الإثنين 18 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

مسلم وسط الجنون.. الروائى سفيان سلام: وزعت الزهور على البريطانيين بعد «11 سبتمبر» لأبدو أقل تهديدًا!

سفيان سلام
سفيان سلام

- الرواية أصبحت أشبه بكلمات أغنية لمطرب الراب «جاى-زى»  ومزجت المسرح والقصيدة والراب فى عمل واحد

- كتبت «شباب ويمى» لتكون «شيكسبيرية» فخرجت رواية شارع!

فى السردية الأدبية البريطانية الجديدة، يبرز الكاتب البريطانى سفيان سلام، المسلم من أصول باكستانية، كأحد الأصوات الصاعدة التى لفتت الأنظار سريعًا، خاصة بعد فوزه بجائزة «Merky Books» للكُتّاب الجدد عام 2024 عن قصته القصيرة «Wimmy Road Boyz» أو «شباب شارع ويمى»، التى تحوّلت لاحقًا إلى رواية كاملة يُنتظر صدورها خلال الشهر الجارى.

هذه الرواية لا تقدّم حكاية تقليدية بقدر ما تنخرط فى أسئلة الذكورة والهوية واللغة والهشاشة النفسية لجيل يعيش بين العنف الصامت والتعبير المفرط، وتمتزج فيها ثقافة الشارع البريطانى بالموسيقى و«الراب» والتجربة اليومية للشباب المُهمّشين، خصوصًا المهاجرين والمسلمين.

ورغم مرور وقت على فوزه بالجائزة، ما زال حضور الرواية قائمًا فى المشهد الثقافى البريطانى، لأنها تفتح نقاشًا أوسع حول كيفية الكتابة عن الشباب الذين يعيشون على هامش المجتمع، بعيدًا عن تحويلهم إلى رموز أو قوالب جاهزة، وقدرة السرد الأدبى على عكس واقع ثقافى متغيّر وسريع الإيقاع، أقرب إلى الموسيقى منه إلى السرد التقليدى.

صحيفة «الجارديان» البريطانية أجرت حوارًا مع سفيان سلام حول الرواية، تترجمه «حرف» فيما يلى.

ضباب مانشستر

فى أحد شوارع مانشستر الممتدة، حيث تختلط رائحة الكباب بدخان الشيشة وصخب الليل الذى لا يهدأ، يشقّ ثلاثة شبّان طريقهم لقضاء ليلة سوف تنفلت أحداثها من أيديهم تدريجيًا. 

تبدو فكرة رواية «شباب شارع ويمى» العمل الروائى الأول للكاتب سفيان سلام، الفائز بجائزة الكتّاب الجدد Merky Books شديدة البساطة ظاهريًا، فأحداثها تدور حول «ثلاثة شبان يقودون سيارتهم على طول شارع لا ينتهى، يطاردون حلم ليلة تبدو مستحيلة»، لكن الرواية سرعان ما تكشف أن ما ينتظرهم أعقد بكثير مما توحى به هذه البداية.

تجرى أحداث رواية «سلام» خلال ليلة واحدة فى «شارع كارى» Curry Mile، ذلك الشارع الحيوى فى منطقة روشليم بمانشستر، والمعروف بمطاعمه ومقاهيه وصخب ليله، حيث تنطلق سيارة BMW بيضاء تقلّ كلًا من إيمى وخان وحارس، فى رحلة تتوالى فيها الاشتباكات والمواقف المفاجئة والتفككات العاطفية المتصاعدة.

الرواية تدور حول الذكورة والعنف والحب، لكنها أيضًا تدور حول اللغة نفسها وعن كيف يتحدث الشباب البريطانيون وكيف يظهرون هوياتهم فى الكلام والسلوكيات، وكيف يعجزون فى النهاية عن التعبير عمّا يدور داخلهم فعلًا أو حتى فهمه.

فى الثامنة والعشرين من عمره، يُنظر إلى سفيان سلام بوصفه أحد الأصوات التى تمثّل جيلًا جديدًا من الروائيين الأدبيين. نشأ فى مدينة بلاكبيرن، وهى مدينة كان يشعر تجاهها آنذاك بأنها «مكان تُدفن فيه الأحلام» فى ظل توترات عرقية وحرمان اجتماعى عميق.

يقول «سلام»: «مدينة بلاكبيرن، مدينة شديدة الانقسام من حيث العرق، والحى الذى نشأت فيه كان من بين الأعلى فى معدلات فقر الأطفال فى البلاد». ويستعيد شعورًا غامضًا لكنه مستمر بالاختلاف والخوف، بوصفه شابًا بنىّ البشرة ومسلمًا فى بريطانيا ما بعد ١١ سبتمبر.

فى مراهقته، كان يحمل حقيبة ظهر مزينة بالزهور، على أمل أن يبدو أقل تهديدًا للآخرين. ومع ذلك، فإن مدينته منحتْه أيضًا «فسيفساء حقيقية من أشكال الحياة البشرية» وتنوّعًا من التجارب بات اليوم يتسرّب مباشرة إلى كتاباته الروائية.

درس «سفيان» الأدب الإنجليزى فى جامعة مانشستر، لكن الكتابة كمهنة كانت تبدو له وقتها خارج نطاق الممكن تمامًا، فيقول: «لم أكن أتصورها أصلًا شيئًا يمكن أن أعيش منه فى الواقع. ببساطة لم تكن واردة فى خيالى كاحتمال».

فى النهاية جاءت رحلته مع النشر من شعور بسيط بالغيرة. إذ بدأ سفيان كتابة «شباب شارع ريمى» بعد حضوره حفل إطلاق كتاب لصديق له عام ٢٠٢٢، حين خطر له: «كان يجب أن أكون أنا مكانه».

تلك الرواية الفائزة كانت بالأساس قصة قصيرة حصلت على المركز الثانى فى جائزة بريستول للقصة القصيرة، وهو ما ساعده على دفع إيجار شهر كامل. بعد ذلك طوّرها إلى رواية طويلة، لكنه واجه سلسلة من الرفض من دور النشر.

ثم جاءت جائزة Merky Books، التى فاز بها «سفيان» عام ٢٠٢٤ عن أول ٥٠٠٠ كلمة من الرواية اى القصة القصيرة منها.

وحضر ستورمزى Stormzy، مغنى الراب البريطانى وأحد أبرز وجوه موسيقى grime، الحفل بشكل مفاجئ. يتذكر «سفيان» تلك اللحظة قائلًا «كان شعورًا غريبًا، كأنك تدرك فجأة أن حياتك كلها على وشك أن تتغير».

ولا يحتفظ من لقائه بالمغنى سوى بتفصيلة واحدة ظلّت عالقة فى ذهنه «كان أطول منى بكثير، لذلك ظهرتُ صغيرًا جدًا فى الصور» يقولها ضاحكًا.

فى صباح يوم الإثنين التالى، عاد «سفيان» إلى عمله اليومى ككاتب سيناريو لبرنامج تليفزيونى للأطفال فى هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» فى مانشستر، لكن هذه المرة كان أمامه موعد نهائى مدته ٩ أشهر لإنهاء روايته.

وفى الفترة نفسها تقريبًا، شارك فى كتابة فيلم قصير بعنوان «Magid/Zafar»، تدور أحداثه فى مطعم وجبات سريعة بريطانى-باكستانى، وفاز بجائزة أفضل فيلم بريطانى قصير فى جوائز السينما المستقلة البريطانية، كما رُشّح لجائزة البافتا فى وقتٍ سابق من هذا العام.

رواية شكسبيرية

يتجلى هذا التداخل بين الأشكال الفنية المختلفة بوضوح فى رواية «شباب شارع ويمى»، فهى عمل يجمع بين ملامح المسرح والقصيدة والراب فى آنٍ واحد، يتخلله فواصل وجمل ومقاطع جماعية متكررة أشبه بالكورس وإرشادات مسرحية، إضافة إلى مقاطع تميل أحيانًا إلى نثر أدبى رفيع قبل أن تعود فجأة إلى لغة الشارع ومفرداته اليومية.

يصف «سفيان» هذا الأسلوب بأنه مزج مقصود بين عوالم متباعدة، وعن هذا يقول «أردت للرواية أن تبدو فى مستوى ما رواية شكسبيرية الروح، وفى مستوى آخر كأنها كلمات أغنية لـ جاى-زى (Jay-Z)، وبالتأكيد لا أرى أى تناقض بين هذين العالمين».

وتتسع مصادر تأثّره بشكل واضح. إذ يقول إن مزيجًا من فيلم Trainspotting عن حياة الشباب فى عالم المخدرات والتهميش فى إدنبرة، وفيلم La Haine الذى يرصد توتر وعنف الضواحى الفقيرة فى باريس. وألبوم Kendrick Lamar good kid، m.A.A.d city الذى يحكى تجربة شاب فى حى ملىء بالعنف فى كومبتون، كلها شكّلت جزءًا أساسيًا من خلفيته الإبداعية.

ويتذكر أنه كان يقرأ رواية «عوليس» قبل حضوره حفل راب بريطانى-باكستانى، مضيفًا «كانت جمل جيمس جويس لا تزال تدور فى ذهنى، وقلت لنفسى، هناك شىء لافت هنا». إذا كانت كلمة «رواية» تعنى التجديد، فلماذا لا أجرّب أن أتعامل معها بطريقة مختلفة، أن أعيد ابتكارها؟.

وكُتبت الرواية بالكامل تقريبًا بحروف صغيرة، وهو أسلوب شائع لدى جيل «Z»، وجاءت لغتها مكثفة ومرِحة فى الوقت نفسه، مليئة بإشارات شديدة الخصوصية من متاهات الإنترنت الغريبة إلى تفاصيل ثقافة الشباب البريطانى-الآسيوى الفرعية.

فهل كان يخشى أن يُبعد القرّاء بسبب هذا القدر من الخصوصية أو الكثافة الثقافية؟.

يقول «أدركت أن لا شىء جيد تقريبًا ينتج عن محاولة المساومة أو فرض الرقابة على النفس. لا أعتقد أن شكسبير عندما كتب هاملت كان يفكر فىّ، ربما كان ينبغى أن أرويها فى المملكة المتحدة بدل الدنمارك. لقد قرأت لفيليب روث، وفى نصوصه الكثير من العامية اليهودية الأمريكية الدقيقة التى لا أفهمها تمامًا، لكنك رغم ذلك تظل تفهم ما يحدث».

النتيجة رواية تبدو حيوية بقدر الليلة التى تدور فيها أحداثها. عمل أصيل وطموح ومشحون بالفوضى فى الوقت نفسه. ثمة إحساس بأن مانشستر نفسها تُعاد كتابتها لتصبح كيانًا أدبيًا من داخلها وبعين شاب يعيشها لا يراقبها من الخارج.

فى أحد المقاطع، يصف منطقة «روشليم» بأنها «شىء متشابك وملتفّ كأنه شبكة خفية تنمو تحت الأرض، كأنها ما قد ينتج لو تُركت المدينة الصناعية القديمة ما بعد الحرب لتتشابك بعنف مع غابة قوطية».

تتطرق الرواية أيضًا إلى قضايا أوسع تتعلق بالصحة النفسية والكبت العاطفى، وهشاشة الرجال. ويقول سفيان «كنت مهتمًا دائمًا بالأشياء التى يرثها الإنسان من مفهوم الرجولة نفسه، وبفكرة أن الجندر نوع من الأداء الاجتماعى وهى فكرة يجرى الحديث عنها كثيرًا فى ما يخص النساء والأشخاص العابرين جندريًا، لكن نادرًا ما تُناقش عندما يتعلق الأمر بالرجال».

فى الحقيقة، يعود سفيان بأصول الرواية إلى سهرة قضاها مع أصدقائه خلال فترة مضطربة فى حياته الشخصية. يتذكر ذلك قائلًا «كنت أريد فعلًا أن أتحدث مع أحد الأصدقاء عمّا أمرّ به، لكننى لم أستطع». ويضيف «من الخارج كنت أبدو وكأننى أستمتع بوقتى، لكن لو فتحت رأسى فى تلك اللحظة لوجدت كل هذا الجنون يدور داخله». فى اليوم التالى بدأ يتساءل: ماذا لو كان الآخرون فى تلك السهرة يشعرون بالأمر نفسه؟ ماذا لو أن أحدًا منهم لم يكن قادرًا على البوح بما بداخله؟.

المهاجر المثالى

فى الوقت نفسه، يتحفّظ «سفيان» على تحويل شخصياته إلى رموز أو دروس أخلاقية جاهزة. ومن بين الأفكار التى حرص على مقاومتها ما يُعرف بسردية «المهاجر المثالى»، أى الفكرة التى تفترض أن القصص التى تتناول شخصيات من الأقليات العرقية يجب أن تكون دائمًا مهذبة أو ملهمة أو قابلة للتسويق أخلاقيًا.

يقول «سفيان»: «لا معنى لكتابة عمل كهذا إذا لم يكن صادقًا». ويرى بصورة أوسع أن الهوية ليست سوى طبقة واحدة ضمن طبقات كثيرة تشكّل الإنسان. ويضيف «هؤلاء رجال بريطانيون يواجهون صراعاتهم الخاصة. أما علامات الهوية هذه فهى مجرد طبقات إضافية فوق شخصياتهم الحقيقية».

لكن نظرة «سفيان» إلى الهوية لا يمكن فصلها عن تجربته الشخصية مع العنصرية فى بريطانيا. وفى السنوات الأخيرة، اتخذت هذه التجربة أشكالًا أكثر قسوة مع تصاعد التوترات العرقية وصعود اليمين المتطرف.

فقبل أسابيع قليلة من انتقاله إلى لندن عام ٢٠٢٤، اجتاحت أعمال شغب ذات طابع عنصرى عددًا من المدن البريطانية، وتعرضت مقبرة إسلامية فى بلاكبيرن، حيث دُفن جده، للتخريب. وقد عرف «سفيان» بما حدث من خلال مقطع فيديو انتشر عبر الإنترنت، يقول «من الجنون أن يحدث كل هذا بينما أنت تحاول فقط أن تعيش حياة عادية». تأتى الرواية أيضًا ضمن نقاش أوسع يتعلق بتراجع حضور الكتّاب الرجال فى الرواية الأدبية المعاصرة، إلى جانب ابتعاد كثير من الشباب عن قراءة الروايات. يقول سفيان «كثير من الرجال لا ينجذبون بالضرورة إلى الروايات الأدبية، وربما تكون آخر رواية قرأها أحدهم فى حياته هى جاتسبى العظيم The Great Gatsby أيام المدرسة».

لكنه يشير فى المقابل إلى أن هؤلاء أنفسهم ينخرطون بعمق فى أشكال فنية أخرى معقدة تعتمد على اللغة والنصوص. ويضيف «عندما اندلع الخلاف الشهير بين مغنيَى الراب Drake وKendrick Lamar، كان عدد هائل من الشباب يحللون الكلمات سطرًا بسطر، وظهرت فيديوهات طويلة تفكك كل جملة وإشارة، وهذا فى النهاية شكل من أشكال الشعر يمارس على نطاق واسع»، ويتابع «الكثير من الرجال يمارسون فعل النقد الأدبى فعلًا، لكن ربما تغيّر الشكل الذى يحدث من خلاله ذلك».

جزء من طموح سفيان فى روايته «شباب شارع ويمى» كان محاولة ردم هذه الفجوة. أن يصل إلى الشباب بلغتهم هم، وأن يكتب رواية تبدو حيّة وسريعة وقريبة من الواقع الثقافى المحيط بهم بقدر ما تبدو الموسيقى نفسها.

يقول «أردتها أن تتحرك بحرية، مثل حديث عفوى بين مجموعة من الشباب فى سهرة ليلية». ويضيف أنه أراد للرواية أن تحمل إحساس حلقة بودكاست «لكن من دون ذلك الطابع اليمينى السام الذى يطغى على بعض هذه المساحات»، ويختصر فكرته بقوله «أردتها فوضوية بالقدر الذى يكون عليه الرجال أنفسهم»٪