الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

أكرم القصاص.. الجندى المجهول

أكرم القصاص
أكرم القصاص

لـ الأسف الشديد، معظم ما قرأناه فى الصحف عبر تاريخها لا ينتسب لـ أصحابه، والاسم اللى حضرتك قريته غير الاسم اللى كتب خالص خالص خالص، ودا بـ شكل رسمى وقانونى.

الحكاية إنه حضرتك بـ تقرأ خبر أو تحقيق أو مانشيت وتحتها توقيع محرر صحفى ما، إنما مش شرط خالص إنه هذا المحرر كتب هذا الكلام أو العنوان، بل الأغلب إنه مش كدا، لـ إنه فيه حاجة اسمها «ديسك مان» مسئول عن «صياغة» المادة الصحفية، والصياغة مش يعنى تبقى سليمة لغويًا بس، لأ، كل ما يتعلق بـ الصياغة، وياما ياما ياما محررين قدموا موضوعات صحفية، ثم أعيد كتابتها ابتداءً من الألف لـ الياء.

محرر الديسك مش بس بـ يعيد الصياغة، ويبتكر عناوين، ويرتب فقرات، دا كمان بـ يطرح أفكار، ويقترح موضوعات، وربما تدخل فى الموضوع الصحفى بـ معلومات تأكيدية من الأرشيف، لكن قواعد المهنة إنه اسمه لا يكتب على المادة، وإنما يبقى «الجندى المجهول» اسمًا وفعلًا وعلى كل المستويات.

مهنة الصحافة فى مصر عرفت ديسكاوية معلمين وأسطوات صنعة سابوا بصمة فى كل مكان راحوه، وفى الصف الأول من هؤلاء أكرم القصاص، الأستاذ أكرم القصاص، والأستاذ دى مش رسمية، إنما أنا عمرى ما قلت له: يا أكرم حاف، مع تقاربنا فى السن، لـ شعورى دايمًا إنه «الأستاذ»، على الأقل أستاذى أنا.

عرفت أكرم فى أواسط التسعينات أيام جريدة العربى الناصرى، وكان لى حظ التعامل معاه عن قرب، وهو رجل لا يمكن تشبع من منتجه، خصوصًا منتجه الشفوى اللى لم يدون على أى نحو، وخلينى هنا أنوه لـ حاجة: ما شهدته مقاهى مصر فى وسط البلد والمهندسين والدقى بـ القرب من مقرات الجرايد أثرى وأنضج وأكثر صراحة مما نشرناه بـ ما لا يقاس، وفيه ناس لو ما عاصرتهمش، فاتك كتير، ومنهم أكرم اللى أقدر أقول بـ ضمير مستريح إنه هو صاحب معظم التعبيرات اللى انتشرت فى جيلنا، بـ ما فى ذلك ما انتسب إلى كتاب أصبحوا كبارًا ولهم أسماء لامعة.

القدرة على صياغة تعبير أمر أعمق وأعقد من صناعة «ألشة»، المفروض إنها بـ تختزل رؤية وما يمكن كتابته فى مقال كامل من خلال كلمتين تلاتة، يعنى هضم الموضوع واستيعابه وتجميع الداتا علشان تطلع جملة، دا مش أمر سهل خالص.

أذكر لـ أكرم مانشيت ساعة ما توفى الكاتب الكبير محمود عوض، لا يمكن أنساه، كتب: «لم يستأذن فى الانصراف»، المساحة هنا لا تكفى علشان أقول لـ حضرتك سياق هذه الجملة ومعناها، وكيف اختصرت تاريخًا طويلًا من مهنة الصحافة فى مصر والعلاقة بين أساطينها الكبار.

لـ الأسف، مهنة الديسك دى ضيعت علينا عشرات الكتب اللى كان ممكن أكرم القصاص ينتجها، لـ إنه الموضوع مش بس قدرة على الصياغة، إنما الرؤية بـ ما تعنيه من ترتيب الأفكار، وربط المعلومات، والانتباه إلى دقائق الأمور وتفاصيلها، اللى هو لما يقول لك الفكرة، تقول: إزاى أنا ما أخدتش بالى منها.

لكن يمكن أنا كنت من المحظوظين اللى استفادوا من أكرم بـ قعدات القهوة، ونقاشات ما قبل مواقع التواصل الاجتماعى، والواقع أنا عمرى ما ناقشت أكرم فى أى حاجة، لـ إنه إحنا انضغطنا كتير، واتمرمطنا كتير، وما كانش عندنا رفاهية الوقت، فـ لو الظروف سمحت وقعدنا ساعة ولا حاجة، مش عايز أضيع وقت فى إنى أتكلم، كنت أسيبه هو يقول، لـ إنه أى جملة هـ يقولها فى أى موضوع أكيد مفيدة وممتعة.