الثلاثاء 14 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الصحافة العربية فى اليونان.. مهمة حماية الهوية وصناعة التأثير فى المهجر

حرف

- بداية ثمانينيات القرن الماضى الانطلاقة الحقيقية للصحافة العربية فى اليونان

- لم يقتصر نشاط «سوبريس» على إصدار الصحف والمجلات بل امتد أيضًا إلى نشر الكتب

فى قلب العاصمة اليونانية أثينا، وبعيدًا عن العواصم العربية التقليدية، تشكلت عبر عقود تجربة إعلامية عربية مميزة، أصبحت جزءًا من تاريخ الوجود العربى فى اليونان. فقد لعبت الصحافة العربية هناك دورًا يتجاوز مجرد نقل الأخبار أو متابعة الأحداث، لتتحول إلى مساحة لحفظ الهوية، ومنبر للحوار، ووسيلة للتواصل الثقافى والاجتماعى بين أبناء الجاليات العربية فى المهجر.

شهدت الصحافة العربية فى اليونان مسيرة طويلة ومتنوعة، بدأت من الصحافة الطلابية البسيطة، ثم تطورت تدريجيًا إلى صحف ومجلات ومنشورات لعبت دورًا مهمًا فى التعبير عن قضايا الجاليات العربية، وربطها بأوطانها الأم، ومتابعة الشأنين العربى واليونانى فى آنٍ واحد. وقد عكست هذه التجربة تحولات الوجود العربى فى اليونان، من مرحلة الدراسة والاغتراب المحدود، إلى مرحلة تكوّن جاليات عربية أكثر استقرارًا وتنظيمًا.

ولم تكن الصحف والمجلات العربية الصادرة فى اليونان مجرد مطبوعات عابرة، بل مثلت صوتًا لمجتمع عربى حى واجه تحديات الاغتراب، وسعى للحفاظ على خصوصيته الثقافية والفكرية داخل بيئة أوروبية مختلفة. كما أسهمت هذه التجربة فى تشكيل الرأى العام العربى داخل اليونان، وفتحت نقاشات حول قضايا الهوية والاندماج والعلاقة مع المجتمع اليونانى.

ومنذ سبعينيات القرن الماضى وحتى عصر الإعلام الرقمى، مرت الصحافة العربية فى اليونان بعدة مراحل، عكست تطور الوجود العربى نفسه داخل البلاد، وتحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية. 

البدايات الأولى: الصحافة الطلابية فى السبعينيات

فى البدايات، كان الطلاب العرب الذين قدموا إلى اليونان للدراسة خلال سبعينيات القرن الماضى هم النواة الأساسية لظهور الصحافة العربية هناك. فقد نشأت مطبوعات طلابية ضمن نشاطات الاتحادات الطلابية، ركزت على هموم الطلبة وشئونهم اليومية، ومن أبرزها مجلة «كررى» التى أصدرها اتحاد الطلاب السودانيين، إلى جانب مجلة اتحاد الطلاب الليبيين وغيرها من الإصدارات المشابهة.

وكانت تلك المطبوعات محدودة الانتشار نسبيًا، لكنها شكلت النواة الأولى للصحافة العربية فى اليونان، وعكست طبيعة الوجود العربى آنذاك، الذى كان يغلب عليه الطابع الطلابى.

ولم تكن الحاجة آنذاك إلى صحافة عربية واسعة الانتشار كبيرة، إذ كان أغلب العرب المقيمين فى اليونان من الطلاب، بينما كانت أخبار بلدانهم الأصلية تصلهم من خلال الصحف العربية القادمة من الخارج، والتى كانت تُباع بانتظام فى أكشاك الصحف اليونانية. 

ظهور الصحافة المتخصصة مع صعود السياحة العربية

مع تزايد أعداد السياح العرب الوافدين إلى اليونان، وازدياد الانفتاح اليونانى على المنطقة العربية، بدأت الحاجة تظهر إلى مطبوعات عربية أكثر تخصصًا، تقدم خدمات ومعلومات للجاليات والزوار العرب.

وفى هذا السياق، ظهرت مجلة «الدليل السياحى العربى»، التى عُدت من أوائل المطبوعات العربية المتخصصة فى اليونان. وقد هدفت المجلة إلى تقديم معلومات وإرشادات سياحية للعرب، إلى جانب موضوعات خفيفة تتناسب مع طبيعة الإصدار، واعتمدت فى استمراريتها على الإعلانات التجارية المرتبطة بالقطاع السياحى والخدمات الموجهة للعرب.

الثمانينيات: العصر الذهبى للصحافة العربية فى اليونان

شهدت بداية ثمانينيات القرن الماضى الانطلاقة الحقيقية للصحافة العربية فى اليونان، حيث ظهرت مجموعة كبيرة من الصحف والمجلات التى شكلت ما يمكن وصفه بـ«العصر الذهبى» لهذه التجربة الإعلامية. برزت خلال هذه المرحلة مطبوعات عديدة، من بينها مجلة «الحضارة» للكاتب الليبى الراحل عبدالحميد العبيدى، ومجلة «النشرة» برئاسة الصحفى الأردنى ميشيل النمرى، ومجلة «دنيا العرب» التى أسسها الأخوان السوريان كنفانى برئاسة أحمد كنفانى، ومجلة «التعاون» التابعة للغرفة العربية اليونانية، إضافة إلى مجلة «الاثنين» التى أسسها وترأس تحريرها الصحفى اللبنانى على طعمة. ومع اتساع هذه التجربة، تنوعت الإصدارات بين صحف ومجلات ووكالات أنباء ونشرات تحليلية، حتى بلغ عدد المطبوعات العربية فى اليونان خلال الثمانينيات نحو عشرين إصدارًا، شملت الصحافة السياسية والثقافية والإخبارية، إلى جانب نشر الكتب والترجمات الأدبية.

جريدة «الحوار»: التجربة الأبرز

تُعد جريدة «الحوار»، التى تأسست فى أثينا عام ١٩٨٠، واحدة من أهم التجارب الصحفية العربية فى اليونان. أسسها الشقيقان الراحلان هاشم والسنوسى الهوينى، اللذان أطلقا شركة «هانيبال للصحافة والنشر» لتكون الإطار المؤسسى للجريدة. 

امتلكت «الحوار» مؤسسة صحفية متكاملة ضمت أقسام التحرير والإنتاج والإعداد الطباعى داخل مبنى مكون من ثلاثة طوابق، ما منحها قدرة تنافسية كبيرة مقارنة بالصحف العربية التى كانت تصدر آنذاك من لندن وباريس. كما جاءت التجربة فى سياق السعى لتخفيف القيود الرقابية المفروضة على بعض الكتّاب الليبيين والعرب، مع توفير مساحة أوسع من حرية التعبير، الأمر الذى جعلها تُصنف ضمن صحافة المهجر العربية. فى بدايتها، صدرت «الحوار» بشكل أسبوعى، وشارك فى إعدادها عدد كبير من الصحفيين والكتّاب والفنيين العرب من جنسيات مختلفة. وتولى الأخوان الهوينى رئاسة التحرير والإدارة، بينما أدار السودانى منصور شاشاتى سكرتارية التحرير.

وضمت قائمة المشاركين أسماءً بارزة، من بينها الكاتب الليبى زكريا العزابى، والسودانى معاوية محمدين، والأديب العراقى جمال حيدر، والليبى عبدالسلام الزغيبى، والسودانى إبراهيم على إبراهيم، إلى جانب عدد من المتخصصين فى الشئون الرياضية والسياسية والترجمة.

وفى القسم الرياضى، تولى السودانى محمد خليل جاب الله المهمة، بينما أشرف السودانى محمد الحافظ على ترجمة الأخبار اليونانية، وتولى الليبى الراحل شوقى الهوينى ترجمة الأخبار الأجنبية. أما قسم المرأة فكان بإشراف العراقى عبدالعظيم محمد وزوجته، فى حين كتب المصرى عاصم عبدالحميد فى الشئون السياسية. كما ضم القسم الفنى أسماءً عدة، من بينها الخطاط الليبى سالم حدود، والسورى عبدالله طوح، والليبيان فهمى وإبراهيم العزابى، إضافة إلى محمد الغرباوى وآخرين.

ورغم اختلاف الخلفيات السياسية والفكرية للعاملين فى «الحوار»، بين الناصرية والقومية والتيارات الإفريقية والأمريكية، فقد جمعهم هدف واحد تمثل فى تعزيز قيمة الحوار، باعتباره وسيلة للتعايش والتقارب وبناء فهم متبادل بين الثقافات المختلفة. 

من «الحوار» إلى «صوت الناس»

تحولت «الحوار» لاحقًا إلى صحيفة يومية، لتصبح أول وآخر صحيفة غير يونانية تصدر بشكل يومى فى اليونان، واستمرت فى الصدور لمدة ثلاث سنوات. وبعد فترة، عاد مؤسسها الراحل هاشم الهوينى لإطلاق صحيفة جديدة حملت اسم «صوت الناس»، وشارك فى تأسيسها الشاعر المصرى المعروف أحمد فؤاد نجم. 

ومن التجارب البارزة أيضًا مجلة «النشرة»، التى تأسست فى أثينا خلال النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضى، وذلك بعد فترة قصيرة من توقف جريدة «الحوار»، التى كان يصدرها الصحفى الأردنى الراحل ميشيل المصرى.

وقد أسس النمرى لاحقًا شركة «برسلاى إنترناشونال المحدودة»، التى اتخذت من إحدى الشقق فى شارع ميسوجيون مقرًا لها.

شكّلت مجلة «النشرة» امتدادًا للصحافة الفلسطينية فى المهجر، وتميزت باهتمامها بأدبيات المعارضة العربية ونشاطاتها السياسية والثقافية، وكانت تُوزّع على المشتركين فقط. واستمرت المجلة قوية وفاعلة حتى اغتيال مؤسسها ورئيس تحريرها ميشيل المصرى فى أثينا عام ١٩٨٥. وبعد ذلك توقفت المجلة لفترة، قبل أن يحاول الكاتب خليل محمد الزبن إعادة إصدارها وفاءً للمصرى، ولكن هذه المحاولة لم تستمر طويلًا بسبب اغتياله هو الآخر فى غزة عام ٢٠٠٤. 

«تقرير أثينا الأسبوعى» وتجربة «سوبريس»

فى عام ١٩٨٦، أسس منصور شاشاتى «تقرير أثينا الأسبوعى»، عبر شركة «سوبريس للصحافة والنشر». وكان الإصدار عبارة عن نشرة تحليلية أسبوعية تُعنى بالشأن اليونانى وتطورات منطقة البلقان، وتوزع على المشتركين فقط. وقد استطاعت هذه النشرة أن تحافظ على استمراريتها حتى اليوم، ما يعكس قدرتها على الصمود والتكيف مع المتغيرات. 

وأصدرت «سوبريس» لاحقًا عددًا من الصحف والمطبوعات الأخرى، من بينها صحيفة «أخبار السودان»، وهى صحيفة نصف شهرية صدرت فى ٢٠ فبراير ١٩٩٠، وجرى توزيعها فى مصر والسعودية والإمارات وعدد من العواصم الأوروبية.

وتُعد «أخبار السودان» أول صحيفة سودانية تصدر خارج السودان بعد انقلاب عمر البشير وإغلاق الصحف السودانية، واستمرت لأكثر من عشر سنوات قبل أن تتوقف نهاية عام ٢٠٠٠. 

«الصفقات»: التحول نحو الإعلام الرقمي

برزت أيضًا صحيفة «الصفقات»، التى بدأت كمجلة شهرية ثقافية تهتم بقضايا الثقافة وحوار الحضارات، وسعت إلى ربط العالم العربى بالجالية العربية فى اليونان، مع التركيز على التطورات السياسية والاقتصادية داخل اليونان.

ثم تطورت لاحقًا إلى جريدة إلكترونية يومية تقدم الأخبار للعرب المقيمين فى اليونان وخارجها، خاصة فيما يتعلق بالقوانين اليونانية الجديدة، والإقامات، وتصاريح العمل، إلى جانب متابعة الأخبار العاجلة، والتغيرات الاقتصادية، والإضرابات، وحالة الطقس، وسوق العمل، والزيارات الرسمية، وغيرها من القضايا التى تهم العرب واليونانيين على حد سواء.

وقد أصبحت «الصفقات» بمثابة منصة إعلامية شبه يومية يتابعها العرب فى اليونان باختلاف فئاتهم، وأسهم فى إعدادها عدد من الصحفيين والمتطوعين والمهتمين بالشأن اليونانى، بينما أشرف الكاتب والصحفى منصور شاشاتى على مراجعة أخبارها قبل نشرها. 

ولم يقتصر نشاط «سوبريس» على إصدار الصحف والمجلات، بل امتد أيضًا إلى نشر الكتب، ومن أبرزها كتاب «معنى الكلام» لمنصور شاشاتى، وكتاب «من الجميزة إلى أثينا» الذى يوثق تجربة الانتقال والاغتراب.

كما أصدرت مختارات من الشعر اليونانى، مثل ديوان «أنطون سوس»، وكتاب «انهدم الجبل» لسامح لطفى، إلى جانب ترجمات عربية لأعمال أدبية عالمية، منها «سونيتات شكسبير» بترجمة عبدالمجيد حمدالله، وديوان «تحولات» للشاعر الأمريكى غريغ فوستر بترجمة زكريا العزايزى. 

التحول الرقمى واستمرار الإرث

فى ظل التحول الرقمى والتطور التكنولوجى، واجهت الصحافة العربية فى اليونان تحديات اقتصادية ومهنية كبيرة، أدت إلى اختفاء بعض الإصدارات الورقية، بينما نجحت أخرى فى الانتقال إلى الفضاء الإلكترونى حفاظًا على استمراريتها.

ورغم الصعوبات، تبقى هذه التجربة شاهدًا مهمًا على حيوية الوجود العربى فى اليونان، وقدرته على إنتاج إعلام يعكس واقعه، ويدافع عن قضاياه، ويؤسس لمساحات من الحوار والتفاعل الثقافى بين العرب واليونانيين.

منصور شاشتى: الصحافة والإعلام باتت صناعة ثقيلة يحتكرها الكبار فقط

تحدث منصور شاشتى، رئيس تحرير جريدة الضفتان العربية فى أثينا لـ«حرف» عن تجربته الثرية طوال عقود فى الصحافة العربية فى أثينا.. عن تطور الصحافة العربية، وتواجدها داخل المجتمع اليونانى.

■ كيف أثرت الحياة داخل المجتمع اليونانى على رؤيتكم كصحفيين عرب؟

- للإجابة على هذا السؤال من الضرورى أن نحاول على عجالة نتتبع مسار الصحافة أو بالأحرى المحاولات الصحفية العربية الأولى فى اليونان..

والصحافة عموما- كما تعلمين- منذ نشأتها وطوال مسار تطورها، بدءًا من الفرمان والنشرة الرسمية التى يصدرها الحكام وصولًا إلى الصحيفة التى تتحرى الحقيقة وتنشرها خبرًا أو تحليلًا على الناس، انتهاءً إلى المرحلة الراهنة للتواصل الإلكترونى.. ارتبطت بالمجتمع الذى نشأت فيه تتأثر وتتعاطى مع احتياجاته واهتماماته تؤثر فيه وتتأثر به بهذا القدر أو ذاك من خلال الشريحة التى تتوجه بخطابها إليه..

وبما أن الحديث هنا يدور حول الوجود العربى فى اليونان الذى بدأ بالأساس بعد منتصف الستينيات من القرن الماضى طلابيًا، فإن مسار تطور الصحفيين الذين بدأوا مشوارهم مع الصحافة كهواة فى المجلات الطلابية فى اليونان قبل أن يختاروا الصحافة مهنة لهم يختلف فى بعض التفاصيل ومدى تأثره بالحياة فى المجتمع اليونانى من خلال معايشتهم اليومية للمجتمع الذى يعيشون فيه، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنقلات التى شهدتها آليات العمل الإعلامى تختلف عن تجربة الصحفى الذى نشأ واحترف المهنة فى مجتمعات ما زالت الصحافة فيها، اللهم إلا من بعض الاستثناءات، تعيش مرحلة الفرمان والنشرة الرسمية التى يصدرها الحكام.

■ هل تغيرت طريقة تناولكم للقضايا العربية بعد سنوات العيش والعمل فى اليونان؟

- الشىء الطبيعى هو أن يتغير المرء عندما يحتك ويعيش ويعمل لسنوات فى مجتمع غير المجتمع الذى ولد فيه.. يؤثر ويتأثر وينعكس ذلك، ليس فقط فى طريقة فهمه وتعاطيه وتناوله لما أسميته بالقضايا العربية. 

■ إلى أى مدى يشعر الإعلام العربى فى اليونان بأنه جزء من المشهد الإعلامى اليونانى نفسه.. وليس فقط صوتًا موجهًا للجاليات العربية؟

- حرصنا فى المطبوعات التى أصدرناها «الضفتان، تقرير أثينا الأسبوعى» وفى المواضيع التى تناولناها فى مطبوعات أخرى صدرت فى اليونان تعاونا معها أن نعطى بقدر الإمكان صورة لإعلام يونانى موجه لقارئ العربية ويخاطب اهتماماته.

بالطبع يشعر الصحفى العربى- بدرجات متفاوتة- بالانتماء إلى المشهد الإعلامى اليونانى، أما إذا كان المقصود دخول سوق الصحافة والإعلام اليونانية فأعتقد أن هذا أمر مستبعد فى المدى المنظورلطبيعة المجتمع اليونانى وضعف الوجود العربى، ولأن الصحافة والإعلام قبل ذلك كله باتت صناعة ثقيلة يحتكرها الكبار فقط.

عبدالسلام الزغيبى: الصحف اليمنية المتطرفة تقدم صورة مغايرة للمجتمع اليونانى

تحدث «عبدالسلام الزغيبى» سكرتير تحرير جريدة «الضفتان» فى أثينا لـ«حرف» عن تجربته كصحفى عربى فى اليونان عن طبيعة المجتمع اليونانى والقضايا التى تهتم بها الصحافة العربية فى أثينا.

■ ما أكثر ما فاجأكم فى طبيعة المجتمع اليونانى خلال عملكم كصحفيين عرب هناك؟

- كانت علاقتنا بالمجتمع اليونانى، كصحفيين، تقتصر فى الغالب على الجانب المهنى والفنى، حيث تعاملنا مع مكاتب المونتاج والإنتاج الفنى والمطابع. وقد نشأت بيننا وبين هذه الجهات علاقات طيبة وتعاون مستمر ما زال قائمًا حتى اليوم، رغم توقف صحفنا الورقية.

كما كانت هناك علاقة غير مباشرة مع المجتمع اليونانى عبر الصحافة اليونانية، إذ كنا نعتمد على ترجمة الأخبار والتقارير المنشورة فيها، لا سيما تلك المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين. وكثيرًا ما كنا نواجه تقارير وتحقيقات تنشرها صحف يمينية متطرفة تقدم صورة مغايرة لطبيعة المجتمع اليونانى، الذى عُرف عمومًا بتسامحه تجاه قضايا الهجرة والأجانب.

أما فيما يتعلق بطريقة تناول الإعلام اليونانى لقضايا العالم العربى، فهناك أصوات إيجابية وموضوعية تتعامل مع هذه القضايا بمهنية، فى مقابل أصوات أخرى متحيزة لا تنصف الحقوق العربية.

■ كيف تنظر إلى قضايا الهجرة والاندماج داخل اليونان من موقعك كصحفى عربى يعيش هذه التجربة يوميًا؟

- تُعد قضايا الهجرة والاندماج من الموضوعات الأساسية فى المجتمع اليونانى، نظرًا إلى موقع اليونان الجغرافى الذى يجعلها بوابة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. وقد شهدت البلاد خلال العقود الأخيرة تدفقات كبيرة من المهاجرين واللاجئين، الأمر الذى أوجد تحديات وفرصًا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فى بدايات الهجرة العربية إلى اليونان، كان معظم الوافدين من الطلاب الذين قدموا للدراسة، أو من الباحثين عن فرص عمل. وقد استقر عدد كبير منهم بعد انتهاء الدراسة أو العمل، وتزوجوا من أبناء البلد وأصبحوا جزءًا من المجتمع اليونانى. أما قضية اللجوء والهجرة غير النظامية فهى قضية مختلفة وأكثر تعقيدًا.

ويبقى الاندماج مسألة متشعبة تعتمد على عوامل عديدة، من أبرزها فرص التعليم والعمل، وإتقان اللغة اليونانية، ووجود سياسات داعمة للاندماج، إلى جانب تعاون المجتمع المحلى والمهاجرين أنفسهم.

■ فى ظل الأزمات كيف تغيرت اهتمامات الجالية العربية.. وكيف انعكس ذلك على أولويات التغطية الصحفية؟

- فى السنوات الأولى، ركزت اهتمامات الجالية العربية والتغطيات الصحفية على قضايا الإقامة وتقنين الأوضاع القانونية للمهاجرين. وبعد تسوية أوضاع أعداد كبيرة منهم، انتقلت الأولويات إلى ملفات لمّ الشمل العائلى، والتأمين الصحى، وتسجيل الأبناء فى المدارس، أما الموجة الأخيرة من الهجرة غير النظامية، القادمة من بلدان لا تنطبق على مواطنيها شروط اللجوء، فقد أفرزت تحديات كبيرة يصعب التعامل معها، خصوصًا فيما يتعلق بالقاصرين، إضافة إلى تأثير القوانين الأكثر تشددًا التى أصدرتها الحكومة اليونانية مؤخرًا.

ويركز موقعنا الإلكترونى على متابعة أخبار تدفقات الهجرة غير النظامية، والقضايا المرتبطة بها، إلى جانب تغطية الجرائم التى يرتكبها بعض الأجانب، فضلًا عن نشر التحقيقات والتقارير المتعلقة بالأنشطة الثقافية والفنية التى تنظمها مؤسسات ومنظمات المهاجرين.

■ هل تشعر أحيانًا أن الصحافة العربية فى اليونان توثق حياة جالية تعيش بين عالمين.. فلا هى منفصلة تمامًا عن أوطانها ولا مندمجة بالكامل فى المجتمع الأوروبي؟.. وكيف يمكن وصف حالة الصحافة العربية فى اليونان؟

- تحاول الصحافة العربية فى اليونان تحقيق توازن بين تغطية أخبار الجاليات العربية التى اندمجت بدرجات كبيرة فى المجتمع اليونانى، بمن فى ذلك أبناء الجيل الثانى الذين يدرسون فى المدارس والجامعات اليونانية، وبين متابعة أوضاع فئات أخرى لا تزال تعيش فى عزلة نسبية ضعف إتقان اللغة واعتمادها بشكل شبه كامل على وسائل الإعلام العربية.

لذلك يمكن القول إن الصحافة العربية فى اليونان تؤدى دورًا مزدوجًا؛ فهى من جهة توثق تجربة الاندماج والنجاح، ومن جهة أخرى تنقل تحديات العزلة وصعوبات التكيف التى ما زالت تواجه بعض فئات المهاجرين.