الإثنين 24 يونيو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

أحمد الطحان.. الشاعر النموذجى

أحمد الطحان
أحمد الطحان

مؤسف إنى ما عرفتش أحمد الطحان شخصيًا بـ صورة كافية، مؤسف وغريب.

خلينى أبدأ بـ غريب، لـ إنى فى شبابى، كان الشعر معيار مهم فى تكوين معارفى الشخصية، يعنى إنت ليك فى الشعر، بـ كل تأكيد هـ نكون أصحاب مقربين فى وقت قصير، خصوصًا لو كان مفهومك وذائقتك قريبين منى، ولو كانت قدراتك عالية فى كل الأحوال.

ياما الواحد عرف الناس مالهاش أى لازمة، فقط لـ إنهم كانوا بـ يحبوا الشعر، ومش بس عرف، ياما كمان اقترب وأضاع من الوقت والجهد والطاقة فى سبيل إنك شاعر كويس، فـ إنت صاحبى.

بـ هذا المقياس، لو كنت عرفت الطحان فى التسعينيات، كان هـ يبقى صديقى المقرب، لـ إنه فى آخر تلاتين أربعين سنة، الطحان هو شاعر نموذجى، حسب مفاهيمى لـ الشعر وعناصره.

يعنى، الشعر دا زى أى فن له عناصر ومكونات وخصائص ومواضيع، وممكن جدل يدور حول كل عنصر منفردًا، فـ يبقى لى إجابة عن كل سؤال بـ خصوص كل عنصر، لو حبيت أوضح لك إجاباتى دى، هـ أستخدم شعر الطحان أولًا، ثم أدور على نماذج تانية.

يعنى مثلًا ممكن يحصل جدال حوالين الموسيقى، هل الموسيقى عنصر مهم فى الشعر؟ ولا أساسًا ضد الشاعرية، كان فيه ناس بـ يقولوا كدا، وبـ يقولوا كلام وجيه. ولو سلمنا بـ إنه الموسيقى عنصر ضرورى، فـ هل الموسيقى بـ تيجى فقط من الأوزان المعروفة عند العرب قديمًا، اللى الخليل ابن أحمد قعد لها، ولا ممكن يبقى لـ الموسيقى مصدر آخر.

إجابتى كانت، ولا تزال، إنه الموسيقى أداة من أدوات الشعر، مش ركن لكن أداة، ودايمًا كنت أستنكر الاعتناء بـ هذه الأداة فى حد ذاتها، والاعتناء إيجابًا أو سلبًا، إيجابًا بـ منحها موضعًا يخليها هى الفارق بين الشعر وما دونه، وسلبًا بـ رفضها بل ما يمكن اعتباره الحرب عليها، واعتبارها ملمحًا من ملامح تخلف الشعر.

كنت دايمًا أقول: الشعرعامل زى مفتاح، لو مش بـ يفتح باب معين، أو لو بـ يفتح باب لا يؤدى إلى شىء فى طريقك، فـ المفتاح دا مجرد حتة حديد.

الطحان، هو الشاعر الوحيد فى آخر خمسين، وأنا أعنى الوحيد، اللى كان عنده القدرة على ضبط استخدام الأداة دى، بـ ما يحقق فكرة إنه الألفاظ خدم المعانى، يعنى هو بـ يوصل لـ قوافى طازة مش مستهلكة، وأوزان مركبة أو مستنبطة من أفكار إيقاعية، لكن لو طنشتها، هـ تلاقى المدلولات مش منقادة لـ ظبط دا، بل يمكن مش متأثرة أساسًا، فـ تحس بـ إنك بـ تقرا قصيدة نثر موزونة.

يعنى، مش عايز أستطرد فى كلام زى دا، لكن قيس ع الموسيقى حاجات كتير، المجاز، التكثيف، الغموض، أى عنصر من عناصر الشعر هـ تلاقى عند أحمد الطحان غالبًا إجابة، تعجبك، أو ما تعجبكش دى مسألة ذائقة، لكن بـ أتكلم فيما يمكن قياسه، ولو نسبيًا.

قابلت الطحان مرة واحدة بس، كانت قعدة عادية جدًا، إيجابية، وظريفة، وتجاذبنا أطراف الحديث فى أمور كتير متعلقة بـ الشعر، لكن لـ سبب غامض حسيت بـ انقباض، رغم إنه لم يكن كئيبًا ولا ثقيلًا، بـ العكس، المفروض طبقًا لـ سير الجلسة، تبقى دى بداية لـ جلسات أو لقاءات أو على الأقل حديث ممتد، لكن دا ما حصلش، وفضل ملازمنى إحساس الانقباض دا كلما جات سيرته، رغم إنى كنت بـ أتكلم عنه دايمًا بـ كل ما أوتيت من إيجابية.

دلوقتى بس عرفت إيه سر الانقباض.