الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

عبلة الروينى.. السيدة النموذج

عبلة الروينى
عبلة الروينى

يمكن من وأنا فى الإعدادية، كان واحد من أحلامى العريضة هو إنى أكبر وألاقى شريكة حياة تشبه عبلة الروينى، فى نظرى كانت هذه السيدة هى النموذج.

وقتها كنت قريت «الجنوبى»، اللى كتبته عن زوجها الراحل أمل دنقل، وأمل فى الفترة دى كان أكتر من مجرد شاعر بـ النسبة لى وبـ النسبة لـ الكثيرين، كنت بـ أنظر له على إنه أيقونة فى الشعر والمواقف والثورة وما إلى ذلك (كنا لسه صغيرين) وكان كتاب الجنوبى تحفة، وما لفت انتباهى وقتها إنه منفصل عن شعورى تجاه أمل نفسه، لأ، الحكاية مش الزوجة الوفية اللى بـ تقول لنا شهادتها عن زوجها النجم، القصة كان فيها أكتر.

يعنى إحنا قدام سيدة محبة لـ أبعد حد، مخلصة بـلا نهاية، وكمان طاقة إبداع غير محدودة، وكل هذا كانت فى غنى عنه، هى بنت الناس الأكابر، اللى كانت فرصها فى الحياة كبيرة، وتقدر تنشغل بـ ما ينشغل به البنات من دون ما تتحمل أى معاناة، فـ كانت الحدوتة دى آسرة، وفضلت مؤثرة فىّ كتير، وملهمة فى اللحظات الصعبة.

رغم إنى جيت من بلدنا فى السنوات الأولى من التسعينيات، لكن مش عارف ليه عمرى ما حاولت أتواصل معاها، ربما لـ إنى كنت حابب كتير إنها تفضل «رمز» مجرد، وكنت أتابع كتاباتها كـ أى قارئ، وأندهش من عدم تحولها رغم كثرة المتحولين، يجوز موقفها نفسه مش هو نفس موقفى، لكن كان عاجبنى الثبات، وفى حدود علمى هى لم تستفد من موقفها دا أى حاجة، ثم كان ٢٨ يناير ٢٠١١ الشهير بـ جمعة الغضب.

الصفحة الثانية من العدد الرابع والعشرين لحرف

يوميها، زى ملايين الناس خرجت فى الشارع مناديًا بـ ما ينادون، كانت لحظة مشحونة بـ العواطف والأحلام والانفعالات والأمل فى تغيير الواقع، وبـ النسبة لى ما كانتش القصة خالص اسم الحاكم ولا شخصه، كنت متخيل إنه المجتمع دا فيه ناس كتير (أغلبية) يمكنهم الانتظام فى دولة متقدمة، يمنعهم فقط تسلط نظام الحكم (كنا لسه صغيرين).

شاركت فى الاندفاع الحاشد الراغب فى الوصول لـ التحرير، وكان جنبى كاتب مشهور جدًا، ثم إنى تلقيت خرطوش أو رصاصة مطاطى أو شىء من هذا القبيل اللى أنا ما أعرفوش، ولـ حد دلوقتى مش عارفه، فـ وقعت على الأرض، والكاتب المشهور لم يهتم بـ إنقاذى أو إسعافى أو حتى تتبع مصيرى، هو اهتم بـ إبلاغ قناة الجزيرة إنى سقطت «شهيدًا».

اللى حصل إنى وقعت ورحت المستشفى، لكن الإصابة ما كانتش كبيرة ولا خطيرة، مجرد خدوش فى إيدى، وعالجونى وخرجت، وطلعت على الميدان، دورت على صديقى الكاتب محمد فرج، ولقيته، وفضلت الاتصالات مقطوعة شوية، ولما رجعت، فرج جاله تليفون.

ما فهمتش فحوى المكالمة، لكنه قال فى النص: «طيب ما يكتبه هو» وناولنى السماعة، ساعتها عرفت إن المتصلة عبلة الروينى، وبـ اعتبار محمد فرج فى الأخبار، وبـ اعتبارى شهيد، وبـ اعتباره صديق الشهيد طلبت منه يكتب عنى رثاء، فـ قال لها: ما يكتبه هو، وهكذا بعد سنين كتير تواصلت لـ أول مرة مع عبلة الروينى.

دى كانت مقدمة تعاون قصير نسبيًا فى الأخبار، ثم فى «أخبار الأدب»، والواقع إنى كنت متخوف من سيناريو حصل كتير، وهى إنك تسمع أو تقرا لـ شخص بـ تعتبره نموذج، ولما تقابله وتشوف تعامله المباشر فى الحياة، وتعرفه عن قرب، الرمز دا يسقط، لكن دا ما حصلش، من المرات النادرة اللى ما حصلش فيها كدا.

على العكس تمامًا، كل ما لمسته من تعامل معها كـ كاتبة وكـ إنسانة وكـ مسئولة، كان يعزز الصورة الذهنية، اللى فيها قدر كبير من الإنسانية وتقدير الإبداع والمبدعين، وأتصور إن الأعداد اللى ساهمت (بـ صورة ضئيلة) فى إصدارها من أخبار الأدب من الحاجات العزيزة على قلبى فى مشوارى كله.

عبلة الروينى، لك السلام.