الإثنين 12 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

كبار يكتبون عن كبار..

يوسف زيدان يكتب: حسن حنفى.. صاحب الفضل الذى ظلمه الجهلاء

حرف

فى أواخر العام ١٩٨٧ كنتُ جالسًا فى الإسكندرية، مع جماعة من الزملاء الذين يدرسون الفلسفة، حين دخل علينا أحد الأصدقاء وقال بالعامية وهو مبتهج: «حسن حنفى رجع مصر، وناوى يعيد جلسات الجمعية الفلسفية المصرية، كل شهر، فى جامعة القاهرة».

كنت أعرف اسم «د. حسن حنفى» مع بعض كتاباته، وأود أن أعرفه شخصيًا. وكنت أشكو لنفسى من أننى لا أجد أحدًا أُحادثه فى المسائل الفلسفية، بسبب هجاج الأساتذة إلى جامعات الخليج لجمع الأموال وللابتعاد عن المخاطر السياسية. وهكذا ذهبت إلى القاهرة يوم ندوة الجمعية الفلسفية، ثم واظبتُ على حضور الندوات الشهرية.

فرأيت حماس «حسن حنفى» لإحياء الفكر الفلسفى فى مصر، وحرصه على إنجاح الأنشطة المتعددة للجمعية الفلسفية: الندوة الشهرية، المؤتمر السنوى، إصدار مجلة فلسفية.. والأهم من ذلك كله، تشجيع جيل الشباب على الدخول فى المُعترك الفلسفى.

لماذا ترك هذا الفيلسوف مصر، هذه الفترة؟ سألت أيامها فعرفت الآتى: كان حسن حنفى من المعارضين لحكم السادات، فتم البطش به كما يجرى فى بلادنا عادة، حتى إنهم نقلوه وهو الأستاذ الجامع «الحاصل على درجة دكتوراه الفلسفة من السوربون، وحاصل على درجة الأستاذية» إلى وزارة الشئون الاجتماعية ليعمل مُوظفًا هناك، وبالطبع لم يعمل. نصحه مديره فى العمل بأن يجلس فى بيته «ويكفى خيره شره» ولا يأتى إلى المقر العقابى/ الوظيفى، إلا لتسلم راتبه الشهرى. كما أخبره بأنه لن يتقاضى شهريًا إلا الراتب الأساسى «الحكومى» من دون أى إضافات.

يعنى دراهم معدودة: فما كان أمام د. حسن حنفى إلا الخروج من مصر، مع جُملة الخارجين من الأساتذة المغضوب عليهم. وكأنه أراد الذهاب إلى أبعد مكان ممكن، ذهب مُعارًا لتدريس الفلسفة فى اليابان!

ظل د. حسن حنفى فى اليابان عدة سنوات، ثم عاد بعد مصرع «السادات» مُصدقًا وعود «مبارك» فى سنوات حكمه الأولى، بالعدالة واحترام القانون.. وكان مبارك يردد أيامها بشكل دائم، فى معظم خُطبه الرئاسية، تعبير: دولة القانون. لكن ذلك لم ينفع «حسن حنفى» بعد رجوعه لمصر واستقراره فيها، لاسيما حين دُعى مع المثقفين إلى لقاء الرئيس مبارك فى افتتاح معرض الكتاب بالقاهرة، وكان اللقاء منقولًا على الهواء مباشرة «وكانت تلك هى قمة التكنولوجيا التليفزيونية» فإذا بالدكتور حسن حنفى، يُحرج الرئيس مبارك، ويقول له على الملأ: لا تنسَ أنك رئيس مصر، وأنك الآن فى مكان أحمس ورمسيس الثانى وعبدالناصر! فامتعض الرئيس مبارك وقال لحسن حنفى، مُتساخفًا: والسادات لأ.

كان «حسن حنفى» وأظنه لا يزال، أطال الله عمره، يستخف بالحكام ولا يخضع لسُخف السُلطة. سواء كان فى مصر أو خارجها. حتى إنه كان ذات يوم. يُلقى بحثه فى مؤتمر كبير بالمغرب، وجرى هَرج كبير وتوقفت أعمال المؤتمر؛ لأن الملك الحسن الثانى قرر حضور الجلسات، وجاء فعلًا تسبقه الحاشية المُتصايحة بقولهم: عاش أمير المؤمنين.. فما كان من «د. حسن حنفى» وقد أحزنه اضطراب المؤتمر، إلا أن قال على الملأ بعدما عاد إليه الميكروفون: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون.

فطردوه من المغرب، بلطف.

ولأن حسن حنفى كان شديد الحرص على إنجاح الجمعية الفلسفية المصرية، ولأنه كان يعلم أنه لا يطير أو يتطاير على أهواء الحُكام، ولا يميل للرئاسة الشكلية، فقد قام بإحياء الجمعية الفلسفية المصرية دون أن يتولى رئاستها، مُكتفيًا بدور كنا نراه لا يناسبه وكان يراه الأنسب، وهو سكرتير الجمعية. فكان الرئيس الأول للجمعية بعد إحيائها على يد حسن حنفى، هو أستاذى الفاضل د. أبوالوفا التفتازانى «نائب رئيس جامعة القاهرة، شيخ مشايخ الطرق الصوفية»، ومن بعده صار رئيس الجمعية هو الدكتور الفاضل محمود حمدى زقزوق «أستاذ الفلسفة، وزير الأوقاف» وظلَّ حسن حنفى، دومًا، السكرتير.

ومع دوام الأنشطة بالجمعية الفلسفية، تعلمتُ من حسن حنفى وتعلم غيرى آنذاك، ما صار عندى لاحقًا كالمبادئ العامة والبديهيات. 

كان دومًا يقول لنا لا يمكن أن تكون الحقيقة فى جانب واحد فقط، المعرفة تتولَّد باحتكاك النفوس «قول أفلاطون»، لا يصح حين تحس بحركة ثعبان فى طيَّات ملابسك، أن تسأل نفسك هل هذا الثعبان ذكر أم أنثى، وإنما عليك أن تبادر إلى إخراجه أولًا، ثم انظر فى ذكورته أو أنوثته ثم فكر فيما أدخله إلى ملابسك «قول أبى حامد الغزالى» لا يصح أن تعطى الأولوية للنَّص على الواقع، فلا يولد النص مُعلقًا فى الفراغ «قولٌ مُستفاد من فلسفة كارل ماركس» لا بد من التفرقة بين علوم الوسائل وعلوم الغايات «قول فقهاء أصول الدين».. وكان يقول لنا، دومًا: الفلسفة هى الرأى والرأى الآخر. وهى العبارة التى ابتذلتها لاحقًا قناة «الجزيرة» وجعلتها بابًا لإثارة الفتن، لكنها كانت تعنى عند «حسن حنفى» معنى أساسيًا هو ضرورة التفاعل الفكرى، ولذلك كانت ندوات الجمعية الفلسفيةالمصرية تُقام على شكل مُحدد، مُتحدث أساسى غالبًا ما يكون من كبار الأسماء مثل د. زكى نجيب محمود، ومُتحدث مُعَقب، يكون عادة من جيل الشباب وشداة الباحثين فى الفلسفة.

وذات يوم، قال لى «حسن حنفى» إنه يريدنى أن أُلقى المحاضرة الشهرية للجمعية الفلسفية، فاضطرب قلبى وقلت له إننى لم أحصل بعد على درجة الدكتوراه، فردَّ: لا يهم الدرجة الجامعية، المهم الأفكار.

قلتُ له إننى أسكن بالإسكندرية، قال مُداعبًا: أعرف، وأعرف أنك من أهل الخطوة. قُلتُ فى أى شىء سأُحدِّث أساتذة الفلسفة، قال: حدِّد أنت الموضوع.. وفى اليوم المُحدد، ألقيت المحاضرة فى موضوع «الجمال بين الصوفية والفلاسفة المثاليين» وبعد ساعة ونصف ختمت كلامى، مُتوقعًا هُجومًا من بعض أقرانى «وهو ما حدث لاحقًا»، غير أن د. حسن حنفى بدأ المناقشات بأن أعطى الكلمة للدكتورة أميرة حلمى مطر، وكانت حقًا كالأميرات، فإذا بها تُشيع البهجة فى القاعة بقولها، بالعامية، ما نصه: إنت يا ولد جبت الشطارة دى منين، غريبة إن يطلع من إسكندرية حد شاطر كده. وسرعان ما تلقف «د. حسن حنفى» خيط الحوار، وقال وهو الأستاذ الكبير وأنا الناشئ الصغير، تلك العبارة التى ظلت لسنوات تَرُن فى أذنى وتُحفزنى على العمل الدءوب، قال بالنَّص: يوسف زيدان ظاهرة ثقافية فى مصر.

وقد ذكرتُ هنا هذه الواقعة، بعد مرور ربع قرن، ليعلم المندهشون من حرصى على تشجيع الشباب، واهتمامى بالحوار الدائم معهم فى الندوات وعلى صفحات «الفيسبوك» وعبر الرسائل المُطولة، أن ذلك من وحى «حسن حنفى» ومن فضله المُبكر علىَّ، ومما تعلمته منه فى زمن البدايات.

ولا بد من الاعتراف بالفضل لهذا الرجل الفيلسوف، فى الربط بين أساتذة الفلسفية السابقين عليه، وجيل الفلاسفة الناشئ الذى لم يدَّخر «حسن حنفى» جَهدًا فى رعايته وتقوية الصلة بين هذين الجيلين، اللذين كانا مُنفصلين تمامًا يوم عاد من اليابان وأحيا الجمعية الفلسفية. كنا نسمع عن «محمود أمين العالم» وعن «د. زكى نجيب محمود» وعن «د. محمد عبدالهادى أبوريدة» وغيرهم من كبار الفلاسفة، ونقرأ لهم، لكننا لم نرَهم أو نتفاعل فكريًا معهم إلا بعد إحياء الجمعية الفلسفية المصرية وبفضل الجهد الذى بذله حسن حنفى.

وعلى عكس الأساتذة الذين حصلوا مثل حسن حنفى على الدكتوراه من أوروبا، وكنا نسميهم «المُتأفِّفون» كان حسن حفنى استثناءً فى حرصه على التقريب بين الأجيال، بوضع أسمائنا الصغيرة مع أسماء هؤلاء الكبار فى جلسات الجمعية الفلسفية، ومؤتمراتها.. أيامها كنت أقول له: يا دكتور حسن، كيف سيتكلم المبتدئون فى حضرة كبار الفلاسفة؟ فيقول: الصغير يكبر مع الأيام.. أقول: ألم تلحظ أن مستوى بعض بحوث المؤتمر، دون المستوى؟ فينظر إلى بعيد ويقول كأنه يُحدث نفسه، وهو يُخاطبنى بما نَصَّه: ها نعمل إيه يا أبوحجاج، ما دام هو مستوى الفلسفة فى مصر، يبقى لازم ندعمه ونقوى الضعيف وننحاز له.

ولم تكن الصلة أو بالأحرى الوصلة، التى حرص حسن حنفى على تقويتها بين الجيلين السابق واللاحق، تقتصر على التفاعل الفكرى فى قاعات المحاضرات وعند إقامة المؤتمرات. وإنما كان يحرص على تخصيص بعض الجلسات التى يسميها «نشاطًا اجتماعيًا» فى الأمسيات التالية على الجلسات الأخيرة للمؤتمرات الفلسفية، مع أن عينيه كانتا من شدة الإجهاد تنغلقان رُغمًا عنه لثوان معدودات. وإذا قيل له: لا داعى لجلسة المساء! يقول: هذا مُهم حتى تتقارب الأجيال.. ولم أكن فى ابتداء الحال مُقتنعًا بوجهة نظره هذه، ثم عرفت مع الأيام أهمية تلك الجلسات المسائية حين رأيت الأساتذة يسردون علينا أحيانًا بعضًا من تجاربهم الحياتية التى تبدو للوهلة الأولى خبرات شخصية، لكنها فى واقع الأمر رصيد إنسانى عظيم. ففى مرة نسمع من «محمود أمين العالم» ذكرياته فى المعتقل، وكيف كانوا يُعذبونه مع رفقائه من اليسار المصرى ويُطلقون عليهم الكلاب المسعورة «حدث هذا فى مصر، وليس فى جوانتانامو»، ثم يبتسم عقب حكايته هذه الأهوال، وهو يقول إن سجانًا كان ينظر إليه باحترام ولا يناديه إلا بالأستاذ. ومن هذا السَّجان، حسبما سمعت منه، كان محمود أمين العالم «المحمود الأمين العالم» يستمد القوة.. هكذا قال لى، وسط جمع، يوم كنت فى الثلاثين من عمرى وكان هو قد تجاوز السبعين. سألته: مُندهشًا، كيف استطاع أن يعبر هذه الخبرات المؤلمة ويحتفظ بهذه الابتسامة التى لا تفارقه. فقال: طبعًا نبتسم، لأننا ننسى الإساءة من البلد الذى نحبه.

وكان مَن يرعاهم حسن حنفى من الصغار آنذاك، كثيرين. منهم: على مبروك، رمضان بسطاويسى، يحيى ذكرى «صاروا لاحقًا أساتذة» وكاتب هذه السطور. فلما أصدر د. حسن حنفى كتابه الشهير «الاستغراب» الذى يؤسس فيه لاتجاه فكرى جديد، يواجه به اتجاه «الاستشراق» الأوروبى، أقيمت بآداب القاهرة جلسة لمناقشة الكتاب، وانهمكنا فى نقده والرد على التفاصيل والتفاريع الصغيرة التى ينشغل بها الصغار. ظل حسن حنفى يسمعنا باهتمام حتى انتهينا من صَخَب الاعتراض، ثم قال بهدوء رائق: يعنى هذا كلام مهم، ويمكنكم اعتبارى «بلدوزر» تحتاج بعض مفاصله إلى ربط، وأنتم تفعلون ذلك.

هكذا تحدّث معنا حسن حنفى ونحن صغار، فلما كبرنا تحيرَّنا فيه: هل كان حقًا «بلدوزر» أم نسرًا يحلَّق بنا فى سماوات الفكر؟!

وعندما بدأت القِطَّةُ الأمريكية فى التهام صغارها «القاعدة، طالبان» عقب نجاح هؤلاء فى إزاحة الروس عن أفغانستان، بدأ الإعلام الغربى فى رسم صورة ذهنية تجعل الإرهاب مُرتبطًا بالضرورة بالإسلام، كأن أصحاب الديانات الأخرى ملائكة هبطوا من السماء ليمشوا هونًا على الأرض بأجنحتهم، والمسلمون وحدهم هم الإرهابيون. وراجت أيامها صورة «أسامة بن لادن» وإلى جواره دومًا البندقية الآلية، كأنها الرمز الدال على المسلمين. وفى تلك الفترة التى دامت لسنوات «وكانت مُقدمة لما نشهده الآن من اهتراء لبلادنا» كانت الحكومات العربية والإسلامية غافلةً تمامًا عن هذا التمهيد الدعائى، غير مُكترثة بالصورة التى يرسمها للإسلام والمسلمين. وكأن «حسن حنفى» وحده، كان المسئول عن تصحيح هذه الصورة الذهنية، بإظهار العمق الإنسانى للإسلام. فظلَّ طيلة هذه السنوات يجوب أنحاء الأرض «دون أن يدعمه أحد» مُتحدثًا فى المؤتمرات الدولية والندوات الحاشدة، عن الصورة الأخرى «الناصعة» للإسلام والمسلمين، فى وقت كان المتأسلمون فى بلادنا يتهمونه بالعداء للإسلام! وقد رأيته أيامها مُنهكًا من السفر المتوالى، حتى إنه فى مرة ذهب لإلقاء محاضرة عن «الإسلام» فى جنوب إفريقيا، وطار من هناك ليُلقى مُحاضرة أخرى فى السويد الواقعة بشمال العالم. وكان أحيانًا، يُشارك فى الشهر الواحد بعشرة ملتقيات فكرية أو أكثر «بأنحاء مُتعددة من العالم» دون أن يُخل بواجبه تجاه عمله كأستاذ للفلسفة بآداب القاهرة، وكمُحرك أساسى للواقع الفلسفى فى مصر.. كان يخبرنى بأنه أمضى ليلة واحدة فى بلدٍ ما، وسافر فى الصباح التالى إلى بلد غيره لإلقاء محاضرة أخرى، وعاد فى اليوم الثالث إلى مصر ليلحق بهذه الندوة. أقول له، وكان قد تخطى الستين من عمره، إن هذا الجهد الجهيد كثيرٌ وغير مأمون العواقب. فيقول بالحرف: نعمل إيه، مفيش حد تانى بيقوم بالدور ده، وصورتنا فى العالم سيئة جدًا؟

وهناك المزيد من ملامح الثراء الإنسانى فى شخصية حسن حنفى، حسبما رأيتها وحسبما حكى لنا عن وقائعها العديدة، لكن المقام هنا يضيق عن سردها. فمن ذلك: رحلته على دراجة «عقب حصوله على الثانوية العامة» وزيارته لكل القرى المصرية. تفاعله العميق مع أساتذته فى السوربون، أعنى المستشرقين العِظام من أمثال: لوى ماسينيون، هنرى كوربان، لاووست، جال فال، جون فييت، بول ريكور.. وغيرهم من الذين تعلَّم منهم، قبل أن نتعلَّم منه.

ولن يتسع المجال هنا لسرد ما رأيته وسمعته، خلال ربع قرن، من حسن حنفى الذى طالما اتهمه الجهلاء فى دينه. وهو الذى يقول: الدين مظلوم مع السلطة التى تتخذه شعارًا.. وهو الذى كثيرًا ما هاتفته فى منزله، فوصلنى صوت الشيخ «عبدالباسط عبدالصمد» وتلاوته البديعة للقرآن، وحين أسأله عن ذلك يقول: طبعًا طيلة عمرى أسمعه، فهو قيثارة السماء، وفى صوته فَنُّ.. وروحانية.. وفلسفة.

هكذا يتحدث حسن حنفى.

من كتاب «شجون مصرية»