشكيل الوزارة وقتها، واضطر إلى القبول بعد إلحاحه المتكرر، بعد أن أكد له أن الرئيس مبارك اختاره شخصيًا ومتحمس لدوره ومشاركته فى الوزارة، وأوضح الوزير فاروق حسنى أنه كان مترددًا، لا لأنه يخشى المسئولية، بل لأنه لا يريد أن يقيد حريته كفنان، وأن ما حققه فى الأكاديمية المصرية للفنون بروما كان ثمرة جهود مكثفة جعلت منها منارة مصرية فى الغرب الأوروبى، تعكس حضارة مصر للعالم من خلال فعالياتها وأنشطتها المختلفة وارتباط رواد الأكاديمية بها.

وقال إن تكليفه المنصب فى البداية أثار لديه شعورًا حادًا بالاكتئاب، وهو تصريح أثار الدهشة بالنسبة لى، لكنه أضاف أنه كفنان لم يرغب بالارتباط بقيود المنصب، وأن حرية الفن عنده كانت دائمًا قيمة عليا، حتى قبل المسئولية الرسمية، وحكى كيف كان الحوار مع عاطف صدقى قائمًا على الصراحة: «أنا هتعبكم.. وهاعمل اللى شايفه صح»، فرد عليه رئيس الوزراء: «اقبل الوزارة، وكلنا هنقف وراك».

وعندما عدت إلى سؤالى عن احتمالية وجود أى قيود داخلية أو خارجية تحد من منهجية الثقافة أو تطورها أو تنمية الوعى الثقافى لدى المواطن، أجاب بثقة: لو شعرت بذلك ولو للحظة واحدة، لما بقيت دقيقة واحدة فى منصبى، فقد تمتعت بحرية كاملة وفعلت ما أراه فى صالح الوطن وما يليق بالثقافة فى دولة بحجم مصر، وقد ساندنى الرئيس مبارك باقتناع فى كل مشروعاتى الثقافية بالوزارة.

وسألت الفنان فاروق حسنى، بمرارة عن مشروع «القراءة للجميع»، الذى كان أيقونة الثقافة المصرية فى عهده، وكيف كنت أرى الناس فى الشوارع يحملون حقائب الكتب بسعر جنيه واحد للكتاب، لتتحول هذه المبادرة إلى نواة لمكتبة صغيرة فى كل بيت، تحمل الثقافة إلى كل الأسرة، وتزرع حب القراءة فى النفوس.

ابتسم الوزير قبل أن يبدأ بسرد الحكاية، فقد كان هناك مخزن هائل للكتب يتبع الهيئة العامة للكتاب فى شارع فيصل بالهرم، وعندما قرر زيارته بصحبة المرحوم الدكتور سمير سرحان، رئيس الهيئة فى ذلك الوقت، أصابته الدهشة من اتساع المساحة الهائلة، التى أراد أن يُستفاد منها فى نشاط آخر للهيئة أيضًا.

واقترح الوزير أن تُشكل لجنة تختار مجموعة مكتبية متنوعة، تغطى مختلف الاهتمامات من هذا المخزون المتراكم من الكتب ذات العناوين الهامة لكبار الكتاب فى مصر وفى العالم من الأعمال المترجمة، ثم تُغلف وتُباع بسعر رمزى، لتصبح نواة لمكتبة فى كل بيت مصرى، وكان الدكتور سمير سرحان مترددًا فى البداية، متسائلًا: كيف يمكن بيع الكتب بأسعار مخفضة دون التأثير على قيمة الهيئة أو النشاط المالى؟

وهنا أبدع الوزير فاروق حسنى فى جرأته القيادية قائلًا للدكتور سمير سرحان: «نفذ، وأنا أتحمل المسئولية كاملة وهامضى على ذلك»، قالها بكل وضوح، بجرأة وشجاعة فى القرار، مؤكدًا أن ثقافة ووعى الشعب لا تنتظر الحسابات المالية الصارمة، وكان لهذا القرار أثر طويل، فقد استفادت فئات الشعب المختلفة، خاصة النشء والشباب من هذه المبادرة لسنوات طويلة، وامتدت آثارها فى عقول الأجيال، حتى ما قبل قيام ثورة ٢٠١١، حين كانت المكتبات المنزلية الصغيرة حاضنة للمعرفة، وبدأت فى تكوين جيل يقرأ ويحب الثقافة قبل أن يصبح مجرد مستهلك للمعرفة.

وحين نعود إلى حياة الطالب فاروق حسنى الدراسية الأولى بالإسكندرية، نجده شابًا كان يحلم بأن يصبح طبيبًا، فقد أحب دراسة الطب منذ الصغر، حتى إن أغلب أصدقائه المقربين الآن من كبار الأطباء كما ذكر لى. لكن والدته رفضت دخوله كلية الطب، وأصرت على أن يلتحق بكلية الفنون الجميلة، مؤكدة أنها ترى فيه موهبة حقيقية، وأن له شأنًا كبيرًا فى المستقبل.

ورغم أنه وعدها بألا ينقطع عن موهبته إذا التحق بالطب، إلا أنها قالت: «موهبتك تحتاج للعلم، والدراسة، ولا يكفى أن تكون لديك موهبة فقط دون معرفة»، وحاول بعد ذلك أن يقنعها بالتحاقه بكلية الحقوق، مستعينًا بصديق فى المجال، لكنه اصطدم بالإصرار نفسه؛ والدته رفضت، وأصرت على الفنون الجميلة.

وأيام الجامعة كانت شاهدة على صقل هذه الشخصية وإصرارها الداخلى، فقد نشأت صداقة وثيقة بينه وبين صديقه الراحل الدكتور سيد بدر، الذى تخصص فيما بعد فى جراحة العظام. وكانا يجلسان معًا فى وقت الاستذكار كل فى مجاله؛ الطالب فاروق حسنى يرسم، وصديقه يطالع مراجع الطب، وفى إحدى المرات نظر سيد بدر إلى لوحات صديقه فاروق وقال له: «ما تتعبش نفسك يا فاروق.. أنت مش هتبقى حاجة»، فرد عليه بتحدٍ صامت وثقة لا تهتز: «إن شاء الله سترانى وزير ثقافة مصر».

هذا المشهد، كما يقصه الأستاذ محمد حسين مدير مكتبه، يعكس أن الفنان فاروق حسنى، حين جاء للمنصب، كان ينفذ مشروعًا اختارته له العناية الإلهية؛ وربما كان إصرار والدته على الالتحاق بكلية الفنون الجميلة جزء من هذه العناية، لذا كان دائمًا جريئًا وحاسمًا فى قراراته ورؤيته ومشروعاته الثقافية أثناء تقلده مسئولية وزارة الثقافة، أو فى مواجهة تحديات المجتمع والفنون.

وسألت الأستاذ فاروق حسنى عن مؤسسته التى تحمل اسمه للثقافة والفنون، وذكرت له أننى أرى فى الجوائز الفنية التى تمنحها المؤسسة سنويًا إطارًا يسمح لها بأن تتحول إلى جوائز عالمية، فأجابنى بهدوء: أفكر فى ذلك منذ اليوم الأول.. فالفن ليست له حدود، وأضاف أنه يطمح لأن تبقى المؤسسة مساحة خالصة للإبداع، تتجاوز المناهج والقيود التقليدية والحدود، لتلهم الفنانين الشباب فى كل بقعة على سطح الأرض، وتمنحهم الثقة بأن قيمتهم لا تقاس بالمال أو بالمكانة، بل بالإبداع نفسه.

ثم انتقلنا إلى الحديث عن نشأة المؤسسة وكيفية تمويل أنشطتها، وحكى لى أنه خصص لها وديعة محدودة كوقف من ماله الخاص لتغطية المصروفات الأساسية، بما فى ذلك رواتب العاملين، وهنا تدخل الأستاذ محمد حسين الذى شاركنا الحوار، موضحًا أن الوزير يرفض أى دعم مالى أو تبرعات خارجية، وأضاف الفنان فاروق حسنى أن نائب رئيس مجلس الأمناء هو المهندس نجيب ساويرس، وأنه ذات يوم قال له: لدى ٣٣ شركة كبرى يمكنها دعم أنشطة المؤسسة من باب المسئولية المجتمعية، وهناك أيضًا عروض من جامعات خاصة لإقامة معارض المؤسسة لديها، وجهات رعاية متعددة، لكنه رفض جميع هذه الخيارات والعروض، مؤكّدًا لكل من قدمها إذا أردتم تقديم شىء، اقتنوا لوحات الفنانين المبدعين من الشباب، شجعوهم، وأقيموا لهم المعارض، أما مؤسستى فأنا كفيل بها.

وأكمل الوزير بصراحة تامة: لا حاجة لى للمال، وليست لدى نفقات خاصة؛ أنا لا أدخن، ولا أمارس عادات معينة، حتى فى الطعام أتقيد بالبساطة، وكل إرادتى تتركز فى إيمانى بالله الذى يعرف صدق نوايا واهداف ما فى القلوب، وما أملكه أكرسه للمؤسسة، لتصبح تجربة مشجعة للأجيال، ونموذجًا للقدوة، وحدثًا إبداعيًا يلتف حوله الشباب، ويستلهمون منه روح المبادرة والعمل الجاد».

هذه الرؤية التى امتلكها الفنان فاروق حسنى لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتاج إرادة داخلية قوية، شىء يتحرك بداخله دون حاجة لإرادة خارجية، دافع روحى وأخلاقى قاده دائمًا نحو الاختيار الصائب، بعيدًا عن المصلحة الشخصية.

وقصّ لى الوزير حكاية تعكس هذه الرؤية ومتانة إرادته الذاتية، أنه فى وقت قيام الثورة، كان الإطار العام يضيق شيئًا فشيئًا، وفى كل يوم يُقبض على رمز من رموز نظام الرئيس مبارك، وكان الوضع مشحونًا بالقلق والاضطراب، والدائرة تضيق فى تلك اللحظات، ولم يعد هناك سوى الدور على وزير الثقافة، ووقتها نادى الوزير على الأستاذ محمد حسين، الذى يعمل معه منذ خمسة وعشرين عامًا، وقال له بكل هدوء وثقة: محدش يقلق، ولا يخاف.. إحنا هنمشى، لكن هنكون أحسن من كده، وهنعمل شىء أفضل مما أنجزناه هنا، وأضاف بحزم: أنا مش هاتسجن، لأننى لم أمد يدى يومًا على المال العام.

وعرفت من حديثه أن قيادات الإخوان، فى وقت مراجعة جهاز الكسب غير المشروع لممتلكاته، ساوموه على رد مبالغ كان يُدعى أنها موضع خلاف، لكنه رفض، وقال ببساطة ووضوح: لو سرقتها، فلتسجنونى بها، وبعد ذلك، برأته محكمة النقض، لتثبت نزاهته وصدق قوله، وأن كل ممتلكاته وثروته من مصادر مشروعة.

هذا الموقف، كما يرويه الوزير، يعكس عمق أخلاقيته، وثباته على المبادئ، وشجاعته فى مواجهة كل ضغوط السلطة أو التغيرات السياسية، ليظل قدوة حقيقية لكل من يسعى إلى الجمع بين الفن، الثقافة، والنزاهة فى حياة عامة مليئة بالتحديات.

أغلب ما يقلقنى الآن، هو عزوف الفنان فاروق حسنى عن التحدث بتوسع عن تجربته الطويلة والمشرقة، التى نحتاج لتقديمها للأجيال الحالية؛ فحال العظماء دائمًا هو التواضع ونكران الذات، وألا يستجيبوا بسهولة على الطرق على أبوابهم، وربما فى هذا خسارة كبيرة للأوطان، وعرفت أن الوزير لم يكن ليظهر فى مناسبة افتتاح المتحف المصرى الكبير لولا اهتمام الرئيس عبدالفتاح السيسى بذلك، فهو من الأصل لم يكن يرغب فى الإشارة إلى دوره وأنه صاحب فكرة المتحف المصرى الكبير وأول من بدأ وأشرف على وضع خطط تنفيذه الأولى، وعندما نال جائزة إنجاز العمر فى المملكة العربية السعودية، كان الإصرار الكبير للمملكة، والأمير محمد بن سلمان، ما دفعه أيضًا للظهور، فهو دائمًا يفضل ألا يتحدث، ويترك أعماله وإنجازاته لتتحدث عنه، وهذه هى الإشكالية الكبرى: رجل عظيم، لكنه يختار الصمت أمام مجده الخاص.

وفى جولة، اصطحبنى فيها الأستاذ محمد حسين داخل المتحف، شاهدت كل لوحة من الأعمال الخالدة والعالمية للفنان فاروق حسنى، وشرح لى مناسبتها، وكذلك المقتنيات التى اقتناها من معارض مختلفة لكبار الفنانين فى مصر والعالم، من بينها ظهرت مخطوطة بالخط العربى لخطاط قديم اسمه محمد إبراهيم، وكتب عليها «من صَبر ظَفر» وعرفت أنها الحكمة التى وضعها الإنسان فاروق حسنى نِصب عينه طوال مشوار حياته، وكل هذه الأعمال والمقتنيات تبرع بها للمتحف تحت رعاية الدولة، ممثلة فى وزارة التضامن الاجتماعى، لتظل متاحة للناس، وللأجيال المقبلة، لتشهد على إرث فنى وثقافى لا يُنسى.

وبالمتحف، أيضًا، مكتبة للمؤلفات والكتب فى كل مجالات الفنون، ويجرى الآن الإعداد لتوسعتها وتوثيقها، ثم استمتعت كثيرًا بالوقت الذى قضيته فى قاعة العروض المرئية، حيث شاهدت أجزاء من سلسلة سنوات الفن والثقافة، وهى سلسلة من اللقاءات التى يشارك من خلالها الفنان فاروق حسنى ذكرياته ومذكراته ويعرض فيها مشروعات ومبادرات وأعمال أطلقها أثناء توليه منصب وزير الثقافة، من بينها حلقات عن ترميم أبوالهول، ومعبد الأقصر، وأخرى عن إنشاء المسرح التجريبى وصندوق التنمية الثقافية والجهاز القومى للتنسيق الحضارى، وغيرها الكثير عن إنجازات المشوار الطويل. 

إن الخروج من متحف الفنان فاروق حسنى بعد هذه الزيارة، لا يُشعر المرء إلا وكأنه حمل جزءًا من روحه وثقافته، وتأثر بمسيرة رجل جعل من الفن والثقافة رسالة وحياة، ومن إبداع الشباب مشروعًا مستمرًا، لقد كانت الساعات التى قضيتها فى هذا اللقاء مليئة بالحكايات والدروس، وأثبتت لى أن الثقافة ليست مجرد كلمات أو لوحات، بل تجربة حية تُنمى الفكر، وتزرع الحب فى النفوس، وتترك أثرًا دائمًا على من يتابعها.

وأدعو كل من يُقدر الفن، وكل من يحب الثقافة، أن يزور متحف فاروق حسنى، ويتتبع أنشطة مؤسسة فاروق حسنى للثقافة والفنون، ليشهد بعينيه كيف تتحول الرؤية إلى واقع، وكيف يمكن للمبادرة الفردية أن تصنع نموذجًا للأجيال، وتبنى جسورًا بين الماضى والحاضر، بين الإبداع الفردى والرسالة المجتمعية. فزيارة هذا المكان ليست مجرد جولة، بل رحلة فى عمق الفن، والتاريخ، والإرادة الإنسانية النقية.

لقد انتهت الساعتان سريعًا.. أسرع مما توقعت، وحين خرجتُ من المتحف كنت أكثر يقينًا بأن بعض الرجال لا يصنعهم المنصب، بل هم من يصنعون للمنصب معنى، وأن الثقافة، حين تسكن شخصًا بحق، لا تغادره بانتهاء القرار الجمهورى.