الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

بعد صدور روايتها «لعبة النوافذ»

رباب كساب: أبطالى يتحركون فى رأسى كأحياء من لحم ودم

رباب كساب
رباب كساب

 أنا مزاجية حتى فى عملى الحكومى ما بالك بالكتابة التى لا أعدها حرفة

 هدفى ليس صناعة الرموز والدلالات والحالة تجرّنى لشكل الكتابة

 لا أنشغل بالناقد لحظة الكتابة بل بالعيش داخل العالم الذى أصنعه

 لا أتعجل الكتابة أو النشر فأنا أبطأ من سلحفاة

الدخول إلى تجربة رباب كساب يشبه الدخول إلى عالم سحرى ملىء بالألوان، لكن جميعها ليست خضراء جميلة، فهى تؤمن بالواقعية التى تحتّم عليها إظهار الأبيض والأسود والأحمر، فهى فى الأخير لا تعيش فى يوتوبيا مغلقة على ذاتها.

تتجلى هذه النظرة فى روايتها الأخيرة «لعبة النوافذ» الصادرة عن دار بيت الحكمة للصناعات الثقافية، والتى تجعل قارئها يطل على العالم الواقعى من شبابيك متعددة، يرى منها الإنسان فى صورته الحقيقية وليست المنمقة والمزينة.

عن روايتها الجديدة وأصداء كتابتها وعن علاقتها بالنقد والجوائز، أجرت «حرف» مع رباب كساب الحوار التالى.

رباب مع صنع الله ابراهيم

■ بداية.. لماذا نطالع فى كل أعمالك الروائية هذا التهشيم القاسى لكل ما هو مرتبط بالواقعى والاجتماعى فى أروقة القاهرة أو مصر المحروسة؟

- لماذا تسميه أنت تهشيمًا، كل ما هنالك أننى ألقى الضوء على هذا الواقع، هل نوره يعد صادمًا لهذه الدرجة التى تجعلك تسميه تهشيمًا؟ لماذا لا يكون غوصًا فى الواقع حتى نراه بصورة مغايرة؟ أنا أتفاعل مع الواقع المعاش وأعكسه على الأوراق ليس إلا، ثم إننى أحب المنظور الاجتماعى فى تناول الأمور، إنه مرآة للسياسة والاقتصاد على السواء، هو ما نحن عليه، إن هرب البعض منه فهذا حقه، ولكننى لا أهرب منه بل أعيشه وأكتبه.

■ كيف تأتيكِ القدرة على تحويل الواقعى إلى دلالىّ أو رمزى فى حين أن هناك الكثير من النقاد أو القراء يرفضون الواقع أو الرواية الواقعية؟ 

-أنا لا أقصد الدلالات أو الرموز، قد يلجأ الكاتب للرمز لأنه يخاف فيتوارى خلفه، والدلالات ليست هدفًا فى حد ذاته، لذا فليس الرمز طريقى ولا الدلالة هدفى، أنا أكتب ما أشعر به، ما أحس أهميته، وأولًا وأخيرًا الحالة هى التى تجرنى على تلك الكتابة، بدليل أننى خرجت من تلك العباءة فى «على جبل يشكر»، وهذه الحالة كانت تستلزم شططًا وفانتازيا أجبرتنى عليها الحالة العامة للرواية أو عالمها، إن صح التعبير، وأجبرنى عليها الواقع بالمناسبة، حين أكتب لا يكون برأسى سوى عالمى الذى أخلقه بهوادة وأبطاله الذين يعيشون برأسى، ويتحركون أمام عينى أحياء من لحم ودم، لا يكون فى عقلى الناقد والقارئ، كل ما يشغلنى حينها أن أعيش داخل هذا العالم الذى أصنعه وأحزن حين أفارقه، الأمر أبسط من ترميزه أو إعطائه شكلًا مغايرًا، الكتابة حلم وأنا أحلم.

غلاف رواية لعبة النوافذ

■ ما الدوافع التى حركتكِ لكتابة «لعبة النوافذ»؟

- «لعبة النوافذ» وراءها حكاية لطيفة، كنت أستنكر أن يكتب أحد واقعه كما هو بلا تغيير يذكر سوى صياغة العبارات بلغة جميلة، وأن تظهر الشخوص والحوارات كما حدثت بالضبط.

 الكاتب متلصص أصيل، لكن أن ينقل ما يسمعه أو يراه نقلًا حرفيًا فهذا ما استنكرته حينها، فجاء ببالى أن أكتب هذا الشخص وأقول له إننى سأكتبك ولن تعرف أنه أنت، وظل ذلك هاجسى لفترة طويلة، فكتبت نصًا قصيرًا عن الرجل الذى يمسك بكل الخيوط أو هكذا يظن، الرجل الذى يلقى بأحداث فى طريق رفاقه وينتظر ردود أفعالهم ليسجلها حرفًا حرفًا وهو فى اعتقاده أنه يصنع رواية، وبعد كتابة هذا النص وجدت أننى لا أكتفى بذلك، وبدأت لعبة النوافذ وبدأ شخوصها تتحرك أمامى وفى رأسى واختفى طيف الكاتب الذى ينقل الواقع تمامًا، وتحول إلى بهجت الكومى رجل الأعمال الذى اكتفى من كل شىء وجلس فى شرفته متلصصًا.

■ هل «لعبة النوافذ» محاكمة للواقع الناصرى أم الساداتى أم المباركى أم للواقع بشكل عام؟

- قد لا أشاركك الرؤية، جمال النص أن يصل لأى متلقٍ بشكل مختلف عن رؤية صاحبه، أبطالى عاشوا بين العصور الثلاثة وحتى العصر الحالى، هم انعكاس صريح وواضح للحال المعيشية فى مصر من بعد يوليو ١٩٥٢.

لم أقصد المحاكمة ولكنى أقول هذه هى الحال، ولا تختلف عن حالنا جميعًا بأي شكل من الأشكال، ولا أخافها- المحاكمة- كل ما هنالك أننى لست من يحاكم، أنا لسان حال الناس، وهذا ما كتبته فى رسالة لأمى حين خرجت فى يناير، أنا لسان حال الناس لا أستطيع البقاء إلى جوارك والنظر من خلف الشاشات أو الجلوس أمام التليفزيون، والناس يعنى الشارع والشارع يعرف طريقه إلىِّ فى صمت وهدوء.

رواية الفصول الثلاثة

■ كم استغرقت فى كتابتها؟

- استغرقت ٣ أعوام فى الكتابة ثم دخلت إلى مراحل المراجعة والانتظار لمدة لن أذكرها، أنا لا أتعجل الكتابة ولا النشر، أنا أبطأ من سلحفاة.

■ ذكرت إذاعة «أورشليم القدس» فى روايتك.. ما دلالة ذلك سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا؟ وهل لذلك علاقة بما يدور حاليًا من حرب فى غزة؟

- للأسف الرواية كتبت منذ مدة طويلة ولم يكن الصراع قد تأجج بهذا الشكل، بل كانت تحت الطبع حين بدأ الصراع فى السابع من أكتوبر من العام الماضى، لكن حين كتبتها كان فى رأسى صراعنا نحن، وتلك الإشكالية أنك تستمع للراديو فى توقيت محدد فى زمن بعيد وفى مدينة ريفية قبل الإنترنت والسماوات المفتوحة والقنوات الفضائية، وفجأة تتقاطع أيامك مع ذلك اليوم الذى يشكل نكبتنا والعدو يحتفل بنصره، وشعرت بغضب رهيب رغم أننى من الأجيال التى لم تشهد هزيمة وولدت بعد النصر بسنوات.

■ هناك أنسنة للأشياء والبيوت وكل ما هو ليس بشريًا داخل الرواية.. ما سر ذلك؟

- إنها علاقتى الشخصية بما حولى، اعتيادى الدائم على التعامل مع الأشياء كأنها بشر، حين أجد بيتًا على سبيل المثال وقد هدمت جدرانه أو عمدانه تكسرت لا أراها إلا يدًا مكسورة أو قدمًا مبتورة، البيوت كائنات حية، اعتدت ليلًا أن أستمع لكل ما هو داخل البيت كانت هناك حوارات خاصة بى مع محتويات المنزل من الأثاث، كل له حواره وصوته الخاص، ومؤخرًا بت ضليعة فى حديث الجدران.

غلاف رواية مسرودة

■ هناك خليط من المشاعر ما بين الحزن والشفافية والشجن والأسى والبهجة والعدمية فى كتاباتك وكأنها معزوفة متتالية تعزفينها من رواية لأخرى.. ما الذى يحفزك على هذه الكتابات؟

- ولم لا تقول إنه الصدق، أصدقك الكلام فيصلك ما أريد، أنا أتلبس أبطالى، فحزنهم حزنى وفرحهم فرحى، كل ما هنالك أننى أشعر بهم فأعبر عنهم، ولأننى صادقة فى إحساسى بهم يصلك ويصل إلى القارئ، ليس لدىّ محفزات أنا كائن مزاجى جدًا أغيب عن الكتابة وأعود فى أوقات لا أعلمها ولا أعدّ لها ولو حاولت إرغام نفسى على الكتابة لا أكتب..  إننى مزاجية حتى فى عملى الحكومى، ما بالك بالكتابة التى لا أعدها حرفة، ولا أريد أن أصبح (صنايعية) أريد أن أبقى مُحبة تُجيد ما تفعل.

■ هل هناك مثل أعلى دفعك إلى الكتابة؟

- لا أؤمن بحكاية المثل الأعلى، ولم يكن لى مثل على مر عمرى، أنا أحب الكتابة الجيدة حتى ولو كان كاتبها فى نصف عمرى، ثم لماذا أضع لنفسى سقفًا؟ المثل الأعلى هو سقف يظل المرء يراه الأعلى ويحاول الوصول إليه، وأنا دائمًا أبحث عما هو أعلى وأعلى ولا أمل من البحث عن قراءات يدهشنى أصحابها، لا أرانى أحدًا ولا أريد أن أكون مثل أحد، أريد نفسى وأكتفى باسمى وبما أفعل.

■ كيف تستقبل التيارات النقدية فى مصر أعمالك إذا افترضنا أن هناك نقدًا؟

- أنا نوعًا ما محظوظة، لقد كُتبت عنى مقالات نقدية من أساتذة أجلهم واستمعت لآراء البعض منهم، و«فستان فرح» حظيت باستقبال مهم أكثر من جميع رواياتى، كما نوقشت العام الماضى رسالة ماجستير فى السعودية للباحثة السورية لمياء الملحم تتناول رواياتى على وجه الخصوص.

ثم لى نهج بسيط ولطيف ولا يجعلنى أبحث عن شىء على الإطلاق «أنا أكتب ثم أنشر الكتاب وتنتهى علاقتى به»، إن تلقيت استحسانًا كان بها وإن تلقيت لومًا أتحمله وأبحث سببه، لكن علاقتى تنقطع بكل ما يخص الرواية فأنا منشغلة بما هو آتٍ.

رباب كساب

■ الكثيرون يعلمون أنك لا تفكرين فى الجوائز.. لكن لماذا أنتِ بعيدة عنها؟

- أنت أجبت السؤال، أنا لست معنية ولا أفكر بهذا الشكل، قديمًا لم أكن أتقدم لمسابقات وحين بت أتقدم لا أفكر فى شىء، فإن جاءت سأحتفل بالطبع وإن لم تأت لا أحزن، أنا أفعل ما أحب وما أحب هو أن أكتب.

■ ما هو ملاذ الكاتب؟ وهل هناك بالفعل حلم بالخلاص؟ وما معنى الخلاص بالنسبة لك ككاتبة؟ وهل ينتهى حلمك بالخلاص بمجرد انتهائك من كتابة نصك أو روايتك؟ 

- ألوذ بعالمى الخاص أحلامى وشخوصى، تلك العوالم البديلة التى أخلقها هى مهربى، ولكننى لا أبحث عن مخلص، لكن حين انتهاء النص أشعر بأن جدرانى الهادئة الوديعة قد هدمت فجأة، لذا أظل شريدة حتى أجد جدارًا آخر أحتمى به.

رباب كساب

■ القرية كمنشأ وبيئة وأجواء كانت حاضرة بشكل عابر.. لماذا لم يتم توظيفها فى رواياتك بشكل مغاير مثلما فعل يوسف إدريس على سبيل المثال؟

- لا أحب الدخول فى مقارنات، يوسف إدريس من قرية، ويوسف أبورية من قرية، وجار النبى الحلو من المحلة وما زال هناك، وسمير الفيل من دمياط ومازال هناك، وأنت نفسك من بورسعيد، والكثير من أصدقائنا فى الصعيد وفى وجه بحرى لا يزالون يعيشون هناك ويعبرون عن مجتمعاتهم، كل منا له منشأه وكل منا له تناوله الخاص لمكان نشأته ورؤيتى للمكان غير رؤية أى رجل بالمناسبة، الظروف وملابساتها تختلف. ومشاعرى تجاه الريف لا تملك الكثير من المحبة، أنا ابنة المدينة حتى وإن كانت مدينة ريفية، ورثتها شئت أم أبيت، لديها الكثير مما ترسب لدىّ فى اللاوعى، والكثير من مفردات الحياة التى أحبها، ولديها ما شكلنى حرفيًا، لكن عزلتى الخاصة التى تجعلنى أنظر من بعيد لكل شىء ترسمه بداخلى ناتجة عما تتركه من تأثير علىّ.  مدينتى التى ولدت بها كانت فى أولى رواياتى قفصًا اسمه أنا، وإن كانت إطلالة من بعيد وإطارًا خارجيًا للأحداث، وفى «لعبة النوافذ» كانت موجودة بشكل فاعل وأساسى، القرية ألتصق بها وأبحث عنها لأننى لم أعش فيها، و«لعبة النوافذ» ذُكرت فيها القرية، أما المدينة فهى فى جميع رواياتى.

■ لماذا تبنّيت فكرة التلصص رغم أنها كتبت من قبل عند صنع الله إبراهيم مثلا؟ 

- سأقول لك ما يقوله أستاذنا إبراهيم عبدالمجيد من أن موضوعات الكتابة هى هى منذ بدأ الإنسان التعبير عن نفسه بالكتابة، لكن كل منا يختلف عن الآخر ويعبر بالطريقة التى تخصه عن نفس الموضوع، وإذا جلسنا الآن لنكتب موضوعًا نعرفه مسبقًا لن نتناوله من نفس الزاوية ولن تكون لنا نفس الرؤية، كل إنسان له بصمته الخاصة، ما بالك لو كان مبدعًا.