الأحد 06 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

دين الله ودين البشر.. د. عثمان الخشت: كل الأديان الكبرى تحمل رسالة مشتركة لكن الإنسان أضاف إليها تفسيرات أدت للصراع

حرف

- مشروعى الفكرى المقبل ينطلق من سؤال «كيف نميز بين الدين الإلهى والفكر الدينى البشرى؟»

- الباحث لا يكتب وعينه على الجوائز بل تحركه غريزة داخلية محكومة ببوصلة الواجب

- الذكاء الاصطناعى لا يخرج معرفة موثوقة ونقدية

- حولت الشباب من «ناقلى معلومات» لباحثين يسألون: ما الدين الصافى؟

- بناء العقل العربى الجديد يبدأ من قاعات الدرس عبر تدريب الطلاب على التسامح والتعددية

- لدى إيمان عميق بأن الجهد المخلص والمنهجية العلمية الصارمة لن تضيع عند الله

- عند تتويج موسوعتى بجائزة «الشيخ زايد» تذكرت ساعات الفجر التى قضيتها فى القراءة

- ضحيت بكثير من لحظات الحياة الاجتماعية لإنجاز عملى

- استبعدت أى تفسير طائفى أو سياسى عند تحليل الأديان

كرس حياته فى دراسة الأديان وفلسفتها وعلمها وتاريخها، فكانت همه ومحور اهتمامه، بل وتخصصة الدقيق، وكانت موضوع عدد كبير من مؤلفاته، هو الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة السابق، والفائز مؤخرًا بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن فئة الموسوعات لعام 2026. 

فموسوعة الأديان العالمية والصادرة عن جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، عام 2025، يعود بدايات العمل فيها إلى عام 2008 أى استغرقت ما يقرب من الـ17 عامًا حتى ظهور مجلدها الأول، فهى لا تبحث عن تاريخ الأديان أو مجرد «تراكم معلوماتى» يظل على الرفوف، بل تبحث عن «سلاح إبستمولوجى» (معرفى) قادر على خوض معركة الوعى فى لحظة عربية حرجة، وتأتى للتأكيد على التنوع والتعددية وبث روح التسامح وتقبل الآخر والتعايش بين الأديان، وإبراز النزعة الإنسانية، كما أنها تسعى أيضًا إلى نقد وتفكيك التطرف والتعصب الدينى والإرهاب.

ويُعد فوز «موسوعة الأديان العالمية» بجائزة الشيخ زايد للكتاب لعام 2026، ليس مجرد احتفاء بجهد أكاديمى استغرق سنوات، بل هو انحياز لمدرسة فكرية تؤمن بأن هزيمة الأفكار الظلامية لا تتم بالشعارات، وإنما بالتشريح العلمى الدقيق لجذور تلك الأفكار، ولتأسيس خطاب دينى جديد يكون قوامه التنوع والتعددية والتعايش المشترك.

فى حواره مع «حرف»، نقتفى أثر «القلق المعرفى» الذى صاحب محمد عثمان الخشت وهو يفك شفرات النصوص التأسيسية للأديان، حيث يتحدث عن مسيرته الطويلة وصولًا إلى منجزه الأخير «موسوعة الأديان العالمية» وغير ذلك من القضايا المهمة.

■ بداية.. كيف استقبلت خبر الفوز بجائزة الشيخ زايد للكتاب إحدى أهم الجوائز العربية؟ وهل كنت تتوقع هذا الفوز؟

- استقبلت الخبر بكل التواضع والاعتزاز، فهو ليس تكريمًا شخصيًا بقدر ما هو اعتراف بقيمة المشروع المعرفى الذى يسهم فى إعادة بناء الوعى العربى، من جائزة مرموقة عالميًا: جائزة الشيخ زايد للكتاب التى تمثل منصة تتويج رصينة وذات مصداقية عالمية للمشاريع الفكرية الكبرى.

أما عن مسألة «التوقع»، فالباحث حين يشرع فى عمل يمتد لسنوات، لا يكتب وعينه على الجوائز، بل تحركه غريزة داخلية محكومة ببوصلة الواجب الأكاديمى وسد الفجوات المعرفية. ومع ذلك، كان لدى إيمان عميق بأن الجهد المخلص، والمنهجية العلمية الصارمة التى بُنيت عليها «موسوعة الأديان العالمية»، لن تضيع عند الله.

إن تكريم مثل هذه المشاريع الاستراتيجية يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية إنتاج معرفة جديدة، ويحفز على استثمار أكبر فى البنية المعرفية العربية. ويأتى هذا الفوز ليتقاطع مع الجهود المؤسسية الرائدة لمركز أبوظبى للغة العربية وجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.

وأعرب عن اعتزازى بهذا التتويج من جائزة تحمل اسم المغفور له الشيخ زايد داعية الخير والمحبة والسلام. وأتقدم بخالص الشكر والامتنان للشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، للشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولى عهد أبوظبى، على رعايتهما الكريمة ورؤيتهما الحضارية التى احتضنت إنجاز مثل هذه المشاريع المعرفية الكبرى.

كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير لمجلس أمناء الجائزة ومركز اللغة العربية ولجان التحكيم الدولية وجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، ولكل من أسهم فى إصدار ونجاح هذا العمل الذى استغرق سنوات طويلة من البحث والتوثيق.

إن هذا التتويج يدفعنا إلى المزيد من الجهد لخدمة المعرفة العربية وتعزيز حضورها العالمى، بما يخدم بناء الإنسان وترسيخ قيم السلام والتسامح.

■ خلف الستة مجلدات آلاف الساعات من العزلة والبحث، فى اللحظة التى أُعلن فيها اسمك فائزًا بجائزة الشيخ زايد فى دورتها العشرين، أى من هذه الساعات قفز إلى ذاكرتك؟

- قفزت إلى ذاكرتى ساعات الفجر الأولى التى كنت أقضيها فى قراءة النصوص الأصلية للأديان «الفيدا، التوراة، الإنجيل، القرآن، والنصوص البوذية والطاوية» وأحاول أن أرى فيها الجوهر الإنسانى المشترك دون إهمال الاختلافات النوعية. تلك اللحظات التى كنت أشعر فيها بأننى أمام مهمة تاريخية، أن أكتب تاريخ الروح البشرية بموضوعية فلسفية، لا بمنطق الدفاع أو الهجوم. ومن أهم اللحظات التى تذكرتها لحظات سفرى مع أسرتى، وأبنائى وزوجتى حين يجلسون على مقربة منى تاركين لى فرصة الاندماج والتركيز فى مراجعة ما تم من المواد. 

وأتذكر كيف ضحيت بكثير من لحظات الحياة الاجتماعية فى سبيل إنجاز هذا العمل، أتذكر أيضًا اللحظات التى كنت أعود فيها منهك القوى أثناء رئاستى لجامعة القاهرة، وكنت آخذ غفوة قليلة من النوم ثم أنهض للعمل فى الموسوعة حتى ساعات الفجر فى كثير من الأيام.

وقفزت إلى ذاكرتى تلك اللحظات الطويلة التى وقفت فيها أمام نصوص بالغة التعقيد والتقاطع بين الأديان، محاولًا فك شفراتها التاريخية واللغوية، تذكرت القلق المعرفى النبيل الذى كان يصاحبنى عند محاولة الموازنة بين تقديم المعلومة الدقيقة، والحفاظ على احترام مقدسات الآخرين، دون الإخلال بالموضوعية الأكاديمية.

■ فوز «موسوعة الأديان العالمية» جاء فى فرع استحدثته الجائزة الكبرى هذا العام، هل ترى فى هذا التتويج انتصارًا للمشاريع المعرفية الاستراتيجية على حساب الأعمال الفردية العابرة؟

- بكل تأكيد. استحداث هذا الفرع يعكس نضجًا ورؤية ثاقبة من القائمين على الجائزة، لأن الثقافة العربية اليوم فى أمس الحاجة إلى «المشاريع التأسيسية الاستراتيجية» التى تبنى قواعد معرفية صلبة، أكثر من حاجتها إلى الاجتهادات المتناثرة، فالعمل الموسوعى يوفر البنية التحتية التى ينطلق منها الباحثون، وتتويجه هو انتصار لفكرة «التراكم المعرفى المؤسسى» الذى يخدم العقل العربى لعقود مقبلة.

■ وسط منافسة ضمت ٤ آلاف متسابق، هل يمثل هذا الفوز ردًا حاسمًا على من يرددون بأن «عصر الموسوعات» قد انتهى فى ظل التدفق الرقمى والذكاء الاصطناعى؟

- بل هو الرد الحاسم. فى عصر الذكاء الاصطناعى والمعلومات المتناثرة، أصبحت الحاجة إلى الموسوعة العلمية الرصينة أشد إلحاحًا. الذكاء الاصطناعى يُنتج معلومات غير دقيقة فى كثير من الأحيان، ولا يُنتج معرفة موثوقة ونقدية، الموسوعة تقدم مرجعًا محكمًا يحمى من التشويش الرقمى ويُعيد الثقة فى العقل النقدى،خاصة أن الذكاء الاصطناعى والتدفق الرقمى لا ينتجان الفهم المعرفى المعمق للسياقات التاريخية والثقافية. 

إن عصر الموسوعات لم ينتهِ، بل تغيرت وظيفته؛ فبدلًا من أن تكون الموسوعة مجرد مخزن للمعلومات، أصبحت شبكة من الروابط الفلسفية والتاريخية والتحليلية التى تعجز الخوارزميات حتى الآن عن صياغتها بروحٍ إنسانية قادرة على التمييز والوزن الترجيحى للأفكار.

■ هذه الموسوعة هى أول عمل عربى مؤلف بالكامل وغير مترجم فى هذا المجال، كيف استطعت ضبط البوصلة المنهجية للكتابة عن أديان ومذاهب متباينة بنفس الحياد الأكاديمى دون السقوط فى فخ الانحياز؟

- البوصلة المنهجية كانت تعتمد على «الإيستمولوجيا الموضوعية» والفصل الصارم بين ذات الباحث والموضوع المدروس. المنطلق الأساسى كان التعامل مع الظاهرة الدينية بصفتها «ظاهرة إنسانية وتاريخية» تستوجب الفهم والتحليل، وليس المحاكمة أو التبشير، تم إخضاع جميع النصوص والمعتقدات لذات المعايير النقدية والتحليلية، ما جعل العمل يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويقرأ الأديان من داخلها كما يفهمها أهلها، ثم من خارجها كما يراها العقل النقدى.

واعتمدت على مناهج متعددة لأن الظاهرة الدينية متعددة الجوانب ومعقدة التركيب، ومن بين المناهج التى اعتمدت عليها: المنهج الفينومينولوجى «الظاهراتى»: أصف كل دين كما يراه أتباعه من الداخل، ثم أقارنه فلسفيًا من الخارج بموضوعية. كنت أُطبّق «التوقف» (epoché) على أى انحياز شخصى، وأعتمد على النصوص الأولية فقط، وأستبعد أى تفسير طائفى أو سياسى، الحياد الأكاديمى ليس سلبية، بل هو التزام بالعقل كأداة وحيدة للتقييم.

■ تحدثت لجان التحكيم عن إظهار المساحات المشتركة دون إلغاء الاختلافات النوعية، كيف حققت هذه المعادلة الصعبة فى ٦ مجلدات دون أن تذوب خصوصية كل عقيدة فى الأخرى؟

- استخدمت التمييز الفلسفى بين «الجوهر» و«العرض»، المساحات المشتركة هى الجوهر الإنسانى «الأخلاق النبيلة، البحث عن المطلق، الخير، العدالة»، أما الاختلافات النوعية فهى العروض التاريخية والثقافية التى لا تُلغى. كل عقيدة حُفظت فى خصوصيتها كما هى، لكن ضمن إطار مقارن يُظهر التقاطعات دون ذوبان ودون إنكار للاختلاف النوعى والخصوصية.

تم ذلك عبر منهجية أطلقت عليها التمييز بين المشترك الإنسانى فى جانبه الأخلاقى الكلى، و«الخصوصية التشريعية واللاهوتية». فالاختلاف يمثل ثراءً للتجربة الإنسانية.

■ شملت الموسوعة «الأديان الكبرى والصغرى والتيارات الروحية والأسطورية»، ما هو المعيار الفلسفى الذى استندت إليه فى تصنيف المعقول واللامعقول داخل هذه العقائد؟

- المعيار هو «التوافق مع العقل النقدى والمنهج العلمى» دون إلغاء البُعد الوجودى للإيمان. ما يخضع للاختبار التجريبى أو المنطقى يُصنف معقولًا؛ أما ما يتعلق بالغيب فهو متروك للاختيار الوجودى للفرد. الهدف ليس إلغاء الإيمان، إنما كان الهدف تنقيته من الخرافة والأساطير والأيديولوجيا.

مع التمييز الواضح بين ما هو ميتافيزيقى متجاوز للطبيعة وليس ضد العقل ويظل موضوعًا للإيمان، وما هو مجرد خرافة أو أسطورة أو تراث شعبى يناقض العقل.

■ وصفت الموسوعة بأنها «سلاح معرفى» لمواجهة الخطابات الراديكالية، هل يمكن للمعرفة الأكاديمية الرصينة أن تهزم الأيديولوجيا العاطفية التى تتغذى عليها جماعات التطرف؟

- نعم، تستطيع. التطرف يتغذى على الجهل والعاطفة المُوجَّهة. المعرفة الرصينة تفكك آليات السيطرة، تُظهر المشترك الإنسانى، وتُحوِّل الشاب من «تابع عاطفى» إلى «عقل نقدى».

تتغذى الأيديولوجيا المتطرفة على الأحادية، الجهل بالآخر، والاجتزاء، فعندما تقدم للشباب والعقل العام خريطة بانورامية شاملة لمعتقدات البشرية وتاريخها، فإنك تكسر احتكار الحقيقة المطلقة وتفكك الانغلاق. المعرفة الرصينة لا تهاجم العاطفة مباشرة، إنما تجفف منابع الجهل التى تستمد منها الراديكالية مبرر وجودها، وتزرع بدلًا منها وعيًا تعدديًا يصعب اختراقه بخطابات الكراهية، ويشهد التاريخ دومًا أن التنوير دائمًا يهزم الظلام، لكن ببطء وبالمثابرة.

■ فى ظل «السيولة الرقمية» والمعلومات المتناقضة، والمغلوطة.. كيف تسهم الموسوعة فى حماية الأمن الفكرى وتحويل الشباب من ناقل للمعلومات إلى عقول نقدية تبحث عن الجوهر؟

- تقدم الموسوعة «خريطة معرفية» موثوقة تُمكِّن الشاب من التمييز بين الجوهر والشكل، بين الدين والأيديولوجيا. تحول الشاب من «ناقل معلومات» إلى «باحث نقدى» يسأل: ما هو الدين الإلهى الصافى؟ وما هو الفكر الدينى البشرى الذى أُضيف إليه؟ هذا هو الأمن الفكرى الحقيقى.

فى عصر السيولة الرقمية، التحدى الأكبر ليس الوصول إلى المعلومة، بل التحقق منها ووضعها فى سياقها. الموسوعة تقدم «مرجعية موثوقة» تُعد بمثابة حائط صد منهجى يعلم القارئ كيف يقرأ، وكيف يحلل السياق التاريخى لظهور الفكرة. من خلال استعراض تطور الأديان، يكتشف الشاب أن الأفكار لا تنزل جاهزة من الفراغ، بل تتفاعل مع التاريخ والمجتمع، ما يولد لديه الحس النقدى الذى يحميه من الاستلاب والتبعية.

■ تعتبر هذه الموسوعة «درة التاج» فى مشروعك الفكرى، كيف تخدم هذه المجلدات فكرتك المركزية حول التمييز بين الدين الإلهى الصافى والفكر الدينى البشرى؟

- تُجسِّد موسوعة الأديان العالمية، بجوار عدد من كتبى مثل «نحو تأسيس عصر دينى جديد» و«المعقول واللامعقول فى الأديان» و«للوحى معان أخرى» و«تطور الأديان»، هذا التمييز عمليًا، حيث تُظهر أن كل الأديان الكبرى تحمل رسالة إلهية أساسية «الأخلاق، العدل، الرحمة»، لكن الإنسان أضاف إليها طبقات من التفسيرات التاريخية والسياسية أدت إلى الصراع.

تدعو الموسوعة إلى العودة إلى الجوهر الإلهى الصافى وتجاوز الفكر الدينى البشرى الذى يُسيَّس ويفرق بين البشر.

■ بصفتك رئيسًا سابقًا لجامعة القاهرة وأستاذًا لفلسفة الأديان، كيف يمكن تحويل محتوى هذه الموسوعة من مجرد مرجع للمتخصصين إلى مادة حية فى البرامج التعليمية لبناء عقل عربى جديد؟

- هذا هو التحدى العملى الأهم. لا بد من تفكيك هذه الكثافة المعرفية إلى مقررات دراسية تناسب المراحل الجامعية المختلفة تحت مسميات كـ«مقارنة الأديان»، «التفكير النقدى»، و«تاريخ الأفكار»، فبناء العقل العربى الجديد يبدأ من قاعات الدرس عبر تدريب الطلاب على التسامح المعرفى، واستيعاب التعددية، وفهم الآخر كشريك فى الوجود المادى والروحى، وليس كخصم. وأقترح دمجها فى المناهج الجامعية وقبل الجامعية وتحويلها إلى منصة رقمية تفاعلية. هكذا نُخرِّج جيلًا يمتلك عقلًا نقديًا يفرّق بين الدين والأيديولوجيا.

■ هل يعتقد الدكتور الخشت أننا بحاجة لتغيير بنية العقل العربى أولًا، أم أن الحقائق والمعارف التى قدمتها الموسوعة هى الكفيلة بإحداث هذا التغيير؟

- نحتاج الاثنين معًا. الحقائق ضرورية، لكنها لا تُغيِّر بنية العقل إلا إذا صاحَبَها إصلاح منهجى لطرق التفكير بواسطة التعليم الذى يُدرِّب على النقد والتفكير الحر، توفر الموسوعة المحتوى، لكن الجامعات والمدارس هى التى تُغيِّر البنية. ولذلك سبق أن قدمت مشروعًا كبيرًا أثناء رئاستى لجامعة القاهرة تحت عنوان «تطوير العقل المصرى والعربى»، وأصدرنا وثيقة التنوير، وأدخلت مقرر التفكير النقدى كمقرر جامعى على كل طلاب الكليات.

■ صدرت الموسوعة عن جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، كيف ترى دور المؤسسات الأكاديمية العربية الحديثة فى رعاية المشاريع الثقافية الكبرى التى يخشى الناشر الخاص خوض غمارها؟

- دور مؤسسات مثل جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية هو دور محورى وتنويرى بالأساس. الناشر الخاص غالبًا ما تحكمه حسابات السوق وسرعة العائد، بينما المشاريع الفكرية الكبرى تحتاج إلى نَفَس طويل وتمويل مستدام ورعاية مؤسسية. الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الكبرى هى الحاضنة الطبيعية للبحث العلمى الثقيل، ورعاية جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية لمثل هذه الأعمال يبرهن على تحملها لمسئوليتها الحضارية تجاه المنطقة والعالم.

■ بعد رحلة البحث الطويلة هذه وتتويجها بجائزة الجوائز، هل اقتربنا فعلًا من تأسيس عصر دينى جديد أم أن العوائق البنيوية فى الواقع لا تزال صلبة؟

- اقتربنا من التأسيس الفكرى، لكن العوائق البنيوية «الاستبداد الفكرى، تسييس الدين، ضعف الإصلاح التعليمى» لا تزال صلبة. العصر الدينى الجديد لن يأتى إلا بإصلاح شامل للبنية التعليمية والثقافية، وليس بكتاب واحد مهما كان مهمًا. لا يزال أمامنا طريق طويل. العوائق لا تزال صلبة وعميقة. 

نحن لا ندعى أننا أسسنا عصرًا جديدًا بضربة واحدة، بل نحن نضع لبنات ونفتح كوى للضوء لتأسيس وعى مغاير، هو مخاض تاريخى ضرورى، وكل خطوة جادة فيه، كطرح هذه الموسوعة، تقربنا من العصر المرجو.

■ ما السؤال الذى لم تجب عنه المجلدات الستة حتى الآن، وتخطط ليكون محورًا لمشروعك الفكرى المقبل؟

- السؤال هو: «كيف نُطبِّق هذا التمييز بين الدين الإلهى والفكر الدينى البشرى فى تطوير الخطاب الدينى المعاصر؟، هذا سيكون محور المشروع المقبل.

■ بالحديث عن المسكوت عنه، ألفت كتابك «حركة الحشاشين».. هل تعتقد أن جرأة الطرح فى الكشف عن آليات «السمع والطاعة» وتزييف العقائد هى التى دفعت البعض لمحاولة تجاوز الكتاب نقديًا، أم أن المتلقى العربى لم يكن مستعدًا وقتها لمواجهة هذا النوع من التشريح الصادم لجذور الإرهاب؟

- كلاهما صحيح. الجرأة فى كشف آليات «السمع والطاعة» وتزييف العقائد لأغراض السيطرة أثارت حساسية بعض الأوساط، لأنها تُشبه فى جوهرها آليات بعض الجماعات المعاصرة. والمتلقى العربى وقتها لم يكن مستعدًا نفسيًا لمواجهة التشريح الصادم لجذور الإرهاب التاريخية. اليوم، بعد عقود، أصبح الكتاب أكثر أهمية، لأن الظاهرة لا تزال قائمة، ولا يمكن مواجهتها إلا بالتشريح العلمى الجرىء.

إن تفكيك جذور «السمع والطاعة» وتحليل البنية العقلية والنفسية للتنظيم السرى يمثلان تشريحًا مؤلمًا لعقلية دوغمائية لا تزال بقاياها ممتدة بأشكال مختلفة حتى اليوم. المتلقى والمجتمع أحيانًا يفضلان التفسيرات السطحية السهلة لظاهرة التطرف والإرهاب؛ لأنها مريحة ولا تدين الموروث، بينما الغوص فى الجذور لكشف كيف تُزيف العقائد وكيف تُستلب العقول يمثل صدمة معرفية قاسية. الدراسات الكاشفة للأسس الأيديولوجية تتطلب شجاعة فى الطرح، لكنها تتطلب وقتًا أطول ليتم هضمها ونقاشها مجتمعيًا بحيادٍ متحرر من الاستقطاب

وظهرت أهمية كتاب «حركة الحشاشين» الصادر عام ١٩٨٨ بعد مرور ما يزيد على ستة وثلاثين عامًا على صدوره، عندما حوله أحد الأدباء المرموقين إلى دراما تليفزيونية شهيرة. وقد صرح بذلك فى وسائل الإعلام. وصار الكتاب هو المرجع الرئيسى لكل وسائل الإعلام والصحافة عندما أرادت أن تكتب عن هذه الحركة وعلاقتها بالحركات المعاصرة.

■ ما رسالتك للمثقف العربى الذى يخشى طرق أبواب المسكوت عنه فى تاريخ الأديان؟

- الرسالة واضحة: الخوف هو أكبر عدو للعقل. المثقف الحقيقى يخدم دينه وأمته بالحقيقة، لا بالصمت. طرق أبواب المسكوت عنه ليس تخريبًا، بل تطوير وإعادة بناء. يشهد التاريخ أن كل تقدم جاء من أولئك الذين تجرأوا على السؤال.