كشف أدبى عمره 92 عامًا
قوت القلوب تتحدث.. حوار نادر لـ «سيدة الجدل الأولى» مع مجلة «مجلتى»
أسرار الأديبة قوت القلوب الدمرداشية لا تنفد، فكلما مرّ الزمن تكشف لنا عن قيمة جديدة وإرث أدبى يستحق إعادة القراءة والتأمل.
وبعد مرور أكثر من ٩٠ عامًا، يطل علينا كشف أدبى نادر يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضى، وهو عبارة عن حوار أجرته معها مجلة «مجلتى»، ليعيد هذه الكاتبة الرائدة إلى دائرة الضوء، ويؤكد أن حضورها فى المشهد الثقافى لم يكن عابرًا، إنما جزء أصيل من تاريخ الأدب النسائى فى مصر والعالم العربى.
وفى السطور التالية، تنشر «حرف» نص هذا الكشف الأدبى الفريد، حول سيدة لا تزال تشغل الناس حتى يومنا هذا، وهو ما شهدناه فى الأزمة الأخيرة حول كتابين عن سيرتها.

قوت القلوب هانم!
إنه لاسم كريم فاضل. اسم ذائع محترم معروف، اسم شخصية نبيلة وقور، تعيش لأقدس الفكر، وأشرف المبادئ، وأطهر الغايات، تعيش لبلدها غير مبتغية جزاءً ولا شكورًا، وتعمل على رفعته وإنهاضه. تخدمه بما ملكت منها النفس واليمين. تستخدم فى هذا السبيل قلمها الخصب الفياض، ولسانها العف الصادق، ومالها تنفقه فى غير تقتير. أما فكرها فهى تصونه من عبث المدنية ومفاسد العصر. وأما مبادئها فبث روح العرب والإسلام فى جوه ومرافقه وسائر أسباب حياته. وأما غاياتها فالمثل العليا لخدمة الوطن لذات الوطن لا لشىء آخر. خدمة الوطن لله، والدين والوطن، لا للجزاء، ولا للشكران. وليس أدل على ذلك من أنها لم تفض إلى الصحف حتى اليوم بحديث.
فلما طلبنا صورتها للنشر مع الحديث أجابت: «إننى شرقية مسلمة. لا أحب أن تنشر على الناس صورتى»، وهى أبدًا صامتة. ولكنها أبدًا كذلك عاملة.
بدأت تكتب بالفرنسية من سن العاشرة! وقد تعلمت وتهذبت فى البيت، لا تخرج إلا كل عامين مرة، وكانت وحيدة والدها الجليل، وهو الذى أنشأها على حرية الفكر، يستشيرها فى كل شىء، لم تخالف قط إرادته، وقد سافرت إلى أوروبا، مع احتفاظها بزيها الشرقى ثلاث مرات فى حياته، قالت: «ولولا إذنه وسماحه لما سافرت قط، حتى ولا بعد مماته، فخيانة الميت هى الأخطر، لأنه لا يستطيع عتبًا، والحى ينتقم والميت أعزل!».
لقد كتبت كتابين باللغة الفرنسية عرف الغرب قدرهما قبل أن يعرفهما الشرق. وفاضت أنهر الصحف الأوروبية بالحديث عنهما ولم تذكر صحف مصر عنهما إلا القليل. ذلك «وحى الخاطر» و«الحريم». ومع هذا فلم يثنِ ذلك من عزم السيدة الفاضلة ولم ينل من جهادها، ذلك لأنها كما قلت تصدر عن إيمان وفكرة وعقيدة، وليست تصدر عن شىء آخر. سبيلها الوطن، وفكرتها الدين، وغايتها الله.
وليس فى هذا عجب. فإن كريمة المغفور له الدمرداش باشا، الذى نزل فى لحظة واحدة عن مائة ألف جنيه من ماله الخاص الحر الشريف تكون أساسًا لبناء ذلك المستشفى العتيد المتشرف باسمه، وأعقب ذلك بتنازله عن قطعة الأرض التى شيد عليها ذلك البيت الذى أعان فى تطبيب الناس إعانة لا ينساها له تاريخ مصر الحديثة الناهضة، ونزل قبل ذلك عن الكثير من ماله وعقاره فى سبيل الخير الاجتماعى العام والخاص، خير الأفراد والجماعة، ويتألف تاريخه من طائفة من المآثر الشريفة الغر الميامين التى لا يتمتع بها من أبناء هذا العصر وبناته إلا الأقلون.. إن كريمة رجل كهذا الرجل، له ماضٍ كذلك الماضى، وتاريخ كهذا التاريخ، لا بد أن تكون فى مجموعها صدى لنفس أبيها، ذلك الرجل المصلح الدينى الكبير. وسنة المال الموروث تغرى صاحبه بالنوم والدعة والتكاسل.. أو بإنفاقه فى كل سبيل إلا الجد والخير والصالح العام.
ولكن هل هكذا كانت السيدة قوت القلوب؟ كلا. إنها المثل الأعلى لامرأة الشرق العاملة الدينية المثقفة، إنها مدرسة رفيعة يجب أن تتلقن فيها النساء والرجال الذين تحدر إليهم المال عن طريق السلف الصالح، كيف يجب أن تكون النفس الشريفة، والخلق النبيل، والطبع الرفيع، والمعرفة الخصبة.. وخدمة الوطن، والخلوص للدين، وابتغاء وجه الله.
حيتنى بلغة عربية مبينة، وفاضت من كرم نفسها، ورقة سجاياها وعذوبة روحها الجميل.
وكانت مناسبة الحديث ظهور كتابها «حريم Harem» فى عالم الأدب الفرنسى وما أحدثه من أثر عميق.
- «أنا رجعية!.. لا تؤاخذنى!» بهذه الكلمة الظريفة كانت تقطع حديثها، من حين إلى حين، هذه السيدة النبيلة، المحافظة، ذات التقاليد الشرقية العريقة.. التى تأدبت بأدب الإسلام، وكانت من خيرة ممثلات المرأة المصرية داخل البلاد ومن خيرة الدعاة للفكرة المصرية، خارج البلاد.
وكانت يوم الحديث قد قضت خمس ساعات فى عزبتها تحت وهج الشمس المحرقة، تنظر ما يجرى فى أرضها لتنقية زراعة القطن من آفاته، وتزور حديقة مساحتها ستون فدانًا مزروعة برتقالًا، شجرة، شجرة!
فلما أظهرت دهشتى لهذا المجهود كله، قالت:
بعدما توفى والدى عام ١٩٣٠ وحدثت لى مصائب عائلية شديدة كنت متحيرة فى حياتى ماذا أعمل؟! لا خروج ولا دخول كالعادة، ومسئولياتى جسيمة، فانصرفت أولًا إلى إدارة شئونى شيئًا فشيئًا، فاحتككت بالفلاحين لتعليمى الزراعة. فكنت أذهب إلى العزبة متفرجة، فأسأل، وبعد ذلك انصرفت من السؤال إلى المعرفة، ومنذ سنة ١٩٣٢ توليت إدارة شئونى المالية والاقتصادية والقضائية والزراعية جميعًا، وبعد ذلك وجدت أن لى أوقات فراغ فى عام ١٩٣٣، ولم أتعود على الذهاب إلى المحلات التجارية التى كان يتفقدها والدى، ولا أحب الزيارات كثيرًا لأنها قتل للوقت بلا فائدة، وكنت أشعر، كما قلت فى كتابى «من وحى الخاطر» بأنه «كلما فرغت الأيام زادت وطأة الزمن ثقلًا»، فحاولت جهدى بتولى أعمالى وتربية أولادى ومطالعاتى أن أخفف من هذه الوطأة.
- أفلا ترين الاشتغال بالحركة العامة؟
- أنا ضد تدخل المرأة فى السياسة. للمرأة بيتها، وعندنا والحمد لله رجال عظام جديرون بالاضطلاع بهذه الشئون والمسئوليات الجسام، أولى للمرأة أن تعنى بمملكتها فى بيتها وتتولى تربية أولادها وتحضر بذلك للوطن الرجال. إننى أكره للمرأة الشرقية أن تحاول كالغربية التسلط على ميادين الرجال واغتصاب سلطتهم، ولا أحب لها أن تضيع نفسها شعاعًا فى نزوات المدنية الغربية، وتغمر مشاعرها بضجيج أوروبا وفكرة مساواة المرأة بالرجل، بل تحتفظ بتقاليدها وتعرف ما لها وما عليها، ولها فى دينها كنوز من النصح والإرشاد للطاعة والتوفيق.
- الطاعة؟ هل من رأيك أن تطيع المرأة الرجل طاعة عمياء؟
- لا أقول عمياء. إننى أكره تسلط النساء على الرجال. ولو سارت الفتاة المصرية على نهج أمها وجدتها لصحت العائلة. إنما دخول «الفكرة الغربية والنزعة الأوروبية هى السبب فى أكثر الفشل والنزاع الذى حولنا».
- هل معنى ذلك أن الفتاة لا تتعلم كالفتى سواء بسواء وتعمل معه جنبًا إلى جنب؟
- لست أعنى أن البنت لا تتعلم، بل يجب أن تتعلم، إنما تكون كالجندى الشاكى السلاح لا يستعمل سلاحه إلا وقت الخطر. فتعمل البنت إذا قضت عليها الحاجة بالعمل وطلب الرزق.

فلتتساو السيدة مع الرجل فى العلم وفى الحقوق المدنية والأدبية، ولكن يجب أن تقول: إننى كالرجل لأن لى رسالة يجب أن أؤديها فى الحياة، يعمل خارجًا وأعمل داخلًا، ولكنى لا أعطى لنفسى الحرية التى له، لأن تكوين جسمى وعقلى لا يجعلنى مثله. لا أقول رقصًا فأرقص، وشربًا فأشرب. إن المرأة تنقصها التجارب، والرجل له هذه الأسلحة، لأن حياته الخارجية تحميه. وقد خُلقت حواء لآدم وخُلق آدم لحواء، فنحن نريد اللواتى خرجن من جنة البيت أن يرجعن إلى عش آدم!
- وعلى ذلك هل يعجبك نظام الزواج عندنا؟
- كلا . إنه أهم ما يجب أن يتغير. فللمرأة حقوق الميراث، ولها أن تكون قاضيًا، ومعلمًا، ومربيًا، ولكن يجب أن يكون لها الحق فى مصيرها. فأساس الزواج فى مصر فاسد. وإذا كنا تعساء فما ذلك إلا بسبب فساد هذا النظام. إن كل همهم عندنا الجهاز والأثاث والأزياء! وذلك قبل أن يفهم العريسان على أى أساس تكون حياتهما. ولا مقدار ما فيها من تفاهم. إن الفتاة عندنا مندفعة بالتقليد الغربى فى المساواة مع أنها بالعكس إذا أظهرت الضعف والامتثال للرجل فازت، لأن سلاح المرأة ضعفها، لأن الرجل يتعب ويعمل ويجد ويسعى فإذا دخل بيته كان فى حاجة إلى الشعور بأنه السيد. أما إذا دخل وسمعها تقول: «أنا سيدتك وتاج رأسك!» فقل على الحياة العائلية السلام! والحق أن الرجل أكثر ثباتًا من المرأة، لأنها عند أول نزاع تقول له: «طلقنى!»، فى حين أن هذا لا يكون قد خطر له قط على بال! وكذلك الرجل لا يجهد نفسه فى فهم زوجته، ولو أنهما أدركا أن الزواج شىء مقدس وليس مجرد اجتماع جسدين على غرض مادى بل اجتماع قلبين، لما كان الفشل المتكرر المشهود.
- وما فكرة كتابك الأخير «حريم Harem» الذى كان له صدى بعيد فى أوروبا وحمل كبار النقاد على الترحيب به والثناء عليه وعليكِ؟
- إننى وضعته للدفاع عن عاداتنا، لأن الإفرنج يصوروننا بصورة مؤلمة، ويظنون «الحريم» هو مكان يقتنى فيه الرجال والنساء بلا عدد. مع أن معناه هو الجانب المخصص فى البيت للنساء دون الرجال.
وإلى هنا أشفقنا على السيدة الجليلة، فحسبنا ما شغلنا من وقتها، وحسبها ما بذلت من جهد. ولكى نعطى للقراء فكرة عن كتابها «حريم»، الذى شغل صالونات الأدب فى باريس، نقتطف منه هذه الزهرات، ليرى القرّاء أنموذج ذلك التفكير الحى.

الطاعة والمحبة الزوجية
وعادت المرأتان إلى «السطح» الذى غمره القمر الآن بضوئه الفضى.. ولم تعد المآذن إلا أشباحًا تغمرها ظلالها.. وفى «الموقد» قطع من الفحم ما تزال تتوهج وتتلظى.. يتصاعد منها بخور عبق يُسكر الجوارح كأنه يهرب مع تلك السحابة الرقيقة من الدخان... ولزمت النساء جميعًا الصمت. وسبحن فى الأحلام.. اقتربت الساعة التى يعود فيها الرجال.. الرجال! إنه دائمًا نحوهم تتجه الأفكار فى هذه الساعة القلقة من ساعات المساء، حيث تنبت رغبات الحب، وأمانيه، وهواجسه، وعذاباته... إنه لكى تغزى منهم القلوب يجب الاستعداد والتعطر، ولكى يحتفظ بهم يجب مقاومة المنافسات، المعلومات والمجهولات، ومقاومة الشياطين، ومقاومة قسوة القدر وسوء المصير.. إنهن يحببن الرجال ويخشينهم! للرجال، للطاعة. هكذا أراد الله! فاذا جن الليل، وأرخى سدوله السوداء على الكون، نهضت شخصيات الرجال، غير المنظورة، تصول وتجول فى أذهان النساء وقلوبهن، فلا يعود يشغلها غير استقبال أولئك السادة، ذوى البأس الشديد.

صبية الحريم
ووصفت «النيرس Nurse» العجفاء الجافة، الفاترة التى جاءت من بلاد السرعة والسيارة والدقة. وأسفت على «صبية الحريم» بهذه العبارة الرائعة الخالدة «أين أنت (يا صبية الحريم)، الصغيرة، أنت التى كنت تسيرين بخشوع، وقد غضضت من بصرك، وشبكت ذراعيك على صدرك. أنت يا من عشت منذ مولدك فى بيت أسيادك؟! أين طرحتك، المتهدلة على كتفيك، ومنديلك الذى يغطى رأسك ويعصب جبينك الآن قد صرت غندورة تقص شعرها وتكشف عن نحرها وصدرها!».

عودة الحاج
الست حفيظة قد اتقت الله فى الواجب لا ترضى عنه حولا. حقًا إن الرحلة إلى بيت الله الحرام طويلة، باهظة التكاليف، مُضنية، محفوفة بالمخاطر.. ولكن الملائكة تحرس الحاج بما لا تقدر عليه حتمًا فرقة من العسكر، ثم إنها لا تجهل أن زوجها سيعود نقيًا، مطهرًا مكرمًا برضا الله سبحانه وتعالى، يعلم هذا الرضا أهله جميعًا، وسيكون بيته مباركًا واسمه موقرًا بين جميع المؤمنين، وسيشمل فضله كل المقربين.
وما إن سافر سيد عبدالفتاح حتى ساد بيته الصمت، ولم يعد جيرانه ينظرون إليه إلا بتجلة، وأبت الزوجة وفاء لزوجها الغائب أن تخرج، وجعلت تقضى أيامها فى استقبال الزائرات. فتجتمع الصديقات بعد الظهر، وتغنى معهن: «يا نبى! يا نبى الله! أنت الذى ناديته من بعيد بعيد، رد عبدالفتاح إلى زوجه وأولاده سالمًا غانمًا! وأنت يا مركب! احمل إلىّ سيدى مطهرًا نقيًا فأهبك بما وهبنا الله. ويا صاحباتى! اسهرن على الأولاد الذين أودعهم أمانة فى أعناقكن!».
وبعد الغناء تكون الشكوى: ما أشد الفراق وأحره!.. إن الرجل هو العمود الذى يسند البيت.. فإذا ما عاد فى المساء ملأت عودته البيت فرحًا ومرحًا. أما اليوم فقد غاب بغيابه الهناء».







