السبت 15 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

قبل أن ننقرض.. الروائى الأسترالى عمر موسى : أثرياء العالم يهددون الحياة على الأرض بتدمير الغابات طمعًا فى المليارات

حرف

- الغابة ليست مجرد مورد يمكن استغلاله بل كيان حى يمتلك روحه ويستحق الاحترام

- مؤلف «فيرلاند»: روايتى تلاحق المتهمين بتدمير الغابات المطيرة وتهجير سكانها الأصليين

- فكرت فى كتابة رواية حالمة لكن وجدت نفسى مشدودًا ناحية الحرب الدائرة على «الأشجار»

فاز الكاتب الماليزى الأسترالى عمر موسى، بجائزة «مايلز فرانكلين» الأدبية لعام 2026، إحدى أرفع الجوائز الأدبية فى أستراليا، والبالغة قيمتها 60 ألف دولار، عن روايته «فيرلاند» Fierceland، التى تطرح من خلال حكاية أسرة واحدة أسئلة معقدة عن الإرث والاستعمار والتواطؤ والمسئولية الأخلاقية.

وبهذه المناسبة، أجرت صحيفة ABC الأسترالية مع عمر موسى حوارًا حول خلفيات كتابة الرواية، ورؤيته للقضايا التى تطرحها، وتترجمه «حرف» فى السطور التالية.

يقول عمر موسى عن هذا التتويج إنه «يفوق كل التوقعات»، معربًا عن سعادته الكبيرة بحصول عمله على هذا التقدير إلى جانب أعمال نخبة من الكتّاب.

وأضاف «عمر» أن هذا الفوز لا يخصه وحده، بل يُمثل أيضًا اعترافًا بجهود كل من أسهموا فى خروج الرواية الفائزة إلى النور، مشيرًا إلى أن «الصورة النمطية للكاتب الذى يعمل فى عزلة تامة ويُنجز كتابه بمفرده لا تعكس الواقع»، مؤكدًا أن وراء كل عمل أدبى ناجح فريقًا من الأشخاص الذين يقدمون الدعم والمساندة فى مراحل مختلفة من رحلته.

وتُعد «فيرلاند Fierceland» الرواية الثانية للكاتب عمر موسى، الذى لا يقتصر نشاطه على الكتابة، بل يعمل أيضًا فى موسيقى «الهيب هوب» والفنون البصرية، وسبق أن فاز ببطولة أستراليا فى مسابقات الشعر الإلقائى Slam Poetry، كما حصدت الرواية أيضًا جائزة فيكتوريا الأولى للرواية لعام ٢٠٢٦.

تدور أحداث رواية «فيرلاند» حول شقيقين، «روز» و«هارون»، نشآ فى مدينة كوتا كينابالو بجزيرة بورنيو الماليزية، وهما ابنا واحد من أكبر رجال الأعمال فى صناعة زيت النخيل. وبعد سنوات من الابتعاد، يعود الشقيقان إلى ماليزيا لحضور جنازة والدهما، لتتحول رحلة العودة إلى مواجهة مؤلمة مع إرثه الشخصى والمهنى.

ومن خلال هذه العودة، تنكشف أمامهما التناقضات التى طبعت حياة الأب، الذى انتشل أسرته من الفقر وحقق ثروة هائلة وفرت لأبنائه حياة مرفهة، لكن فى الوقت نفسه ارتبطت أعماله بتدمير مساحات واسعة من الغابات المطيرة وتهجير سكانها الأصليين.

وبين ذكريات الطفولة وحقائق الماضى، يجد الشقيقان نفسيهما أمام أسئلة معقدة تتعلق بالإرث العائلى والمسئولية الأخلاقية وحدود التواطؤ مع أنظمة تقوم على الاستغلال، وهى القضايا التى تشكل جوهر الرواية.

وأشادت لجنة تحكيم جائزة «مايلز فرانكلين» بالرواية، ووصفتها بأنها «عمل أدبى استثنائى» تدور أحداثه على خلفية التدمير الذى طال الغابات المطيرة فى بورنيو، بعدما أزيلت مساحات واسعة منها لإفساح المجال أمام مزارع زيت النخيل.

ورأت لجنة التحكيم أن الغابة تمثل محور الرواية وقلبها النابض، وأن أسلوب «موسى» المميز يمنحها حضورًا قويًا يعكس روح المقاومة. كما اعتبرت أن الرواية تقدم رحلة تجمع بين الخلاص الشخصى والحفاظ على البيئة، مستلهمةً التراث السردى الملايوى «الحكايات»، لكنها تقدمه فى قالب روائى أسترالى معاصر.

ونشأ عمر موسى فى مدينة كوينبيان، القريبة من العاصمة الأسترالية الاتحادية كانبيرا، لأم أسترالية تعمل فى المسرح والصحافة الثقافية، وأب ماليزى تعرّفت إليه عندما سافرت إلى ماليزيا لإخراج أول نسخة باللغة الملايوية من مسرحية «هاملت» وكان هو بطل العرض.

ورغم أن «موسى» زار جزيرة بورنيو عدة مرات فى طفولته، فإنه لم يتقرب من عائلته الماليزية إلا بعد أن كبر. ومنذ أوائل عشريناته، أصبح يزور ماليزيا مرة واحدة على الأقل كل عام، قبل أن ينتقل لاحقًا للإقامة فى مدينة كوتا كينابالو بولاية «صباح»، مسقط رأس والده فى شرق بورنيو الماليزية.

ووصف تلك التجربة بأنها كانت ثرية ومليئة بالمشاعر المتناقضة: «تجربة جمعت بين المواجهة والارتباك والاكتشاف لكنها كانت ضرورية بالنسبة إلىّ، ليس على المستوى الشخصى فقط، بل أيضًا لإنجاز رواية فيرلاند».

وكانت رواية عمر موسى الأولى «Here Come the Dogs»، التى وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة مايلز فرانكلين عام ٢٠١٥، مستوحاة من طفولته ونشأته فى الضواحى الأسترالية، حيث تناولت قضايا العلاقات العرقية وما يراه توترات كامنة داخل المجتمع الأسترالى.

وأوضح «موسى» أنه بعد الانتهاء من تلك الرواية، شعر برغبة فى توجيه اهتمامه نحو أرخبيل ماليزيا وإندونيسيا، لاكتشاف جذوره العائلية وتاريخه الشخصى.

وأوضح «موسى» أنه كان يخطط فى البداية لكتابة ملحمة بحرية تدور أحداثها بين جزر أرخبيل ماليزيا وإندونيسيا، وتتناول فكرة الحدود المفتوحة والروابط التى تجمع شعوب المنطقة. لكن مع تطور عملية الكتابة، وجد نفسه ينجذب أكثر إلى غابات وأنهار جزيرة بورنيو، لتصبح الطبيعة والصراع الدائر حولها محورًا رئيسيًا للرواية.

تسلط «فيرلاند» الضوء على صناعة زيت النخيل، التى انتقلت من غرب إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا خلال سبعينيات القرن الماضى، قبل أن تتحول إلى واحدة من أهم الصناعات فى المنطقة. ورغم ما حققته من عوائد اقتصادية وفرص عمل، فإنها تعرضت لانتقادات واسعة بسبب ارتباطها بإزالة مساحات شاسعة من الغابات المطيرة والإضرار بالنظم البيئية وحقوق المجتمعات المحلية.

ويرى «موسى» أن «هذه الانتقادات تستند إلى وقائع حقيقية»، لكنه يؤكد أن القضية ليست أحادية الجانب، إذ استفادت منها أيضًا آلاف الأسر التى تمكنت من تحسين أوضاعها المعيشية بفضل هذه الصناعة. ومن هذا المنطلق، سعى فى روايته إلى تقديم رؤية أكثر توازنًا وتعقيدًا بعيدًا عن الأحكام المطلقة، كاشفًا عن التداخل بين المصالح الاقتصادية والتكاليف الإنسانية والبيئية.

وأشار «موسى» إلى أن صناعة زيت النخيل تحظى بسمعة سيئة فى الدول الغربية، وهو أمر يراه مبررًا إلى حد كبير، لأن «إزالة الغابات المطيرة الأصلية واستبدالها بمزارع أحادية المحصول يُعد من أكثر الممارسات تدميرًا للبيئة، خاصة فى ظل ما يواجهه العالم من أزمات بيئية متفاقمة».

لكنه شدد على أن للقضية وجهًا آخر لا يقل أهمية، موضحًا أن صناعة زيت النخيل أسهمت فى تحسين حياة كثير من الأسر الماليزية ومن بينها أسرته، يقول: «وفرت فرص عمل ومصدر دخل مكّن آلاف العائلات فى المناطق الريفية من الخروج من دائرة الفقر».

وأشار إلى أن هذه التجربة ليست بعيدة عن حياته الشخصية، فوالده كان واحدًا من تسعة أشقاء، بينما كان هو الوحيد بين أبناء عمومته الذى نشأ فى أستراليا. أما معظم أفراد عائلته فى ماليزيا، فقد عملوا لسنوات فى مزارع نخيل الزيت بولاية «صباح»، الأمر الذى منحه فهمًا مباشرًا لتأثير هذه الصناعة على حياة الناس، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.

وأوضح أنه خلال زياراته إلى ولاية «صباح» فى طفولته، كان يقضى وقتًا فى تلك المزارع، ما أتاح له «التعرف عن قرب على طبيعة الحياة التى يعيشها العاملون فيها».

ويرى «موسى» أن ارتباطه الشخصى بصناعة زيت النخيل، بما تحمله من جدل وتعقيدات، منحه منظورًا مختلفًا لفهمها. ويوضح أنه كثيرًا ما قرأ عن «عالمى قطع الأشجار وزراعة نخيل الزيت فى الكتب والدراسات غير الروائية»، لكنه لم يجد عملًا أدبيًا يتناول هذه القضايا من منظور إنسانى، سواء فى الأدب الماليزى أو فى الروايات التى تدور أحداثها فى جزيرة بورنيو.

ومن هنا جاءت فكرة روايته «فيرلاند»، التى تدور حول أسرة مكونة من ٤ أفراد: الأب يوسف والأم جناب وبنتاهما «روز» و«هارون»، ومن خلال هذه الأسرة، يستكشف «موسى» التناقضات التى تحيط بصناعة زيت النخيل، وما تطرحه من أسئلة حول الثروة والسلطة والإرث العائلى والمسئولية الأخلاقية، فى إطار يجمع بين الدراما العائلية والقضايا البيئية والإنسانية.

وُلد «يوسف» الأب فى أسرة فقيرة، وفقد والديه وهو فى السابعة من عمره، لكنه استطاع بفضل عمله الدءوب أن يحقق ثروة كبيرة وفرت لابنيه حياة تنعم بامتيازات واسعة.

إلا أن نجاحه الاقتصادى جاء بثمن باهظ، إذ ارتبطت استثماراته بتدمير مساحات شاسعة من الغابات المطيرة وتهجير السكان الذين كانوا يعيشون فيها.

ومع مرور السنوات، يجد «روز» و«هارون» نفسيهما فى مواجهة حقيقة معقدة عن والدهما، إذ يحاولان التوفيق بين صورته كأب محب وفر لأسرته حياة مستقرة ومرفهة، وبين دوره كرجل أعمال حقق ثروته من خلال مشروعات تركت آثارًا سلبية على البيئة والمجتمعات المحلية. ويقودهما هذا الصراع إلى إعادة النظر فى إرث والدهما، والتساؤل عن الحدود الفاصلة بين النجاح الشخصى والثمن الذى يدفعه الآخرون.

ويؤكد «موسى» أن «الرواية لا تقتصر على سرد قصة عائلية، بل تطرح أسئلة أوسع تتعلق بالامتياز والمسئولية والتواطؤ»، فمن خلالها يحاول استكشاف الكيفية التى يصبح بها الأفراد جزءًا من أنظمة اقتصادية واجتماعية تقوم على الاستغلال، سواء بإرادتهم أو بحكم الظروف التى يعيشونها، تاركًا للقارئ مهمة التفكير فى مدى مسئولية الإنسان عن الأفعال التى يستفيد منها، حتى وإن لم يكن طرفًا مباشرًا فيها.

تبدأ أحداث الرواية عام ١٩٩٨ عندما يصطحب يوسف ابنيه، «روز» و«هارون»، فى رحلة إلى أعماق غابات بورنيو. وتبدو الرحلة فى البداية وكأنها مغامرة عائلية مليئة بالاكتشاف، لكنها سرعان ما تتحول إلى تجربة قاسية، بعدما يشهد الطفلان حادثًا صادمًا يترك أثرًا عميقًا فى نفسيهما، ويغير نظرتهما إلى والدهما وإلى العالم من حولهما.

ويشير «موسى» إلى أن «الغابة تظهر فى بداية الرحلة بوصفها مكانًا ساحرًا ينبض بالحياة، حيث ينجذب الأب وطفلاه إلى جمال الطبيعة وسكونها. لكن هذا الانبهار لا يدوم طويلًا، إذ يكتشف روز وهارون أن الهدف الحقيقى من الرحلة ليس حماية الغابة أو الاستمتاع بها، إنما استغلالها وقطع أشجارها فى إطار مشروعات تهدف إلى تحقيق أرباح كبيرة»، ويضيف أن هذا هو الاكتشاف الذى يشكل نقطة تحول رئيسية فى مسار الرواية.

يرى «موسى» أن هذه اللحظة تمثل بداية الصراع الحقيقى، «عندما تتعارض مصالح يوسف منصور مع الأشخاص الذين يحاولون حماية الغابة ومنع تدميرها» وهو ما يدفع الأحداث إلى التصاعد ويكشف عن الجوانب المختلفة لشخصيات الرواية.

لا تقتصر «فيرلاند» على سرد الأحداث من وجهة نظر «روز» و«هارون»، بل تمنح الفرصة لعدد من الشخصيات الأخرى لرواية جانب من القصة، من بينها عمهما «عبدالحميد»، والمساعد المقرب لوالدهما جبريل، وصديقة العائلة المعروفة باسم «الخالة المجنونة». كما تمنح الرواية الغابة نفسها صوتًا خاصًا، لتصبح جزءًا من السرد وكأنها إحدى شخصيات العمل، تعبر عن نفسها وما تتعرض له من تدمير.

ولا تقتصر أحداث «فيرلاند» على ماليزيا, بل تنتقل بين أماكن وأزمنة متعددة، من بينها نيجيريا فى سبعينيات القرن الماضى والبندقية فى القرن التاسع عشر، وبلاط راجا باندانسان فى غابات بورنيو. كما يظهر الروائى البريطانى جوزيف كونراد فى أحد مشاهد الرواية، فى إشارة إلى أعماله الأدبية التى استلهم بعضها جزيرة بورنيو.

ويؤكد موسى أن «فيرلاند» جاءت ردًا على رواية «قلب الظلام» للكاتب جوزيف كونراد. حيث يرى أن كونراد قدّم الغابة مجرد خلفية لأحداث الشخصيات الأوروبية، بينما أراد هو أن يجعلها بطلًا رئيسيًا فى الرواية، لها صوتها وحضورها وقيمتها الخاصة.

ويقول إن هدفه «كان التأكيد أن الغابة ليست مجرد مورد يمكن استغلاله، بل كيان حى يمتلك روحه وإرادته ويستحق الاحترام»، ولذلك منحها صوتًا داخل الرواية، كما حرص على أن تتحدث الشخصيات المحلية عن نفسها، بأسمائها وحياتها وتعقيداتها الإنسانية، بدلًا من أن تبقى مجرد حضور هامشى فى خلفية السرد.

وتتنقل أحداث «فيرلاند»، بين ماليزيا وأستراليا، فى تأكيد على الروابط التى تجمع البلدين، فالرواية تبدأ بتعارف والدى «روز» و«هارون» خلال الدراسة فى مدينة أديلايد، حيث كان يوسف يدرس بمنحة ضمن خطة كولومبو، ثم تنتقل لاحقًا إلى سيدنى، التى أصبحت مركزًا لأعماله التجارية، وفيها يدرس ابناه فى مدارس خاصة.

وبعد تخرجهما فى المدرسة الثانوية، ينتقل «هارون» إلى لوس أنجلوس، بينما تبقى «روز» فى سيدنى سعيًا لتحقيق حلمها فى العمل بالفن. وخلال رحلة من «سيدنى» إلى كوالالمبور، تجلس إلى جوار رجل يفاجئها بمعرفته الواسعة بأستراليا، فتتحدث معه عن نظرة كثير من الأستراليين إلى ماليزيا، قائلة إن اهتمامهم بها غالبًا ما يقتصر على المطبخ الماليزى، دون معرفة حقيقية بتاريخها أو ثقافتها.

ويرى «موسى» أنه خلال العشرين أو الخمسة والعشرين عامًا الماضية، عاد بعض الأستراليين إلى تبنى نظرة قديمة تقليدية لأستراليا، تقوم على اعتبارها دولة معزولة تخشى محيطها الإقليمى، وهو ما يصفه بأنه تغيّر مؤسف.

ويؤكد «موسى» أنه لا يعتبر تسعينيات القرن الماضى فترة مثالية، لكنه يرى أنها شهدت جهودًا أكبر لتعزيز انفتاح أستراليا على محيطها فى آسيا والمحيط الهادئ، وترسيخ فكرة أنها جزء من هذه المنطقة، وليست دولة منفصلة عنها.

ويشير إلى أن هذا البعد فى الرواية يكتسب أهمية خاصة فى ظل النقاشات المتجددة حول التعددية الثقافية. إذ يسهم فى إعادة النظر إلى هذه القضية من زاوية مختلفة، من خلال إبراز الروابط التاريخية والثقافية التى تجمع أستراليا بجوارها الآسيوى.