المحرر العام
محمد الباز

فى حوار خاص جدًا مع محمد بغدادى 1

مواجهات سيد النقد.. د. صبرى حافظ: جوائزنا العربية فسدت حين تحولت إلى مسابقات فى المحاباة وفنون الاتصال والمجاملات

صبرى حافظ
صبرى حافظ

- موهبة يوسف إدريس الكاسحة أسقطت جيلين كاملين فى ظلها.. من ظهروا قبله مباشرة وجاءوا بعده

- جوائز الدولة التقديرية تحولت إلى مسابقات من نوع مؤسف يسعى فيها الأفراد للحصول على ترشيحات مؤسساتهم

- بعد هذا العمر الطويل وبعد عملى فى أهم الجامعات فى العالم أقول لك إننى لم أحضر «سيمنارًا» أو ملتقى ثقافيًا بنفس الجدية التى كانت فى ندوة نجيب محفوظ

- أول مكان ذهبت إليه فى القاهرة كان ندوة نجيب محفوظ فى «كازينو صفية حلمى».. حتى قبل الجامعة

- جمال الغيطانى قال لى إنه كان يتصور الندوة وكأنها فصل دراسى.. وأول مرة حاول أن يتكلم فيها رفع إصبعه

- لم أفرح بتخرجى فى الجامعة ووجودى بين الأوائل بقدر فرحتى بنشر أول مقال لى فى «الآداب» البيروتية

- القصة القصيرة بنت الحاجة الملحة لتعبير الذات الفردية عن نفسها.. وعانت كثيرًا من الإهمال النظرى بالمقارنة بجنس الرواية

تحسبه من فرط تواضعه وبساطته وحميميته الدافئة، صديقًا قديمًا، أو قريبًا لم تره من زمن بعيد، فحين تقترب منه تكتشف أنك بحضرة عالم جليل، مفكر ذى بصيرة، ناقد ومثقف مهموم بالشأن العربى العام، والمصرى الخاص، والفلسطينى المزمن.. فى أحاديثه الخاصة تستمتع بالحديث عن الأدباء والمبدعين العرب ومن كل بقاع الأرض.. هو الدكتور صبرى حافظ، علم أعلام الدراسات النقدية فى الأدب العربى الحديث، وأستاذ الأدب العربى والمقارن فى جامعة لندن الذى تزداد المؤتمرات الدولية قيمة عندما يكون ضمن كبار مدعويها، وتتباهى باسمه الجامعات التى يحاضر بها.

قائمة مؤلفاته باللغة العربية رغم ثرائها وكثرتها تتفوق عليها قائمة إصداراته باللغة الإنجليزية، فإليه يعود الفضل الأكبر فى تعريف الأوساط الأكاديمية الغربية بالأدب العربى.. حصل على العديد من الجوائز الدولية، وتحتفى به الجامعات الكبرى حين يحل أستاذًا زائرًا بها، من أكسفورد إلى أدنبرة، ومن الجامعة الأمريكية إلى ستوكهولم وأوبسالا وكاليفورنيا، ومن جامعة لندن إلى دارهام، ونيويورك وهارفارد.

ولأننا لا نستطيع أن نحصى الجوائز التى حصل عليها، سنشير فقط إلى أرفع جائزة علمية، تلك التى منحتها له مجلة «الاختيار» الأمريكية عن أفضل كتاب أكاديمى باللغة الإنجليزية، والذى صدر منذ عدة أعوام بلندن بعنوان «البحث عن الهوية».

عندما جلست أمامه وفتحت جهاز التسجيل انساب حديث الذكريات وتدفقت الكلمات بدفء الحنين إلى زمن ولى، فاختلطت أشجان الماضى بأحزان الحاضر وهمومه وقضاياه.. وكان لا بد أن نرسو على ضفاف البدايات لنتعرف أكثر عليه، ولنراه عن قرب من خلال رؤيته هو لا أحد سواه.

صبرى حافظ
صبرى حافظ

■ قبل أن نبدأ.. أولًا مبروك حصولك على الجائزة «الاختيار».. ولكن قبل أن نبدأ فإن كثيرين لا يعرفون عن هذه الجائزة، فأرجو أن تلقى لنا بعض الضوء عليها.. وتحدثنا عن الكتاب والجديد الذى قدمته فيه؟

- مجلة «الاختيار» هى مجلة رابطة المكتبات فى الولايات المتحدة الأمريكية، وهى الرابطة المسئولة عن تزويد كل المكتبات الأمريكية، الجامعية منها وغير الجامعية، ومن بينها بالطبع أكبر مكتبة فى العالم وهى «مكتبة الكونجرس». ولها مجلس أمناء من أكبر المتخصصين، لا فى شئون المكتبات وحدها، وإنما فى كل فروع المعرفة. وتختار المجلة أهم ما صدر فى العالم من كتب فى كل فرع من فروع المعرفة. وتحظى اختياراتها السنوية باهتمام كبير فى العالم أجمع، لأن تلك الاختيارات هى جوائز من نوع فريد. جوائز حقيقية تنهض على معايير التمحيص والقيمة، ولا يتقدم لها أحد، ولهذا تكون لها قيمة كبيرة، على عكس الكثير من جوائزنا التى تحولت إلى مسابقات فى المحاباة وفنون الاتصال والمجاملات والفساد. حتى الجوائز التى كان من المفروض ألا يتقدم لها أى من الفائزين بها كجوائز الدولة التقديرية، تحولت إلى مسابقات من نوع مؤسف يسعى فيها الأفراد للحصول على ترشيحات مؤسساتهم، أو تتحيز فيها المؤسسات لمن يعملون بها، ففقدت الكثير من قيمتها ورأسمالها الرمزى.

كانت مفاجأة كبيرة وسعيدة لى ولناشر كتابى اختياره ضمن أفضل الدراسات الأكاديمة الصادرة بالإنجليزية، ولكننى لم أدرك أهمية هذا الاختيار، إلا من حجم الفرحة التى انتابت ناشرى فور علمه بالخبر. فاختيار هذه المجلة المرموقة، التى يعتبرها الكثيرون إنجيل أمناء المكتبات، لأحد منشوراته سيضعه على خريطة النشر فى العالم من ناحية، ناهيك عن رفع توزيع الكتاب الذى ستقتنيه حتمًا كل مكتبات العالم من ناحية أخرى. وما إن بحثت الأمر، حيث لا أكتمك أننى لم أكن أعرف شيئًا عن هذه الجائزة، حتى اكتشفت كم هو شرف كبير أن يتم اختيار كتابى من قبل هذه الرابطة. فلم يظهر فى قوائمها من قبل أى كاتب عربى باستثناء الراحل الكبير إدوار سعيد. لكن الأهم أنه لم يظهر فى قوائمها من قبل أى كتاب عن الأدب العربى الحديث.

■ هل يمكن أن تحدثنا عن الكتاب؟

- نعم.. بكل سرور، عنوان الكتاب بالكامل هو: «The Quest for Identities Development of the Modern Arabic Short Story»، وأصعب شىء فى ترجمة العنوان هو الكلمة الأولى، والتى تشكل هى وحرف الجر التالى لها مصطلحًا له دلالاته المحددة فى اللغة الإنجليزية. لأنها مفردة تعنى السعى والبحث وإرادة تخليق شىء يشكل حاجة ماسة وملحة وجوهرية، هى أقرب ما تكون إلى البحث وإرادة البحث معًا من أجل شىء ما. لذلك فإن ترجمته التقريبية هى «السعى لصياغة الهويات: تطور القصة القصيرة العربية الحديثة». ويقع فى نحو ٤٥٠ صفحة، ويقدم فى قسمه الأول، وهو القسم الذى يدل عليه عنوان الكتاب الرئيسى نظرية جديدة للقصة القصيرة كجنس أدبى عانى كثيرًا من الإهمال النظرى، بالمقارنة بجنس الرواية الذى ازدهر التنظير له طوال ما يقرب من قرن، وظهرت فيه إسهامات عملاقة مثل إضافات ميخائيل باختين، ورينيه جيرار، وبنيديكت أندرسون، وجيرار جينيت، وإدوار سعيد وغيرهم. فآخر محاولة مهمة للتنظير للقصة القصيرة، وهى محاولة فرانك أوكونر فى «الصوت المتفرد أو المعتزل» مضى عليها أكثر من قرن. وكل محاولات التنظير المختلفة بعده لم تتجاوز المقالات القصيرة التى جمعت كلها فى كتابين، على العكس من عشرات الكتب التى نظرت للرواية.

لذلك، ومن منطلق تخصصى نسبيًا فى هذا الفن الجميل، الذى بدأت حياتى الأدبية محاولًا كتابته، وكتبت رسالتى للدكتوراه عنه من ناحية، ودراساتى الموسعة لسوسيولوجيا الأدب والنظرية الأدبية من ناحية أخرى، سعيت إلى إكمال الجهد النظرى الذى سبق أن بلورته فى كتاب سابق باللغة الإنجليزية أيضًا بعنوان «تكوين الخطاب السردى العربى The Genesis of Arabic Narrative Discourse» بلورت فيه طرحًا نظريًا ومنهجيًا مغايرًا لموضوع تكوين الخطاب السردى باعتباره نتيجة لصيرورة اجتماعية ثقافية ولعملية تثاقف طويلة ومعقدة. ودحضت فيه الطرحين السائدين فى هذا المجال، وهما أن الأشكال السردية الجديدة ظهرت إما كتطور لأشكال قديمة مثل المقامة أو غيرها، أو كاستعارة للأشكال الغربية. وهذا الكتاب هو فى مستوى من المستويات رديف كتاب «تكوين الخطاب السردى» ومكمل له، لأنه إذا كان التكوين يتوقف بتأريخه للقصة العربية القصيرة عند عام ١٩٣٠ وهو عام تبلورها ونضجها على أيدى محمود طاهر لاشين، فإن «السعى لصياغة الهويات» يبدأ من حيث توقف الكتاب السابق، ويستمر فى تأريخه لها حتى عام ١٩٧٠.

أقول إننى واصلت فى هذا الكتاب المشروع الذى بدأته فى سابقه على مستويين: المستوى النظرى أو التنظيرى، والمستوى التاريخى أو التطورى. فمن الناحية الأولى بلورت فى هذا الكتاب نظرية جديدة لذلك الجنس الأدبى الجميل. تناظر من حيث كثافتها وتركيبها، نظرية باختين لكرنفالية الرواية وتعدد الأصوات فيها، أو نظرية أندرسون التى ترى أن الرواية كجنس أدبى تصوغ المتخيل الوطنى الجمعى، أقول تناظر هاتين النظريتين، لأنها تطرح القصة القصيرة كجنس أدبى ينطوى محتوى الشكل فيه على سعى الأشخاص لصياغة هوياتهم الفردية المختلفة، فى صراعها مع المتخيل الجمعى والوطنى من ناحية، وفى توقها لبلورة تفردها وهشاشتها وحتى إسهامها الفريد فى هذا المتخيل الوطنى من ناحية أخرى. فمحتوى القصة القصيرة كجنس أدبى ينطوى على إرادة التفرد تلك، فهى الشكل الأدبى المناسب للحظات التفرد بامتياز، وهى بنت الحاجة الملحة لتعبير الذات الفردية عن نفسها وصياغتها لهويتها. فهى أداة الفرد ووسيلته لصياغة هويته الفردية فى مواجهة بوتقة الرواية التى تصهره فى الجماعة، وتجعله أحد مكوناتها. وهى أيضًا الأداة التى تكشف عن أن الأمة ليست بالتماسك والعضوية التى تجسدها بها الرواية، ولكنها مصوغة من شظايا اجتماعية وفردية فى آن.

هذا الجانب النظرى هو الإضافة الأولى للكتاب، ويستغرق الصفحات المئة الأولى، أما الجانب الأكبر فهو دراسة معمقة لتطور القصة القصيرة فى مصر منذ ثلاثينيات القرن الماضى حتى سبعينياته، دراسة تتناول كل تياراتها المختلفة وتؤرخ لأهم كتابها، وتقدم نوعًا من البانوراما المسحية لتطورها فى مصر. ومع أننى أؤمن بوحدة الثقافة العربية، وبأن هذه الوحدة تتجلى بشكل واضح فى الثقافة عامة والأدب خاصة، ومع أننى حينما درست «تكوين الخطاب السردى» فى كتابى السابق درست الظاهرة فى تكاملها العربى فى كل من مصر ولبنان وفلسطين وسوريا والعراق، إلا أن ضرورات التعمق فى الدراسة، والربط بين التأريخ الشامل والتحليل النقدى العميق، مع تغطية مرحلة كافية لبلورة طبيعة التطور وتياراته، تطلب منى التركيز على مصر وحدها فى هذا الكتاب.

د. صبرى حافظ مع محمد بغدادى
د. صبرى حافظ مع محمد بغدادى

■ فى أى شىء يختلف هذا الكتاب عن التأريخات الكثيرة لهذا الجنس الأدبى والتى تعج بها المكتبة العربية؟

- هذا سؤال مهم! لا بد أن يطرحه أى باحث على نفسه قبل كتابة أى تأريخ لأى جنس أدبى. هل ثمة جديد يمكن أن يضيفه هذا التاريخ لما كتب؟ وقد انطلقت فعلًا من هذا السؤال، خاصة وأننى أعرف جل ما كتب عن القصة القصيرة العربية لا فى لغتنا العربية وحدها، وإنما فى اللغات الأوروبية أيضًا. لذلك أستطيع أن أقول لك إن إضافة هذا الكتاب الأساسية من حيث كونه تأريخًا لجنس أدبى تتمثل فى جانبين: أولهما المزاوجة بين المسح التاريخى والتحليل الأدبى وتحقيق التوازن الرهيف بينهما، وثانيهما تصحيح الرؤية ووضع الكثيرين ممن سقطوا من ثقوب الذاكرة الأدبية فى المكان اللائق بهم، ورد الاعتبار للكثيرين منهم. فإذا أخذنا الجانب الأول سنجد أننى قدمت مسحًا تاريخيًا لم يفلت منه أى من كتاب القصة المهمين، ولكنه رصد كوكبة الكتاب واختار أكثرهم أصالة وأبرزهم إنجازًا لتحليل أعماله بالتفصيل. لذلك فهو تاريخ يضع كل كاتب كبير عنوانًا لمنطقة من التجارب ولعالم من الاستراتيجيات النصية. وقد صغت هذا التاريخ فى تيارات أدبية مختلفة، من واقعية ورومانسية وحداثية، عرفت كل منها نظريًا وقدمت رؤيته واستراتيجياته النصية قبل دراسة تجلياته فى القصة المصرية القصيرة تأريخًا وتحليلًا: أولها التيار الواقعى الذى تبلورت بداياته الأولى مع محمود تيمور ثم قدم أهم الإضافات للقصة القصيرة بنية وعالمًا طوال عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات وحتى الستينيات. واخترت ستة كتب من الذين أضافوا الكثير لهذا الجنس الأدبى لتحليل أعمالهم على خلفية من أعمال عدد آخر مماثل لهم. وكان هولاء الكتاب الستة هم يحى حقى ومحمود البدوى وطه حسين ويوسف إدريس وشكرى عياد ومحمد أبوالمعاطى أبوالنجا. وأعدت فى هذا القسم الاعتبار لمحمود البدوى الذى كان من أهم كتاب هذا الجنس الأدبى وأعمقهم فى الثلاثينيات والأربعينيات. وكذلك الأمر بالنسبة لطه حسين وكتابه المغيّر «المعذبون فى الأرض». كما أبرزت فيه كيف أن موهبة يوسف إدريس الكاسحة أسقطت جيلين كاملين فى ظلها، أولهما من ظهروا مباشرة قبله، ويمثلهم فى الدراسة شكرى عياد بقصصة المرهفة وعالمه الجميل. وثانيهما الجيل الذى ظهر مباشرة بعده، ويمثله فى الدراسة محمد أبوالمعاطى أبوالنجا فى مجموعاته القصصية الأولى.

أما التيار الرومانسى الذى بدأ هو الآخر بالشق الثانى من أعمال محمود تيمور، ثم تفرع إلى ثلاث تيارات فرعية، أولها ما دعوته بتيار الحساسية الرومانسية الذى تبلورت بدايته الحقيقة فى أعمال كاتب منسى سقط من ثقوب الذاكرة الأدبية برغم إضافاته المهمة وقتها هو محمد أمين حسونة، ثم بلغ ذروته مع كاتب كبير ومهم هو سعد مكاوى. وثانيها هو تيار الرومانسية العاطفية الذى جسدته أعمال محمود كامل المحامى، وهو الآخر من الكتاب المهمين الذين سقطوا من ثقوب الذاكرة الأدبية، وآخرها هو تيار ما دعوته بالرومانسية الاشتراكية، بدلًا من التسمية السائدة بالواقعية الاشتراكية، وهذه من الناحية النظرية من إسهامات هذه الدراسة النظرية أيضًا، ودرست فيه قصص عبدالرحمن الشرقاوى ومحمد صدقى.

أما القسم الأخير من الكتاب فكان بعنوان التجريب والحساسية الحديثة، وبدأته بدراسة تمزق الحساسية الأدبية ودراسة مجموعة من التجارب الجديدة فى الأربعينيات كانت أهما تجارب بشر فارس، وعادل كامل، وفتحى غانم. ثم خصصت قسمًا تاليًا لدراسة تبلور تلك الحساسية الجديدة أو الحداثية فى قصص كل من يوسف الشارونى وإدوار الخراط، وأنهيتها بقسم يبلور انتصار تلك الحساسية الحديثة عبر أعمال أبرز كتاب جيل الستينيات من سليمان فياض، ومحمد حافظ رجب، إلى بهاء طاهر، وعبدالحكيم قاسم ويحيى الطاهر عبدالله وإبراهيم أصلان ومحمد البساطى وجمال الغيطانى.

■ حدثنا عن البدايات.. كيف كانت؟! هل كنت عاقدًا النية على أن تكون مبدعًا أو ناقدًا فى مراحل التكوين الأولى، أم أن نوعية واتجاهات الدراسة الأكاديمية هى التى حددت مشروعك فى النقد.. وهل كان هناك رصيد أو اهتمامات عائلية سابقة ترتبت عليها تراكمات نواة الإبداع النقدى؟

- أعتقد أن البداية الحقيقية كانت مبكرة جدًا حينما كنت فيما يعادل المرحلة الإعدادية أو بدايات الثانوية من الدراسة، وكان أبى لديه أعداد قديمة وكثيرة من مجلة الهلال القديمة، ومن مجلة الرسالة لأحمد حسن الزيات، وأبى كان أزهريًا، وعمل موظفًا فى الحكومة فيما كان يعرف بوزارة الشئون البلدية والقروية، التى أصبحت بعد ذلك وزارة المحليات، وكان لديه مجموعة ضخمة من أعداد مجلة الهلال وكتاب وروايات الهلال، وكانت دار الهلال فى هذا الوقت من أهم المؤسسات التى كونت ثقافة الطبقة الوسطى فى مصر فى ذلك الحين، ورافقتها بعد ذلك «رسالة» الزيات، فبدأت أقرأ مجلة الهلال وبعض رواياتها، خصوصًا روايات جورجى زيدان المشهورة.. وفى هذه الفترة أيضًا قرأت كثيرًا من الروايات البوليسية مثل سلسلة روايات أرسين لوبين وشارلوك هولمز، وأتصور أنه كان لدى فى مرحلة ما مجموعة كاملة منها، كنت أفاخر بها أقرانى، ولكنها تبددت فيما بددته الأيام. وحتى من الروايات المصرية التى كانت تكتب على غرارها، وأذكر منها سلسلة كانت تسمى «مغامرات الأمباشى عكاشة والشاويش درويش».. وكنت أسافر مع طالب زميلى من قريتنا «شبرا بخوم» إلى «شبين الكوم» لشراء وتغيير الروايات القديمة بأخرى جديدة وندفع تعريفة أو قرش صاغ عن كل رواية، وهناك أكتشف، وبالصدفة المحضة القراءة الجادة من عمليات التبادل هذه.. وأتذكر أننى عندما كنت فى مدرسة قويسنا الثانوية بدأ هذا الإدمان على القراءة.. وكنا مجموعة من الطلبة مهتمين بالثقافة.. فأوكلوا إلينا مهمة الإشراف على مكتبة المدرسة.

وحدث ذات مرة عندما كنا نشترى كتبًا من شبين الكوم، وكانت هناك مسلسلات إذاعية بدأت تظهر فى ذلك الوقت، وكان أحد كتاب هذه المسلسلات كاتبًا مشهورًا جدًا اسمه «محمد كامل حسن المحامى» فوجدت كتابًا مؤلفه «محمود كامل المحامى» فاشتريته معتقدًا بأنه الذى يكتب المسلسلات الإذاعية، وتبين لى بعد ذلك أنه كاتب آخر ليس له علاقة بالمسلسلات، وأنه من أهم كتاب القصة فى مصر، وهو مؤسس مدرسة فى الكتابة، وأهم أعلامها ضمت من بعده كتابًا مشهورين مثل إحسان عبدالقدوس، ومحمد عبدالحليم عبدالله، ويوسف السباعى، وغيرهم. وتجد أن أبطال رواية عبدالرحمن الشرقاوى الشهيرة «الشوارع الخلفية» كانوا ينتظرون كل أسبوع صدور مجلته «الجامعة» وهم طلاب فى الجامعة بشغف كى يقرأوها. لقد صاغ محمود كامل المحامى هذا كما أشرت فى كتابى الذى حدثتك عنه لتيار الرومانسية العاطفية الذى خرج من معطفه الكثيرين، ولكن أيضًا مشاعر الطبقة الوسطى المصرية وعواطفها، وهو أيضًا من جعل الأدب القصصى الجديد شعبيًا بين الطبقة الوسطى. وأستطيع أن أقول إنه إذا كان نزار قبانى علم جيل الخمسينيات والستينيات كيف ينظر للمرأة وكيف يتعامل معها، فإن محمود كامل المحامى سبقه فى ذلك بالنسبة للجيلين السابقين.

وهذا الأمر اكتشفته فيما بعد، ولكن المهم هنا أن هذا الكتاب دفعنى إلى البحث عن هذه النوعية من الكتابات، وبدأت من خلال مكتبة المدرسة التعرف على الكتب الجادة، ومن خلال هذا الرجل بدأت أتعرف على الأدب الجاد، ففى مكتبة المدرسة تعرفت على قصص نجيب محفوظ ومحمد عبدالحليم عبدالله، وكل هذه المجموعة التى بدأت تشتهر حينما صدر الكتاب الذهبى فى أوائل الخمسينيات بعد الثورة مباشرة تقريبًا، وأعاد نشر روايات نجيب محفوظ الذى لم يكن يعرفه أحد فى هذا الوقت، وكتب صلاح ذهنى، ومحمد عبدالحليم عبدالله، وعبدالحميد جودة السحار، وعبدالرحمن الشرقاوى. وكل هذا الجيل الكبير من الكُتَابِ الذين بدأت فى التهام كتبهم، وأذكر أننى كنت أمضى العطلة الصيفية كلها فى القراءة، أقرأ أكثر من كتاب فى اليوم، وكانت أمى تشدنى شدًا كى أترك ما أقرأ وآكل وجبات الطعام.. وحينما ذهبت إلى القاهرة لإكمال دراستى الجامعية، ذهبت أولًا إلى ندوة نجيب محفوظ فى كازينو الأوبرا.

■ فى أى سنة دخلت الجامعة.. وكيف كانت ندوة نجيب محفوظ.. وماذا تعلمت منها؟

- هذا الكلام كان سنة ١٩٥٨، وتخرجت سنة ٦٢.. وكنت من ٥٨ إلى ٦٢ مواظبًا بشكل أسبوعى على ندوة نجيب محفوظ التى كانت تعقد كل جمعة فى «كازينو الأوبرا» أو «كازينو صفية حلمى» كما كان يعرف وقتها، وكان مطلًا على ميدان إبراهيم باشا، وهناك تعرفت تقريبًا على كل كتاب جيلى، وكنت موجودًا بها يوم أن جاء البوليس ليغلقها أيضًا فى سنة ٦٢.. وحينما أنظر الآن بأثر رجعى إلى رحلة التكوين أعتقد أن ندوة نجيب محفوظ كان لها الدور الأهم فى تكوينى الثقافى أكثر من الجامعة بالنسبة للكثيرين منا، فالدراسة الجامعية أخذنا منها شهادة لكى نعمل بها، لكن هذه الندوة حدث فيها التكوين الثقافى الحقيقى والمعرفة الأدبية والفكرية التى ترودها الرغبة وحب ارتياد الآفاق المجهولة، ليست فقط المعرفة الأدبية أو الفكرية، ولكن أيضًا المعرفة السياسية بما يدور فى مصر، بالرغم أن هذه السنوات كانت سنوات تغييب اليسار المصرى فى المعتقلات، والمعرفة بالمسكوت عنه، بما لا يكتب فى الصحف وغيرها.. والمعرفة بجميع التيارات النقدية المطروحة بين المثقفين، بما فى ذلك النقد السياسى لنظام الحكم الموجود.. هذا كله تعرفت عليه بهدوء، وبطريقة غير مباشرة، ولكنها منهجية ومنظمة من ندوة نجيب محفوظ.

فى هذا الوقت كان نجيب محفوظ إذا رجعنا للوراء، فى آخر الخمسينيات أو الستينيات، فى عز العطاء والشباب والحيوية، كان عمره بين أواخر الأربعينيات من العمر وأوائل الخمسينيات، وكان يقرر دائمًا فى نهاية الجلسة اسم الكتاب الذى سنتحدث عنه فى الجمعة المقبلة، وأحيانًا فى الجمعة التى ستليها، وكانت ندوته وقتها ندوة جادة بكل المعايير، بها نقاش دائم ومعمق، وبها بنية نقدية تراتبية تنهض تراتبيتها على المعرفة والإنجاز وحدهما، وكان نجيب محفوظ يجلس فى مكان الصدارة على يمينه الطاولة، ثم يلتف الكبار حول الطاولة، وبعد ذلك تتلوهم حلقات.. كانت ندوة ضخمة جدًا، ولا يستطيع أحد أن يأتى دون أن يقرأ الكتاب موضوع الندوة، وأنا بعد هذا العمر الطويل وبعد أن اشتغلت تقريبًا فى أهم الجامعات فى العالم لم أحضر «سيمنار» أو ملتقى ثقافى على هذا القدر من الجدية إلى الآن.. كانت روح الرغبة الحقيقية فى المعرفة هى رائد هذه الندوة. المعرفة لا من أجل الحصول على شهادة، ولكن من أجل توسيع رقعة عالم كل مشارك فيها وتجربته، ومن أجل جعله، سواء وعى ذلك أم لم يعه، إنسانًا أفضل.

وكلما عدت بذاكرتى إلى هذه السنوات، وأنا أنظم سيمنارًا فى «جامعة لندن» وهى الجامعة التاسعة فى التصنيف العالمى، والتى عملت بها لما يقرب من ربع قرن، وحتى حينما كنت فى «جامعة هارفارد» وهى الجامعة الأولى فى العالم. وأقارن ما يدور فى تلك السيمينارات العلمية، وما كان يحدث فى ندوة «الأوبرا» الشهيرة، أجد أن الميزان يميل لصالح ندوة نجيب محفوظ. صحيح أننى أطلب من الكتاب أن يقرأوا الكتاب.. ولكن على عكس ما كان يدور فى ندوة نجيب محفوظ حيث لا يحضر أحد دون أن يقرأ الكتاب، وإلا أحرجه نجيب محفوظ بسؤال تفصيلى مفاجئ، أجد أن بعض الطلاب قد قرأ نصف الكتاب المطلوب وبعضهم قرأ ربعه والبعض لم يقرأه، ولكن لم يحدث ولا حتى فى «هارفارد» أن كان الجميع قد قرأوا الكتاب بالكامل كما كان الحال فى ندوة نجيب محفوظ وقتها. كانت الجدية التى مثلتها هذه الندوة فى تلك الفترة بالذات جدية فريدة، لم تتكرر بعدها، حتى فى ندوة نجيب محفوظ نفسها التى تحولت إلى مجرد جلسة، أو «قعدة» بعد أن تفرقت بها السبل، بعد مداهمة الشرطة لها عام ١٩٦٢، وانتقالها إلى نادى القصة، ثم مقهى ريش، ثم كازينو قصر النيل، وانتهاء بجلسات فرح بوت وشبرد ورمسيس وغيرها.

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

■ هذه الآليات فى ندوة نجيب محفوظ هل هى صالحة حتى الآن لتقتفى أثرها وتطبقها؟!

- أعتقد أنها ما زالت صالحة، وأن ما كان يمارس فيها هو الجوهر الحقيقى للمارسة المعرفية منذ محاورات سقراط وأفلاطون، وحتى أكثر حلقات البحث العلمى تنظيمًا.. فالمعرفة الجادة لا يتحقق تراكمها الحقيقى إلا بأمرين: أن يكون هناك إطار منظم ومتكرر تتم فى سياقه تراكماتها، وتمحيصها المستمر، وأن ترودها الرغبة الحرة فى التحصيل والمعرفة وتكوين العقل النقدى. هذان الأمران يشكلان حتى اليوم جوهر مؤسسة الجامعة التى تخلق الإطار لتلك العملية المعرفية. وما زلت أطبق نفس الآليات التى كان يتبعها نجيب محفوظ، وأذكر أنه كان أحيانًا يسألنا: لماذا لم تأتِ يا فلان الأسبوع الماضى؟؟ فيقول: والله يا أستاذ نجيب أنا لم أقرأ الكتاب، وخشيت أن أحرج نفسى!! وأتذكر بعد ذلك عندما عملت فيلم عن نجيب محفوظ بعدما حصل على جائزة نوبل طلبه منى التليفزيون الإنجليزى، قال لى جمال الغيطانى عبر الفيلم إنه كان يتصور الندوة، وكأنها فصل دراسى، وأول مرة حاول أن يتكلم فيها، رفع إصبعه طالبًا الكلمة.

■ هل كان متاحًا لك أن تشارك بأرائك فى الندوة؟

- لا إطلاقًا، فى فترة البدايات تلك كنا مستمعين فقط، وكنا على درجة كبيرة من الخجل والتردد باعتبارنا كنا صغار السن، أو طلابًا فى الجامعة، ولم يكن لأكثرنا سوى محاولات لم تنشر بعد، ومن كانوا يجلسون حول نجيب محفوظ كانت مجموعة من أصدقائه وعدد من الكتاب الكبار المعروفين وقتها. 

■ هل كان يوسف إدريس يأتى إلى الندوة؟ 

- لا... يوسف إدريس كان كاتبًا كبيرًا، أو بالأحرى نجمًا كبيرًا، وكان يضع رأسه برأس نجيب محفوظ.. وإن كانت هناك أسماء كبيرة تظهر بين الحين والآخر، مثل عبدالرحمن الشرقاوى، وصلاح ذهنى، وإسماعيل الحبروك، وكنا نحن ما زلنا شبانًا صغارًا، وهناك تعرفت على أمل دنقل، وسيد حجاب، والأبنودى وبهاء طاهر، وجمال الغيطانى..

يوسف إدريس
يوسف إدريس

■ هل كان نجيب محفوظ هو الذى يدير الندوة؟

طبعا نجيب محفوظ بنفسه.. وكان فى عز فتوته وكماله لأنه كان مولود فى سنة ١٩١١ يعنى كان عنده سنة ١٩٦١ حوالى ٥٠ سنة، وأذكر أن أصدقاءه احتفلوا ببلوغه الخمسين فى إحدى الندوات، وأصدرت مجلة «الكاتب» عددًا خاصًا عنه بعدها. وعندما بلغ سن الستين أصدر رجاء النقاش عددًا خاصًا من مجلة «الهلال» احتفاء بنجيب محفوظ أيضًا.

■ لأن رئيس مجلس إدارة دار الهلال فى ذلك الوقت كان الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين؟

- طبعًا! كان هذا زمنًا مغايرًا بكل المقاييس، كان للعقل المصرى فيه حضوره وتوقده، وكان يمارس فيه وجوده بوعى وبصدق.. وفى هذا الوقت طبعا كانت أهم مجلة فى مصر هى مجلة «الهلال» ومجلة «المجلة»، وفى بيروت كانت هناك مجلة «الآداب» والتى كانت المدرسة الثانية بعد ندوة نجيب محفوظ، والتى كان يصدرها سهيل إدريس، فهى التى تعلمنا فيها الكتابة، لأنه إذا كانت ندوة نجيب محفوظ هى التى تعلم فيها جيلنا الوعى بمصر والاعتزار بها، فقد كانت «الآداب» المدرسة التى تعلم فيها جيلنا ووعى بكل أقرانه من الكتاب العرب، بل وحظى فيها كتابه بالترحيب والاعتراف قبل أن تعترف بهم منابر النشر المصرية. وإذا بحثت الآن فى أعدادها القديمة ستجد بدايات بهاء طاهر، وجمال الغيطانى، وإبراهيم أصلان، وسامى خشبة، وبداياتى، وهى التى وضعت صلاح عبدالصبور، ورجاء النقاش وأحمد عبدالمعطى حجازى، على الخريطة الأدبية، وأول قصائد أمل دنقل نشرت فى «الآداب».. أنا فاكر، رحت أنا وهو نبحث عن مراسل الآداب فى ذلك الوقت، وكان واحدًا من أهم نقاد هذا الجيل، ولكنه للأسف توقف، كان اسمه محى الدين محمد، وكان من السودان، فلم نجده لنسلمه قصيدة أمل دنقل «سبارتاكوس» الشهيرة، فقلت له تعالى نكتب جواب لسهيل وكتبناه سوا.. كتبنا له: «لقد كان من الممكن أن نبعث بهذه القصيدة عبر مراسلكم فى القاهرة، ولكننا قررنا أن نرسلها إليك وبدون أى وسطاء، لأن العمل الأدبى لا يحتاج للوسطاء». وبعد ذلك نشرت فيها أول مقال فى حياتى، فى نفس الشهر الذى تخرجت فيه، وفرحت به جدًا، وأذكر هذه الواقعة لأننى حينما رأيت مقالى فى الآداب وذهبت فى نفس اليوم لأرى نتيجة التخرج فقالوا لى إنك طلعت من الأوائل، فلم أفرح بالنتيجة بقدر فرحى بأن مقالتى ظهرت فى «الآداب»، لأن النشر بها شهادة ميلاد حقيقية!

■ ألم تسهم دراستك الجامعية فى تكوينك الأدبى؟

- لا.. لأننى درست علم الاجتماع وعلم نفس.. فأنا لم أدرس العربية، وأنا كنت مع صلاح عيسى ومع مجموعة كبيرة من المثقفين الذين درسوا علم الاجتماع، لكن هذه الدراسة كانت مهمة جدًا ومؤثرة فيما بعد فى الدور الاجتماعى لدرجة أننى عندما كتبت أول كتاب ونشرته بالإنجليزية كان دراسة فى سوسبلوجيا الأدب، أى فى علم اجتماع الأدب وبأثر رجعى أيضًا أعتبر أن دراستى لعلمى الاجتماع وعلم النفس كانت ناجحة ومؤثرة فى هذا المجال، ولكن تكوينى الأدبى والثقافى الحقيقى تم فى هاتين المؤسستين، مجلة «الآداب» من ناحية، وندوة نجيب محفوظ من ناحية أخرى، بعد ذلك بدأت أدرس الأدب بشكل علمى فتكون لدى أساس منهجى ونظرى لهذا الوعى وتكون أيضًا لدى عدد كبير من زملائى من جيل الستينيات وكان لدى منذ البداية المبكرة وعى بوحدة الثقافة العامة وبوحدة الهم الثقافى والمغامرة الإبداعية العربية من العراق حتى المغرب، ولذلك ظهرنا فى ساحة كانت فيها الثقافة عربية شاملة ذات توجه يبحث عن الأفضل وعن التطور والتقدم والتغيير، هذا الدور كان مهمًا جدًا، وأظن أن عددًا كبيرًَا من أبناء جيلى لم نكن منغلقين على الثقافة المصرية وحدها، وكنا منفتحين أكتر على الثقافة العربية، وأذكر أننى حينما طلبنى الأستاذ يحيى حقى، وكنت قد بعثت مراجعة لكتاب لمجلة «المجلة» التى كانت إلى حد ما مستحيلة على جيلنا بسبب شعارها «سجل الثقافة الرفيعة»، ولم تكن المراجعة قد نشرت، كان هذا الطلب بسبب أنه قرأ لى مقالة فى مجلة «الآداب» فأنا جئت من «الآداب» إلى مجلة «المجلة» وليس العكس.

وأتصور أن كل جيلنا كان كذلك.. كل الكتاب المهمين فى هذا الجيل لم يستطيعوا النشر فى مصر، وبدءوا من لبنان ومن «الآداب» البيروتية بوجه خاص، ثم بعد ذلك كان هناك دور مهم جدًا لعبدالفتاح الجمل «1923 – 1992» المشرف على الملحق الأدبى بجريدة «المساء» وله فضل لا ينكر على هذا الجيل بأكمله، ليس فقط علىّ أنا شخصيًا، لكنى أعتقد أن الذى حولنى من كتابة القصة إلى النقد وكتابة المقال كان هو عبدالفتاح الجمل.