الخميس 20 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

خريف دمشق.. الروائية والقاصة السورية إنعام ديوب: كل أهل بلدى يعانون من التشتت والخراب

حرف

- كُتّاب «الجوائز» استماتوا فى إرضاء ذائقة «التحكيم» على حساب جودة العمل الأدبى

- أكتب لأنتصر لأفكارى حتى لو كان انتصارًا على الورق

- مارغريت ميتشل وفيكتور هوجو ودوستويفسكى لعبوا دورًا فى توجيهى

من دمشق إلى الكويت، ومن الأدب الإنجليزى إلى علم النفس الإيجابى، شقت الروائية والقاصة السورية إنعام ديوب مسارًا متفردًا يجمع بين المعرفة الأكاديمية والتجربة الإبداعية. 

منذ انتقالها إلى الكويت عام 2005 انخرطت فى المشهد الثقافى المحلى والعربى، مقدمةً روايات ومقالات نقدية ونسوية، إلى جانب مساهمات فى علم النفس والجماليات. أعمالها الروائية مثل «على ضفاف الأربعين» و«حب أون لاين» كانت العتبات الأولى لاشتباكها مع قضايا الحرية والمواطنة والعدالة، فيما ظل هاجس المرأة والغربة حاضرًا فى كتاباتها كمرآة لتجاربها الشخصية وترحالها خلف حلم التحرر. 

فى حوارها مع «حرف»، تكشف إنعام ديوب عن رحلتها مع الكتابة، ورؤيتها للمشهد الثقافى، وموقفها من قضايا المرأة والإنسان فى المجتمعات العربية.

 

■ بداية.. كيف بدأت رحلتكِ مع الكتابة؟

- كانت البداية فى سن مبكرة عندما بدأت برسم مشاعرى وأفكارى على شكل كلمات لاهية فى صفحات الدفاتر المدرسية، وبفضل أسرتى المحبة للثقافة والأدب تغذت هذه الكلمات بحبر الروايات العالمية وأصبحت جزءًا من شخصيتى الفكرية المغرمة بتقمص الأبعاد الداخلية لمعظم الشخوص المحيطة، ومن ثم جاءت الكتابة الواقعية متخلية عن كل لهو طفولى، متشبعة بتجارب حياتية ناضجة كافية، فأنا أكتب لأعبّر عن حالات مجتمعية تعكس التفاصيل الإنسانية التى تمثل جل اهتمامى، أكتب لألامس روح قارئ فى مكان ما، وربما أكتب لأنتصر لأفكارى حتى لو كان انتصارًا على ورق.

■ مَن كان له الدور الملهم فى توجيهك للكتابة والأدب؟

- كل نص جيد وكل كاتب مبدع لعبوا دورًا مهمًا فى توجهى للكتابة، وأخص بالذكر مارغريت ميتشل، وفيكتور هوجو، ودوستويفسكى، جميعهم أضافوا عمقًا للبعد الإنسانى الذى يتلبسنى منذ الصغر، لكن السبب الحقيقى لتوجهى للكتابة هو الدافع الداخلى، نعم الدافع الداخلى لتحويل الواقع المعاش إلى سطور تُقرأ، نقل تفاصيل الحياة المخبأة إلى العلن، الغوص فى أعماق النفس البشرية وتحريرها من أسرارها وتوثيق التجربة الذاتية عبر الزمن، وأيضًا كان الأثر القوى للأحلام، حلم فتاة فى السادسة عشرة من عمرها أن ترى اسمها الكامل على غلاف رواية طويلة، ولهذا السبب سعيت لتحقيقه وأهديت الرواية الأولى لنفسى، وكتبت على صفحتها الأولى أنه الإهداء الأغرب فى تاريخ الكتابة.

■ من هم أو هنَ الكتّاب أو الكاتبات الأقرب فى عوالمهم لحواس وذائقة إنعام ديوب؟

- مارغريت ميتشل، لا أبالغ إن قلت إنها ساهمت فى تشكيل شخصيتى كاملة من خلال عملها الوحيد، رسم قلمها أحداث الحرب الأهلية رسمًا ولوّن قصص الحب والتعاطف والهزيمة والنصر بأسلوب أدبى قل نظيره. كان التصاقى بتفاصيل الرواية مشابهًا لالتصاق دبوس بمغناطيس، يبدو التصاقًا إراديًا ولكن فى الحقيقة لا يمكن فصلهما إلا بفعل فاعل.

ومن العصر الحديث أحب الدكتور أحمد خالد توفيق، هذا الإنسان الذى يكتب أفكارى بكلماته، ولا أقصد «أدب الرعب». تعجبنى طريقة السهل الممتنع التى يستخدمها فى الكتابة ورصده أدق التفاصيل الإنسانية. يمتلك عينًا ترى ما لا يستطيع معظم الناس رؤيته. كاتب شديد الذكاء تطيعه المفردات فى التعبير عن أفكاره التى يريد إيصالها الى القارئ. أحب جرأته فى الطرح وحريته النقية فى قول ما يريد وإيجابيته فى وضع الحلول وإنسانيته التى تأبى الحدود.. رحمه الله وكفى المرء خلودًا أن يترك إرثًا فيصنع فرقًا.

■ تكتبين الرواية والقصة.. فلأى المسارين تنتمين؟

- الرواية والقصة وجهان لعملة أدبية واحدة تجمعهما عناصر السرد واللغة الأدبية، ويفرقهما الحجم والتكثيف وتعدد الشخصيات والأحداث والزمكان. 

بالنسبة لمسارى فهو روائى بإخلاص، فمن يعتد السباحة فى البحر لن تكفيه الأحواض. 

الرواية هى الهوى والطموح والحلم والمتعة الكاملة، هى المسرح الذى أستطيع أداء جميع العروض على خشبته، هى المتسع للعدالة الإنسانية التى يجب أن تُرى من كل الجوانب ولكل الشخصيات والأحداث بمختلف وجوهها.

■ بعد سنوات من الترحال كيف ترين حصاد الرحلة؟

- طالما هناك حصاد إذن هناك فوز، فالابتعاد المكانى عن الوطن صقل تجربتى الحياتية وأغناها رغم الحنين، قد يكون للغربة أثر فى تأخر إصداراتى نظرًا للانشغال بالعمل والتحصيل العلمى العالى، لكنها مهّدت لبداية متشبعة بخبرات ورؤى شاملة لعوالم مختلفة، أما التغريب فلا أعتقد أن حصاده كان وفيرًا، إذ إن رحلتى كانت فى دولة شقيقة حنونة احتضنتنى واحتضنت معى أوجاع بلدى وهويتى الذاتية والإنسانية فأفقدت التغريب مخالبه الخامشة. وفيما يخص الغرابة فى حصاد هذه الرحلة الطويلة فقد أضفت الغرابة حالة من التشويق والجذب وفيضًا غزيرًا أثرى مخيلتى، وكان هذا الثراء واضحًا فى جميع فصول روايتى الأولى التى تسلط الضوء على اختلاف الثقافات وتبعاتها على الأفراد والمجتمع.

■ هناك الكثير من متاهات الهجرة والسفر والترحال فى غالبية كتاباتك.. ما تفسيرك لذلك؟

- أنا أميل إلى الأدب الواقعى، والإنسان يتقن عمل ما يعرفه ويعيشه وربما قد يبدع فيه، أنا جربت حالة الغربة والعيش الفرادى فلن أختار الكتابة عن زحمة الشارع واكتظاظ النفس بألف مشارك، الغربة، أو ما أسميته الفردانية، ستمنحك عينًا ثالثة ورابعة لرؤية ما يدور حولك بتفرغ ودقة، فالغربة والفردانية مهدت الطريق لكتابة «حب أون لاين»، رواية تتحدث عن التواصل الإلكترونى العاطفى الذى سببته الغربة والوحدانية، أيضًا «على ضفاف الأربعين» رواية تناقش أثر الغربة والفردانية على فتاة قاربت الأربعين ومنعها الترحال من عيش حياتها كما تعيشها قريناتها فى بلدهن وبين أهلهن، أعنى: أنا أختار ما أجيد الكتابة عنه نظرًا لامتلاكى أدواته وإحاطتى بأدق تفاصيله، آملة أن تلامس أعمالى دواخل من يقرأها دون خدوش تذكر.

■ كيف كانت تأثيرات الغربة وانعكاساتها على كتابتك؟

- هى فضاءات نفسية حقيقية تماهت مع إحساسى الداخلى ومجالات بحثى وكتابتى، وكان لها عظيم الأثر فى رواية «حب أون لاين» ورواية «على ضفاف الأربعين» من خلال تحويل المكان من مجرد خلفية جغرافية مكانية إلى فاعل حيوى ساهم فى تشكيل الأحداث وحبكتها.

وكان لهذا المفهوم دور إيجابى فى منحى حرية مثالية للتعبير عن أزمات الهوية، وإضاءة الجوانب المعتمة داخل النفس البشرية نتيجة لغربة المكان وغرابة الأشخاص، وأيضًا إغناءً للسرد بفضل التناقضات الثقافية والتأملات الشعورية لمفهوم الاختلاف، التى منحت شخصيات الرواية أبعادًا تتجاوز أبعاد الشخصيات المعتادة.

■ ما مستقبل الآداب والفنون فى ظل عصر لا تتوقف فيه الحروب؟

- الحروب لم تتوقف عبر العصور ولن تتوقف طالما أن الإنسان سيد الأرض، الحياة بنيت على الصراع منذ الأزل، سواء عبر المقدس الدينى أو غيره، والنص الأدبى القيّم سيبقى فى ذاكرة البشر وتاريخهم طالما أنه يعبّر صادقًا عن آلام وآمال الناس، يعبّر عن قضايا يتشاركها كل البشر مثل الحب، الحرية، الموت وقيم إنسانية أخرى كثيرة بغض النظر عما تفرضه السلطات. وأنا أرى أن للحروب أثرًا مزدوجًا على مستقبل الآداب والفنون؛ فمن ناحية أولى الحروب تتسبب بتدمير البنى التحتية الثقافية وتراجع الآداب لصالح النجاة والاستمرار، فالأديب سيشغله البقاء على قيد الحياة والبحث عن لقمة العيش أكثر من الإنتاج الأدبى والبحث عن التغيير، ومن ناحية أخرى ستستمر الآداب والفنون رغم الحروب لأنها تقتات على العاطفة والخيال اللذين يتقدان كلما زادت الآلام، وقد تتسبب مرارة الحروب وويلاتها بولادة مدارس أدبية مناهضة للحروب كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى.

■ أين أنتِ من الجوائز؟

- لا شك أن الكاتب المحظوظ هو من يحصل على الجائزة، ليس لأن الجائزة معيار حقيقى لروعة العمل الأدبى ولاستثنائية قدرات الكاتب، وإنما لأنها فرصة حقيقية تمنح الكاتب اعترافًا رسميًا بقدرات استثنائية وانتشارًا وشهرة بلا حدود، أضف إلى ذلك أن بعض الجوائز تمنح الكاتب مكافأة مادية قيمة وعقود ترجمة ونشر وتحويل الكتاب إلى أعمال سينمائية ودرامية، مما يبنى للكاتب مكانة لا يستهان بها ويساعده على التفرغ والمزيد من الإنتاج. 

أما بالنسبة للعتبات فلا أستطيع التكهن على ما يتكئ عليه أعضاء لجنة التحكيم، ولا أستطيع التشكيك بقراراتهم، ويشاع بأن هناك مجاملات جيوسياسية أو ادخارًا للجهود المبذولة لتقييم آلاف الكتب المرشحة، ولكن اسمح لى أن أعطى رأيى كقارئة لا ككاتبة: هناك كتب كثيرة لم تنل حظًا على الرغم من أنها أفضل من الكتاب الحاصل على الجائزة بشكل جلى.

ومن ناحية ثانية لاحظت أن بعض الكتاب قد نسوا الإبداع والبصمة الخاصة لقلمهم واستماتوا لإرضاء ذائقة التحكيم على حساب جودة العمل الأدبى أملًا فى الفوز، وهذا هو الجزء الذى يؤسفنى بحق.

■ ماذا عن الخارطة الثقافية الحالية فى سوريا؟

- لا أدرى من أين أبدأ الإجابة عن سؤال أثار كل شجونى، لا أعتقد أن سوريًا واحدًا لا يعانى حالةً من التشتت والخراب الإنسانى، سواء كان كاتبًا، شخصًا بارزًا بثقافته وعلمه، أو إنسانًا عاديًا، هذا هو واقع الحال، يعرفه القاصى والدانى، حتى غدا الحراك الثقافى فى بلدى حالة لا تشبه غيرها عبر الزمن، فالمثقف السورى يعيش الألم مضاعفًا بسبب وعيه العميق للمأساة والخراب الشخصى والكونى الذى ألمّ به وببلده وإرثه الثقافى.

■ كيف اختلف الأمر قبل وبعد «الربيع العربى»؟

- ربما نال المشهد الثقافى السورى حصة الأسد فى التغيير ما قبل وبعد «الربيع العربى»، فقد شهدت خارطة الأدب والثقافة فى سوريا تغيرًا جذريًا فى رسمها وألوانها بعد عام ٢٠١١، وتحولت الأقلام إلى آلات توثيق لكل أشكال الموت والألم والانهيار الإنسانى وتخلت عن أسلوب المواربة فى رصد المشاهد الواقعية. بالإضافة إلى ذلك هناك ظروف فرضت نفسها و عملت على تغيير خارطة الأدب السورية، مثل التنوع فى الثقافات الجديدة التى فرضها حال الأدباء السوريين بعد توزعهم فى دول مختلفة من العالم وكتاباتهم عن الذاكرة وتشظى الهوية وتحولات الإنسان تحت سلطة الحرب المستمرة، وأيضًا اعتمادهم على المنصات الرقمية بسبب تراجع دور النشر الرسمية. ولا نغفل عن حالة الضياع الفكرى والتشتت الوجدانى وغموض المصير التى عطلت بوصلة الفكر السورى لسنوات مأساوية طويلة.

■ ما تصوركِ لمستقبل الأدب والفن هناك؟

- سوريا ستنهض نهضة الفينيق، إيمانى مطلق بقدرات الشعب السورى، وعلى وجه الخصوص القدرات الأدبية، المشهد الثقافى السورى سيستعيد بريقه وحيوته وروحه العالية، سواء فى الداخل أو فى المحافل العربية والدولية، بلا قيود وبلا رقابة وبلغة عربية فصحى، تجمع أبناء الوطن الواحد والبلد الواحد وتعيد إعماره الفكرى وصلابة مبادئه وجمال أدبه وتنوعه. 

■ كيف اشتبكت وتعاملت الأقلام والمدارس وأسماء النقد المختلفة مع كتاباتك وأعمالك سواء عربيًا أو سوريًا؟

- هناك من قال: «كل شخص ناقد»، وهذه حقيقة فالذائقة الأدبية تختلف باختلاف الثقافات والفكر والرؤى، وأنا أحترم كل القراءات التحليلية القادرة على تفكيك النص وكشف إسقاطاته الخفية أو تقييم دلالاته الظاهرة، وبالتالى منح هذا النص بعدًا جديدًا على صعيد المبنى والمعنى.

معظم الأقلام ركزت على جماليات اللغة ووصفوها باللغة الأدبية الباذخة، بعض الأقلام الأخرى غاصت فى الدوافع اللا واعية لكتاباتى، والبعض الآخر ربط النص بحياتى الشخصية وبيئتى، بالنسبة لى كل الأقلام بتنوع مدارسها تثرى تجربتى وتسهم فى تطويرها.

وهنا أود إيصال رسالة إلى كل قارئ وناقد: عندما يدوّن الكاتب أحداثًا حقيقية هذا لا يعنى بالضرورة أنها أحداث شخصية، وأنا شخصيًا أحترم القارئ وأكتب لأجله فقط، أحبه جدًا، ولكن ليس لدرجة مشاركته تفاصيل حياتى الشخصية.

■ تقيمين فى الكويت منذ عقدين من الزمن.. كيف ترين حالات وشكل فعاليات المجال الثقافى فى الكويت؟

- الكويت أحد البلدان الثقافية المهمة، تمتلك إرثًا عريقًا فى مجالات الأدب والفنون عامة، بلد حريص كل الحرص على إحياء تراثه الثقافى وتطويره واستدامته من خلال المهرجانات الثقافية الشاملة، المعالم والمراكز والمؤسسات الثقافية المرموقة ومعارض الكتب الدورية المتميزة حتى غدت ملامح الثقافة الكويتية معروفة خليجيًا وعربيًا وعالميًا، ففى مجال الأدب والشعر والمسرح والدراما سجلت الكويت حضورًا بارزًا ترفع له القبعة، ويشهد العالم الثقافى ولادة كتّاب روائيين كويتيين جدد سيدخلون تاريخ الأدب الخالد من أوسع أبوابه.

■ فى ذكرى رحيل نجيب محفوظ.. هل أثر عالمه فيكِ؟

- بالنسبة لى كان فكر الأستاذ مرافقًا لسنوات عمرى، سواء ورقيًا أو سينمائيًا أو تليفزيونيًا. نجيب محفوظ كاتب فذ يجعلك تتجول فى شوارع مصر وحاراتها وتسلم على أهلها وأنت جالس فى مكانك، فى بلد يبعد عنها آلاف الكيلومترات جغرافيًا. تعلمت من كتاباته فن الاقتراب من الناس وفن الحوار الممتلئ، تعلمت الإبحار فى محيط الفكرة والتحليق فى عالم السرد الآمن. والحقيقة أن مصر الحبيبة مليئة بالأدباء المتميزين ولا تكفينى صفحات كثيرة لذكر كل الأسماء التى أحب أن أقرأ لها مثل الدكتور أحمد خالد توفيق.