الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

جوزيبى سكاتولين.. الراهب

سكاتولين
سكاتولين

قال لى: إيه رأيك تشارك معايا فى تحقيق ديوان ابن الفارض؟

العرض كان مدهش بـ النسبة لى، ما كانش فيه بينا علاقة مباشرة أو حتى كلام متبادل كتير، أنا أعرف إنه هو جوزيبى سكاتولين، مستشرق إيطالى، وراهب كاثوليكى، ومهتم بـ دراسة اللغة العربية والتصوف، هو مشهور جدًا فى الأوساط الأكاديمية الأدبية على مستوى العالم، إنما اتصال شخصى بينى وبينه، مفيش.

كمان سنى وقتها كان ٢٢ سنة، لسه صغير برضه، صحيح كان بقى لى سنتين بـ أشتغل مدرس لغة عربية فى مؤسسة إيطالية، وكنت بدأت فى تسجيل أفكارى بـ شأن اللغة، لكن برضه كنت أتصور إنه لسه بدرى على ما أشتغل فى مشروع زى دا، فـ العرض مدهش من كل النواحى، لكن لا يمكن رفضه.

واحدة من أعظم التجارب فى حياتى كانت مشاركة هذا الرجل فى ذلك المشروع، وعلى مدار سبع سنين متواصلة، سكاتولين هو نموذج لـ كل حاجة أتمنى أن تسود العالم.

على المستوى الشخصى، كان من النوادر اللى ما عندوش انفصام بين الخطاب وتفكيره الداخلى والممارسة، أنا قابلت رجال دين كتير مسلمين ومسيحيين واحتكيت بيهم عن قرب، وشفت إزاى إنه عادة بـ يبقى فيه مسافة بين اللى بـ يتقال، واللى بـ يدور فى الذهن، واللى بـ يتعمل على الأرض، مسافة كبيرة أو صغيرة، بس غالبًا غالبًا فيه مسافة.

آه، كله بـ يقول سلام وقبول الآخر وتفهم اختلاف العقائد، إنما اللى فى القلب فى القلب، صحيح الاجتهاد بـ يختلف من شخص لـ شخص، إنما كنت دايمًا بـ أنتظر اللحظة اللى هـ تكتشف فيها إنه الشخص اللى قدامك فى أعماق أعماقه لا يقبل الآخر، وكنت بـ أتفهم دا، خصوصًا لو اللحظة دى جات متأخرة، وكانت مؤقتة وعدت.

إنما مع سكاتولين مفيش الكلام دا، هو اللى علمنى وعلى نحو عملى، إزاى تكون مصدق عقيدتك ١٠٠٪، دون أدنى شك، وفى الوقت نفسه ما عندكش مشكلة خالص إنه الآخر عنده عقيدة مختلفة تمامًا، وتتناقض مع عقيدتك جذريًا، لـ إننا فى شغلنا كنا ضرورى نناقش مقدسات إسلامية، نصوص وأفكار، وأنا بـ الممارسة بقيت أعرف مين بـ يحترم الفكرة الفلانية بـ جد، ومين بـ يحترمها دبلوماسيًا، وبـ البُق. ولا مرة ظبطت سكاتولين يستخف أو يستهين بـ مقدس إسلامى، ولا مرة.

فضلًا عن دا، وعلى المستوى الأكاديمى، كان عنده دقة غير طبيعية، وصرامة لا متناهية فى إلزام نفسه بـ المنهج اللى بـ يضعه قبل ما يبدأ الشغل، يااااه! ما زلت أذكر ساعات وساعات كنا بـ نقضيها مثلًا فى النقاش حوالين هى «إنْ» ولا «لو»، وإيه الفرق بين إن وإذا ولو، ونفتح المراجع فى مكتبته العملاقة، ودا شذور الذهب، ودا مغنى اللبيب، ودا ودا.

مش بس نقاش حوالين اللغة، ممكن يكون النقاش حوالين الفارق بين مفهوم الحب عند ابن الفارض وابن عربى، أو القرآن المكى والقرآن المدنى، ومعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والسيوطى والزركشى والسجستانى، وعلوم الحديث وشهور طويلة فى محاولة فهم بيت أو مجموعة أبيات قليلة، وأقول له: هو إن شاء الله المشروع دا ممكن يقعد طول العمر؟ يقول لى: يقعد، المهم نشتغل مظبوط.

طب هو هـ يستفيد إيه من كل دا؟ ولا حاجة، هو راهب لا يملك من الحياة سوى أوضه صغيرة جدًا، فيها مكتب عبارة عن ترابيزة وكرسيين، وسرير صغير، وملحق بيها مكتبة ضخمة جدًا مش مخصصة له لـ وحده إنما ملك المؤسسة، وغير مسموح له حتى بـ فتح حساب بنكى، فضلًا عن إنه لا يريد ذلك، كل ما تدره أبحاثه من دخل «وهو كثير» يعود لـ المؤسسة، وهو توفر له تلات وجبات، وطاقم هدوم قديم فى الشتا، وطاقم تانى لـ الصيف، ودمتم.

ما شفتش سكاتولين من سنين طويلة، ومش عارف هو فين دلوقتى، لكنه موجود دايمًا معايًا، وحاضر فى كل اختياراتى، شكرًا سكاتولين.