مواجهات مثقف بورسعيدى.. الباحث والقاص السيد زرد: غالبية جمهور الندوات الأدبية من «أرباب المعاشات»
- شباب المبدعين الحقيقيين يعزفون عن ندوات تعانى من الجمود وأمراض الشيخوخة
- بعض الأحزاب التى خلت من الأعضاء والسياسة لم يعد لها شاغل سوى إقامة الندوات الأدبية
- بعض محترفى التصدر يوزعون ألقاب «الكاتب الكبير» و«الشاعر الفذ» على محدودى الموهبة
- الفنون والآداب ستظل السيد أمام طغيان الـ«AI»
فى حوار يتقاطع فيه الإبداع بالوعى المجتمعى، يفتح الكاتب والباحث والقاص، السيد زرد، أوراق تجربته الممتدة عقودًا فى عالم الكتابة، مُعارضًا وهم «الخلاص الفردى» ليؤكد أن خلاص المبدع مرتهن بخلاص مجتمعه.
يتنقل «زرد» بين عالمين يتنازعان تجربته: القصة القصيرة التى يراها موطنه الأصلى ومساحته الأوسع للتعبير عن الذات رغم صعوبتها، وأدب الطفل والناشئة الذى دخل ساحته بعفوية وتتلبسه فيه حالة من المرح والخيال الجامح.
ولم يخلُ الحوار الذى أجراه مع «حرف» من وقفات فكرية ونقدية جادة، يرى الباحث والقاص فيها أن العقل البشرى والفنون ستظل هى السيد أمام طغيان التقنية و«الذكاء الاصطناعى»، محذرًا فى الوقت نفسه من طمس الهوية وتسارع سيولة المعلومات.
ويقدم أيضًا تشريحًا جريئًا للمشهد الثقافى فى مدينته بورسعيد، معريًا أزماته المتمثلة فى الصراعات الضيقة، وظاهرة «المديح المجانى» للكتابات الركيكة، وعزوف الشباب المبدعين عن ندوات أدبية يعيبها «الجمود وأمراض الشيخوخة».

■ ترتبط الكتابة بفكرة الخلاص الذاتى لدى الكاتب، فهل ينتهى حلمك بالخلاص مع الانتهاء من كتابة نص إبداعى، أم أن للخلاص أبعادًا أخرى لديك؟
- أتفق مع ما يذهب إليه البعض من أن الكتابة والفن انعتاق، وسبيل ينتهجه الكاتب للخلاص؛ الخلاص على المستوى الروحى الما ورائى، والخلاص على مستوى إحباطات الواقع والعلاقات والممارسات المجتمعية الآسنة، بل وعلى مستوى مغالبة وهن الجسد وزحف الشيخوخة.
غير أنى أنتمى إلى جيل ارتبط لديه الخلاص الفردى بالخلاص الجمعى، فلا أرى إمكانية واقعية لخلاص حقيقى للذات، مبدعة أو غير مبدعة، بمعزل عن خلاص المجتمع الذى ترتبط به هذه الذات.
إن البحث عن خلاص فردى، وتوهم إمكانية تحققه بغض النظر عن حال باقى أفراد المجتمع، وبالتغاضى عما يكابدونه من قهر وآلام، لهو فى ظنى أنانية مفرطة ومخادعة للنفس.
لا شك فى أن عملية الكتابة تنطوى، فى بعض جوانبها، على ما يمكن اعتباره تطهرًا، وقد يتولد عنها لدى الكاتب متعة ما، وربما شجن رهيف، تشف فيه النفس وتسمو، وتخلصها من بعض أدرانها، بما قد يُدخل اللبس على بعض الكُتَّاب فيعدونه «خلاصًا».
ولعل من المفيد فى هذا المقام التنويه بوقوع الأدباء فيما أشار إليه «الجاحظ» بـ«فتنة القول». يقول «الجاحظ» فى كتاب «الحيوان»: «اعلم أن العاقل، إن لم يكن بالمتتبع، فكثيرًا ما يعتريه من ولده، أن يحسن فى عينه منه المقبح فى عين غيره، فليعلم أن لفظه أقرب نسبًا منه من ابنه، وحركته أمس به رحمًا من ولده... ولذلك تجد فتنة الرجل بشعره، وفتنته بكلامه وكتبه، فوق فتنته بجميع نعمته».
■ كيف تجمع بين الكتابة للطفل والناشئة والكتابة للكبار؟ وأيهما الأقرب لعالمك، والأكثر تعبيرًا عن هويتك وأولوياتك؟
- لم تكن الكتابة بالنسبة لى اختيارًا، كذا لم يكن نوع ما أكتبه اختياريًا. كتبت القصة القصيرة فى مرحلة مبكرة من العمر، وأخذت فى نشرها بالدوريات المختلفة بدءًا من عام ١٩٧٧، واستمرت علاقتى بالقصة القصيرة تقوى وتتوطد، ولم تفتر على مدار الأعوام الممتدة، حتى نشر آخر قصة لى فى ٢٠٢٦.
وجاءت الكتابة فى مجال أدب الطفل واليافعين تلقائية بغير تقصد، غذاها ارتباطى بأولادى وبالصغار عامة، وتتبع نمو مداركهم وحدود اهتماماتهم.
كتابة القصة القصيرة كانت وما زالت أمرًا شاقًا، أعانى كثيرًا فى كتابتها، تعتصر روحى ومشاعرى، حتى فى الحالات التى تنطوى القصة فيها على سخرية. بخلاف الكتابة للأطفال، ففيها تتلبسنى حالة طفولية تمتلئ بالمرح والخيال الجامح، تصبح معها الكتابة أشبه باللعب، على الرغم من كل المحاذير والقيود المفروضة على أدب الأطفال واليافعين.
فى كل نص أكتبه، سواء للكبار أو الصغار، ثمة جزء من روحى ومما أعتنق من مفاهيم ورؤى، ولذا يصعب أن أفاضل بين القصة القصيرة وأدب الطفل، ولكنى أقر بأنه على الرغم من أن ما كتبته فى مجال أدب الأطفال من قصص وسيناريوهات قصص مصورة وروايات للناشئة يزيد كثيرًا عما أنتجته فى مجال القصة القصيرة، أتعامل مع نفسى بوصفى كاتبًا للقصة القصيرة، فهى التى تعطينى مساحة أكبر وحرية أوسع للتعبير عن ذاتى وهويتى، وما عساه يسيطر علىَّ من انفعالات واهتمامات وهموم.

■ كيف ترى مستقبل الفنون والآداب والعلوم الإنسانية فى ظل المتغيرات العالمية، بما تشهده من تقدم تقنى وحروب وصراعات؟
- إذا ما كانت العلوم الطبيعية، من هندسة حاسبات آلية وطب وفيزياء وكيمياء وفلك وغيرها، قد منحت الإنسان قدرة على السيطرة على الطبيعة، والتحكم بمواردها، ومقاومة الأمراض والأوبئة، والمعاونة فى تيسير سبل العيش، وفتح آفاق واسعة للمعرفة، العلوم الإنسانية، من تاريخ واجتماع وعلم نفس وقانون ولغة ونحوها، أتاحت للإنسان التعرف أكثر على ذاته وهويته من خلال دراسة تاريخه وموروثه المادى واللا مادى وروابطه الاجتماعية، وإدراك حدود إمكاناته الحقيقية، والتعرف على واقعه بدوائره المختلفة: محليًا وقوميًا ودوليًا، واستكناه ما عساه ينتظره فى مقبل الأيام.
كل التطورات التقنية فى مجال الاتصالات والإنترنت و«الذكاء الاصطناعى» إنما هى وليدة عقل بشرى مُدَرَّب على التفكير بصورة علمية ممنهجة مع التمتع بخيال خلاق، لذلك سيظل العقل البشرى هو السيد، وستبقى الفنون والآداب لا غنى عنها فى حيوات البشر. قد تتغير صور الفنون والآداب وأساليبها، وقد تتطور أنواعها وتتغير أو تتبدل، لكنها ستظل مكونًا رئيسًا من مكونات حياة الناس، على مختلف مستوياتهم الاجتماعية ومواطنهم الجغرافية.
إفقاد بعض المجتمعات القدرة على إنتاج الفنون والآداب، وفى القلب منها الخيال، وسلب هذه المجتمعات إمكانية التواصل مع تراثها والتعرف على خصائصها، من شأنه فقدانها ملامحها الخاصة وطمس هويتها. وهو ما تفعله بتسارع مطرد سيولة تدفق المعلومات والفنون عبر وسائل الإعلام التقليدية منها والحديثة، بما تنطوى عليه من فرض لأنماط محددة من الأفكار والمفاهيم والذائقة، وتعميمها على مستوى العالم.
لا نجاة لمجتمعنا ما لم نؤصل لرؤانا ومفاهيمنا الخاصة، والمساهمة الحقيقية، لا الصورية، فى إنتاج أدب وفن يشبهنا، أدب وفن يعبر عنا، وليس مجرد محاكاة بليدة لما يبتدعه الآخرون. وهى مهمة أراها شديدة الصعوبة تحول دون تحققها عقبات جمة.

■ وصلًا بما ذكرت، فلربما جاء كتابك الأخير «معجم لسان المصريين فى القرن الحادى والعشرين» فى هذا السياق، فهل حدثتنا عنه؟
- بالفعل، كان «معجم لسان المصريين فى القرن الحادى والعشرين»، الصادر فى ٢٠٢٤، وليد ظاهرة مقلقة استرعت انتباهى فى السنوات الأخيرة. فثمة كثير من الألفاظ التى صمدت لقرون تعرض البعض منها للانقراض فى العقود الأخيرة، والبعض الآخر من هذه الألفاظ لم يعد ممكنًا سماعه إلا على ألسنة من تقدم بهم العمر، وأضحى بالنسبة للأجيال الأحدث محض لغة مُلغَزَة غير قابلة للفهم، ومن ثم لا يستعملونها.
وفى المقابل، اختص الشباب أنفسهم بعشرات الألفاظ والتراكيب اللغوية المستحدثة، التى بدورها تتصف بسرعة الذبول والاختفاء لتحل محلها كلمات أخرى، لتتسع الهوة وتتعمق بين الأجيال بعضها وبعض.
انعدام الحوار أو محدوديته بين الأجيال يتبدى نتيجة لهذه الظاهرة، وهو فى الوقت عينه سبب رئيس لها. فمع افتقاد الحوار وانسداد سبله بين الآباء والأبناء، يتناءى الطرفان عن بعضهما، ولا تكون ثمة فرصة لتبادل الرأى والخبرات بينهما، وبالتالى تنعدم إمكانية توحيد المفاهيم لدى الطرفين، وتقارب الرؤى بينهما حول شئون الحياة ومعضلاتها، لتتسع الفجوة ويتعمق التباعد، ويكف الموروث الوجدانى والخبرات الحياتية عن الانتقال بين الأجيال، وهو أحد مفترضات تماسك المجتمع والحفاظ على سماته وهويته.
وقد أوليت فى «معجم لسان المصريين» العناية بالألفاظ الدارجة المأنوسة فى الاستعمال، التى لا تزال تتداول بين المصريين، مع التركيز على تلك الأكثر شيوعًا وتداولًا، والإشارة لعدد من الألفاظ التى تراجع استعمالها دون أن تندثر تمامًا أو يبطل فعليًا تداولها، والإشارة- متى دعت الحاجة- إلى حظ اللفظ من الذيوع فى التداول أو مدى انحساره.
والنطاق الجغرافى المُستقَاة منه هذه الألفاظ، التى اتخذتها مداخل للمعجم، هو منطقة القاهرة الكبرى، وذلك لاعتبارات عملية وإجرائية، ولأن القاهرة تضم قرابة خُمس تعداد سكان مصر، وتعد لهجتها هى الأكثر تداولًا بين المصريين، ذلك أن مصر دولة مركزية منذ زمن بعيد، وبوصف القاهرة هى العاصمة وقاعدة الحكم منذ أن أسسها الفاطميون، فإن لها تأثيرًا وثقلًا ثقافيًا وحضاريًا كبيرين على ما يحيط بها من مدن وقرى، وعلى سائر أنحاء البلاد، يعزز كل ذلك اعتماد لهجتها بصورة أساسية فى وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.
إن مداخل أى معجم تتحدد بالهدف من إعداده، وإذ استهدف «معجم لسان المصريين» إيضاح مدلولات الألفاظ التى يستعملها المصريون حاليًا فى حياتهم اليومية للقارئ العام، وتقريب معانيها واستعمالاتها إلى أذهان الأجيال المختلفة، برفع ما عساه يشوبها من التباسات، وبيان ما يكون قد طرأ عليها من تغيرات، فقد راعيت ذلك فى اختيار مواد المعجم.
وقد تركز الاهتمام فى المعجم على بيان معنى الكلمة بدلالاتها المختلفة، حقيقيًا كان المعنى أو مجازيًا، حسيًا أو عقليًا، وشرح هذه الدلالة بكل الوسائل اللغوية الممكنة: الترادف، والتضاد، والسياق اللغوى ومجال الاستعمال، وذلك بوضع الكلمة ضمن عبارات أو تراكيب تكشف دلالاتها الحية فى الاستعمال اليومى الراهن للمصريين، مع إيراد ما عساه يكون مُتَاحًا من شواهد تتمثل فى تعابير ذائعة وأمثال شعبية وأشعار دارجة أو أغنيات ترد فيها ألفاظ المعجم، لما تمثله هذه الشواهد من أمثلة سياقية كاشفة عن مبنى الكلمة ومعناها وكيفية استعمالها، فضلًا عما تكشفه من طرائق تفكير المصريين ومعتقداتهم وخلاصات تجاربهم، وحال اللغة فى المجتمع.
ويجدر الانتباه- فى هذا الصدد- إلى أن كثيرًا من الأمثال الشعبية اندثر أو فى طريقه إلى الاندثار. وقد عمدت إلى الإشارة فى بعض مواضع المعجم للتطور التاريخى للمفردات، مع إرجاع كل لفظ إلى أصله المأخوذ منه، سواء من اللغة العربية الفصحى أو التركية أو القبطية أو الإنجليزية أو غيرها من اللغات.

■ كيف تصف الخارطة الثقافية فى مدينة بورسعيد، وأنت الفاعل فيها وبها منذ عقود؟
- الحالة الثقافية والحركة الأدبية فى بورسعيد لا تنفصل عن نظيرتها فى القاهرة وسائر ربوع مصر، غير أن لها قدرًا من الخصوصية، مرجعه فى ظنى إلى محدودية الرقعة الجغرافية التى يعيش فوقها أبناء مدينة بورسعيد من الأدباء والمثقفين.
فالمساحة الجغرافية المحدودة أفرزت كثيرًا من الصراعات والمعارك البائسة ذات الطابع الشخصى، تكالبًا على مكاسب زهيدة واستجلابًا لشهرة متوهمة وتبوّء مقاعد واطئة، وأحيانًا لمجرد المكايدة، ولكن هذا لم يحل دون ظهور قامات ثقافية مقبولة، ومواهب أدبية متميزة.
أذكر أنه فى الثمانينيات من القرن المنصرم، كان ثمة صراع، إلى جانب الصراعات الشخصية، يدور بين الجيل الأقدم والأجيال الأحدث، كان صراعًا بين ما هو تقليدى وما هو أكثر حداثة. وكان الأدباء الجدد كثيرًا ما يُوجَّه إلى أعمالهم نقد لا يخلو من القسوة.
فى السنوات الأخيرة، انقلبت الآية تمامًا، أصبح بعض محترفى التصدر فى الندوات والملتقيات ممن فاتهم قطار الإبداع والتحقق الفنى، يكيلون المديح والثناء المجانى على الكتابات الركيكة الفجة، ولا يتورعون عن توزيع ألقاب التفخيم الزائفة من «الكاتب الكبير» و«الشاعر الفذ»، يغازلون بها نظراءهم من محدودى الموهبة.
فى السنوات الأخيرة تكاثرت الندوات الأسبوعية ذات الطابع الأدبى فى بورسعيد، ولكن هذا لا يعكس بحال حالة من الازدهار أو التألق الإبداعى فى المدينة.

■ لماذا لا تعكس الفعاليات الثقافية المتعددة حالة من الازدهار والتألق الإبداعى فى بورسعيد؟
- السر فى ضعف الإقبال على هذه الندوات، والذى يتجلى فى قلة عدد الحاضرين فيها، وتكرار مشاركة نفس الشخوص فى غالبية الندوات.
ثم إن السمة الغالبة على الجمهور المحدود المشارك فى الملتقيات الأدبية هى تقدمهم فى العمر، فغالبية الجمهور، رجالًا ونساءً، من أرباب المعاشات، وممن واتتهم الاهتمامات الأدبية «على كِبَر».
فى المقابل، شباب المبدعين الحقيقيين، وعددهم لا يُستهان به، يأنفون من ارتياد الندوات التى تعانى من أمراض الشيخوخة وانعدام الموهبة.
كما أن بعض الأحزاب السياسية، وقد خلت من الأعضاء ومن «السياسة»، لم يعد لها شاغل سوى إقامة الندوات الأدبية، بما يعكس خللًا فى الحياة السياسية والأدبية معًا.







