صاحب الثلاثية.. علاء خالد: لا أكتب خوفًا من الموت!
- «مدار الحمل» سيرة وجودية وليست شهادة على العصر
- الحياة أكبر وأسرع من أن تُعاش إلا بإعادة تمثيلها بالكتابة
- لو هناك سيرة حقيقية فستكون سيرة الجسد الأصم
أصدر الكاتب والمصور الفوتوغرافى والشاعر علاء خالد روايته الجديدة «مدار الحمل»، عن دار «المرايا» للنشر والتوزيع، ليواصل عبرها رحلة البحث فى الذات والذاكرة والمكان.
الرواية تنفتح على مساحات واسعة بين الماضى والحاضر، ويستعيد السارد محطات شخصية ووجودية، من بينها تجربة المرض والعمليات الجراحية، لتتحول إلى مدخل للتأمل فى معنى الحياة والطفولة والعائلة والمدينة.
علاء خالد، المولود فى الإسكندرية عام 1960، بدأ مسيرته الأدبية فى الثمانينيات بعد دراسة الكيمياء الحيوية، قبل أن يؤسس مجلة «أمكنة» التى ارتبطت بالمكان والذاكرة.
وعلى مدار أكثر من 10 أعمال، تنوعت بين الشعر والرواية والنقد، ظل «خالد» وفيًا لفكرة أن الكتابة هى وسيلة لاستعادة شظايا الطفولة وتجارب الحياة، وإعادة تأويلها بلغة شاعرية وتجريبية.
عن روايته الجديدة، ورؤيته لأدب السيرة، وانطباعاته حول المشهد الثقافى، أجرت «حرف» مع علاء خالد الحوار التالى.

■ ما دوافعك لكتابة «مدار الحمل»؟
- ربما أهم دافع بالنسبة لى، وأيضًا بالنسبة للراوى هو بلوغه الرابعة والستين، وهى سن تسمح بإعادة مراجعة الحياة والطفولة، ليس على أسس ندية من أجل تغييرها، بل من أجل استعادة شظايا مشتعلة من هذه الطفولة لها طاقة على التأويل، وربما تكون هى صورة الطفولة التى سيختم بها الرواى حياته كتابيًا.
هناك دافع آخر، وهو المرض الذى فاجأ الراوى فى هذه المرحلة، وإجرائه عملية استئصال للمعدة، وهى تشكل لحظة مفصلية بالنسبة له، لها قوة تفريغ قوية داخل الحياة والذاكرة، معًا، تتم ولادة ذاكرة حديثة تحاول أن تتصالح مع فعل الاستئصال أو الختان النفسى، الذى يتحدث عنه الراوى.
أعتقد أن الرواية تعمل على زمنين وفى اتجاهين: استعادة الطفولة وطاقتها من الماضى، بجانب زمن النجاة من الموت، وهى لحظة تعمل على الحاضر باتجاه المستقبل، وبناء علاقة مادية مع الموت. ما بين هذا الماضى المستعاد وأيضًا المستقبل المستعاد، يحدث فعل الكتابة ونيتها وأيضًا تعارض دوافعها.
ليس هناك دافع واحد حتى وإن بدا هكذا، ولكن كل أدوات المقاومة فى تاريخ الراوى تستيقظ، فالدافع من الكتابة ليس الخوف من الموت، أو تجميل صورة الطفولة، ولكن كيف يتم لضم هذه الأزمنة المقطعة، وإيجاد مسارات متضامة لدورة الزمن، تقاوم لحظة القطع/ الاستئصال.

■ هل الأحداث الواقعية هى المحفز لهذا النوع من كتابة السيرة الروائية؟
- بالتأكيد السيرة الروائية تعتمد على الواقع المعيش، أحداثه وتأثيراته، ولكن تفسيرها ووضعها داخل قالب روائى ما، يفرض حضور مساحة تخييل مضافة، ليس فى الأحداث فقط، ولكن فى طريقة تأويلها، وعمل مونتاج لهذه الوقائع والأحداث، بل وترجيح لتيمات فكرية محددة، يتم من خلالها بناء الشكل الجمالى والفضاء الدلالالى للرواية، مثل تيمة البعث، والاسستئصال، والختان النفسى، السر، وعلاقة الحقيقة بالسر، التصالح بين المتناقضات، وغيرها، التى ظهرت فى رحلة الراوى عبر الزمن، وأصبح لها كيان يُعاد تأصيله، ليس داخل الواقع المعيش، بل داخل الواقع الكتابى.
كل هذه التيمات التى قامت عليها الكتابة ليست منفصلة عن تاريخ الفكر بشكل عام، وهى نقطة التقاء بين داخل الراوى/ الكاتب، والخارج، بين الراوى المحدود والحياة الواسعة، وهى لحظة وجودية بامتياز، لا تحققها سوى الكتابة وليست الحياة.
لذا «مدار الحمل» ليست سيرة ذاتية إلا لو اعتبرنا السيرة ليست سيرة الوقائع الحياتية بل الوقائع النفسية وطريقة تفسيرها وتأويلها من قبل الكاتب.
الأسطورة تنشأ من سوء التفاهم بين الواقع وتفسيره، فهى تنشأ أحيانًا من سذاجة أو خطأ فى التفسير للواقع، أو الحدث، أو زاوية النظر له، كونها تصفى الحدث من ملابساته، وتؤكد على الجانب الأبرز منه. أى رواية تحمل هيكلًا أسطوريًا.
ولكن أيضًا هذه الأسطورة/ السيرة لا تعنى أنها بعيدة عن الحقيقة، هناك حقيقة تُصاغ بشكل آخر، لنترك الوقائع والأحداث هى التى تشكل الهيكل الخارجى، ثم ننظر فى لحم السيرة ذاتها، وسعيها فى البحث عن الحقيقة، وهو الجزء شديد الصدق أو المطابق للحياة الخاصة بى، ولكنه هنا فى الرواية تمت معالجته ليكون له سياق وحياة تقف خلف الوقائع سواء الحقيقية أو المتخيلة. صوت الراوى المؤثر، وحديثه الحميم مع القارئ، اقتسم الواقع والمتخيل فى تأويل السيرة. هذا الصوت هو ما يبقى أحيانًا بعد فعل القراءة.

■ هل «مدار الحمل» تعتبر سيرة وجودية أم شهادة على عصر ما؟
- الحياة أكبر وأسرع من أن تُعاش، لا يمكن مضاهاة أحداثها إلا عبر إعادة تمثيلها وإعادة تحريرها كتابيًا.
الذاكرة فى أى لحظة لا تتحمل هذا الاتساع وسرعة عرض الأحداث، فالبحث عن بديل أو ذاكرة بديلة تقف خلف الذاكرة الأصلية كأرض جديدة لإعادة كتابة الماضى وربما اختراعه. ما يربطها بالذاكرة الأصلية هو الجسد الذى عاش بحق الحياة ولكنه أصم لا يتكلم ولا يروى، لا يملك هذا الصوت الذى يتحدث به إلا عبر أن يشق طريقه فى تلك المساحة المقدسة بين الكاتب والقارئ. إذا كانت هناك سيرة حقيقية، فستكون سيرة الجسد الأصم، غير ذلك كلها استعارات وإعادة تأويل.
ربما هى كما تقول سيرة وجودية بكل ما يحمل الوجود من تناقضات ورغبة فى التقصى واستجلاء الحقيقة، أكثر من كونها شهادة على عصر ما. ليس هناك تأريخ فى الرواية، وإنما قفزات زمنية وفراغات لم تُملأ وأسئلة لم يتم الجواب عنها..
ربما هى اختبار لهذا الوجود، لذا استبعدت تمامًا الأرشيف، بالرغم من الفصول التى تخص الألبوم العائلى ولكن ليس بوصفه تاريخًا بل بعثًا جديدًا للموتى داخل هذه الصور، ومنحهم الحياة وإعادة دخولهم فى حاضر الكتابة. النص مكان تسجيل وتوثيق التجربة فى النهاية.

■ ألم تتأثر فى «مدار الحمل» بـ«مدارات» الكاتب الأمريكى هنرى ميللر؟
- لا شك هناك تأثر.. عندما قرأت «مدار الجدى» لهنرى ميللر، التى تمثل «سنوات التيه» فى نيويورك، أعجبتنى جدًا هذيانات اللغة وطموحها الذى لم يخب فى أى مشهد يرويه، أو أى فكرة مجردة يحاول منحها ماديتها، على الهواء مباشرة.
هذه الطاقة التى امتلكها «ميللر»، كانت تفتت الحاضر وأى حدث أو واقعة وتحولها إلى لغة. تلك النفاذية والصفاء بالرغم من منحى الرواية السوريالى، أو كتابة تيار الوعى، وبالرغم من هذا لا تضيع الحكمة، أو يغيب صوت تلك الذات المتأملة المتجاورة لألمها، التى يتحدث بها مع القارئ.
بالطبع تأثرت بمشروعه، والذى ضم كل أعماله، التى تجسد سيرة حياته، وهى عبارة عن كتاب واحد متعدد الفصول. ربما كنت أنا أيضًا أكتب كتابًا واحدًا سيرة بنسخ متعددة، وهو ما طمحت إليه منذ أول أعمالى سواء الشعرية أو النثرية، فلم أجد سوى حياتى ووقائعها لتكون مدخلًا لإعادة تأويلها وطرحها عبر مشاركات وصدامات الوعى واللا وعى.
ربما استعنت بهذه الوقائع/ التيمات فى البداية كمادة للكتابة، لأنى كنت أريد أن تكون الكتابة ومناخاتها قريبة منى، ومن مخيلتى: صندوق أسرار يقع فى مدار حياتى، سواء كانت أسراره منثورة فى الماضى، أو فى اللا شعور، أو لم تكتشف بعد. أصبحت الكتابة بمرور السنوات تمرينًا على الكشف مع إكساب اللغة شفافية مهما كانت مواجهاتها النفسية ثقيلة أو مركبة المعانى. كان الجدل قائمًا مع الحدث الحياتى، ومع السر واللغة.
أعتقد أن هناك تقاطعات عدة مع هذه الروح التى حملها وكتب بها «ميللر» مداراته. نشأت بينى وبين كتاباته رابطة أخوة، بسبب هذا الصوت الحكيم والمواسى، والمتجاوز لآلامه، بالرغم من بُعد الإسكندرية عن نيويورك مكانيًا وزمنيًا وثقافة، ولكن الأدب منحنا هذا الصوت المقدس، ويجب أن ننتبه عندما نعثر عليه عند أحد الكتّاب، لأنه صوت لا يعوض ولا يمكن استبداله إلا بالنصوص المقدسة.

■ كيف ترى خلاص الكاتب أمام تناقضات الحياة؟
- أعتقد أن مكان الكاتب الآن يتقلص أمام تناقضات حياتية تجاوزت قدراته. ربما البحث فى أرشيفات الماضى، وصناعة روايات منها، يحمل أحد الحلول لمواجهة هذا النقص وما يفوق الاحتمال، يمكن إعادة كتابة مرثيات ولكن عبر وسيط غير شخصى، أو عبر وسيط آخر حكايته أصبحت مكتملة. ولكن يجب أن لا ننسى أن حكاية الكاتب المعاصر غير مكتملة.
ربما السؤال الآن كيف يحافظ الكتاب على جدل أفكاره وحيويتها. ما ينقص أى كاتب الآن هو أن حكايته مستعارة، ليست غير مكتملة فقط، بل تقع عالمها خارج نطاق ذاته، وهو يقف موقف المتفرج منها، الذى يعجز عن الكلام أو الصراخ بالرغم من أنه، فى سريرته، يتكلم ويصرخ، كأنه فى حلم. لم يتوقف الأدب عن خلق أشكال جديدة مثل أى سلعة إنسانية، ولكن فى الوقت نفسه سيكون نصيب الكاتب فى حلمه أقل بكثير من نصيب من سبقوه فى أحلامهم، والفارق بينهما هو الزمن، وإحساس اللا جدوى سواء من رغبة التحرر التى كانت عبارة عن خطة طويلة الأجل لأى كاتب، أو البحث عن الحقيقة، اللذين جُردا من فاعليتهما فى أى مشاريع كتابية، فلم يتبق مكان للمقاومة يمكن أن نواجه به هذا الخراب.

■ ماذا عن البنية الأسلوبية واللغة الناعمة الفوارة فى رواية «مدار الحمل»؟
- ربما هناك رحلة، من بداية كتابتى فى علاقتى باللغة، ومن ثم الأسلوب. أول شىء سرت عليه منذ البداية أن تكون للغة ماديتها، كأداة بحث، أو بمعنى آخر عضويتها. أن تعتمد المفردات على مكوناتها وإيحاءاتها الدلالالية فى التعبير وبناء الجملة، وليس عن مكون خارجى كالصور مثلًا، أن تكون ماديتها جزءًا من تاريخ أفكارى وركنًا أساسيًا فيه. بدأت هذه اللغة تلتحم رويدًا رويدًا فى كل كتاباتى مع السيرة الشخصية وتكون مشاركة فى بناء هذا البناء المعرفى الذى يسمى الكتابة.
أليس ما فعلته مع اللغة فعلته قبلها فى قراءتى لحياتى: أن أخلط بين العلم كأساس الكشف والتحليل وبين الطاقة الروحية التى تملكها وتمثلها اللغة. أن تكون أداة معرفية بكل ما تحتويه المعرفة من حقيقة وخيال.
فهذه المادية تحتوى على جزء مؤجل يأتى فى المستقبل، كون هذه المادية تبحث أيضًا عن شكل متغير لها، وبالتالى لا تخرج من جدل اللغة مع الحياة المتغيرة. ربما هذا سبب شعرية لغتى، أن داخلها جدلًا ما ينفى سكونها بالرغم من أنها تشتغل على الماضى.

■ هناك تماس ما بين حس الشاعر وأسلوب المصور السينمائى وضمير الكاتب.. ألا ترى ذلك؟
- أعتقد أن هناك مشتركًا بين الثلاثة، الشاعر، والمصور السينمائى، وضمير الكاتب، هو: الشعرية. أو الحدس بالمفهوم المجرد الذى يقف وراء اللغة، باختلاف طريقة التعبير. فحس الشاعر يصل لجملته من أقصر طريق، أما أسلوب المصور السينمائى فيستعير أدوات إضافية للوصول إلى الشعرية الكامنة فى ضمير الكاتب. لا أعرف هل توصيفى صحيح أم لا، ولكن هناك آلية لتوليد الشعرية تكونت عبر رحلتى مع الكتابة والأفكار، تحاول هذه الآلية أن تجدد نفسها أو على الأقل تعمق من اكتشافاتها الجمالية للذات والحياة حتى ولو كان هذا الاكتشاف هو إعادة ملء فراغ لحظات ساقطة من الذاكرة، وإعادة ضخ الحياة فيها إلى ما لا نهاية.

■ فى عالم لا يتوقف عن الحروب.. هل هناك جدوى من الفن والفكر والفلسفة؟
- أعتقد أن الجدوى قائمة فى كل لحظات الأزمة، لأنه لا توجد أدوات خارج الأدب والفلسفة والفن لقراءة الكارثة التى نعبر بها. غياب هذه القوانين الثلاثة معناه أننا نسير فى الظلام، ولا نعرف من أين ستأتى الضربة، ولكن فى ظل وجود هذه الأدوات: نسير فى الظلام ونحن نغنى، لعل الغناء يولد هذا المؤجل، ويفسح مكانًا لنكمل حياتنا بدون ملل.

■ سيرة ومسيرة الفنان مع الكتابة مصيرها الفناء والنسيان أم الخلود؟
- الخلود لا يأتى فقط من ناحية الكاتب وليس هو طرف مباشر فيه. ربما هو ملحق على قاطرة الحياة مثل الكثيرين الذين يراقبون عقارب ساعتها. الخلود مفهوم ولد مع الحياة والموت، يسعى لتجديد الحياة ومنحها الحد الأقصى من امتصاص الطاقة الموجودة بها أمام تهديد الموت.
ولكن النص هو الذى يعيش، وليس صاحبه، لأنه يدخل فى ماكينة مفاهيم وادعاءات أكبر تصارع فى الظل من أجل استمرار الحياة ومنحها الحقيقة أو الصدق، أما صاحب النص، حتى ولو تمت استعادته، فخلوده أصبح نقطة مراوغة وغير ملموسة فى التاريخ.







