فى ذكرى رحيل فريد الأطرش.. الأيام الأخيرة للأمير الوحيد
- خطة يوسف السباعى للبحث عن مخرج آمن لجثمان فريد الأطرش من بين الحشود التى أغلقت ميدان التحرير
- محمد عبدالوهاب تجاوز أحزانه بسرعة لتنظيم جنازة صديقه اللدود والسيطرة على تفاصيلها المستحيلة
- فؤاد الأطرش أبلغ السلطات فى مصر احتمالية منع الدروز لسفر الجثمان إلى القاهرة بالقوة وإبقائه ليُدفن مع عشيرته
- جنازة فريد جاءت بعد يومين فقط من جنازة بطل حرب أكتوبر المشير أحمد إسماعيل
خلاص انتهى الأمر..
ثلاث كلمات خرجت من فم فريد قبل الوفاة بشهرين وسط أنفاس يائسة مفعمة بالإحباط.. الغريب أن فريد لم يقل تلك الجملة فى أسوأ ظروف مرضه الذى لازمه منذ أوائل الخمسينيات عندما هاجمته علة القلب لأول مرة.. ولا حتى قالها فى أحلك أوقاته داخل مستشفيات لندن أو القاهرة أو بيروت.. بل إنه دائمًا كان يفاجئ الجميع بالروح العالية التى ظهرت حتى فى حواراته التليفزيونية والإذاعية الأخيرة، حيث كان يتحدث عن توقف قلبه مرات أثناء عمليات القسطرة بمنتهى التصالح والأريحية.
لكن تلك الجملة «خلاص انتهى الأمر» قالها فى لوكيشن تصوير فيلمه الأخير «نغم فى حياتى» داخل إحدى فيلات شارع سليمان باشا.. وكانت الجملة اليائسة موجهة لمديرة أعماله وحاملة أسرار الأيام الأخيرة «دنيز جبور»، حيث كانت المرافقة الدائمة له.. لا تفارقه دقيقة واحدة وهى صاحبة تلك الحكاية التى حكتها لمجلة الشبكة فى عدد 10 فبراير 1975 واستطاعت المجلة من خلال شهادة «جبور» أن ترسم خريطة دقيقة للأيام الأخيرة فى حياة فريد منذ لحظة وصوله لتلك القناعة أن «الأمر انتهى».. وحتى صار جثمانه محمولًا وسط طوفان بشرى هائل فى ميدان التحرير يوم 29 ديسمبر 1974.
القصة تبدأ عندما طلب المخرج هنرى بركات من فريد أن يستبدل بنطلونه ببنطلون آخر فى المشهد الأخير لفيلم «نغم فى حياتى»، فامتثل بالطبع فريد لأمر المخرج وأخرج كل ما فى جيوبه من مال وأوراق ووضعها على المنضدة واستبدل البنطلون وذهب إلى كاميرا بركات لينهى آخر أفلامه، لكن عند عودته إلى المنضدة صرخ مستغيثًا بـ«جبور»:
طار المصحف
وعندما جاءت دنيز إليه مسرعة، أكمل: المصحف يا دنيز تركته هنا.. أين ذهب؟
انتقلت حالة الفزع من فريد إلى سكرتيرته دنيز.. وهى على الرغم من علاقتها الوطيدة به لم تكتشف عن سر هذا المصحف الصغير إلا فى تلك اللحظة، حيث دهشت أن فريد كان يعتبر وجود هذا المصحف الصغير فى جيبه هو ضمانة للحياة.. كان الأمر أكبر من مجرد تفاؤل وتشاؤم.. رأت بداخله إيمانًا ويقينًا كاملًا أن وجود هذا المصحف معه بمثابة السلاح المقدس الذى يضمن خروجه من كل وعكاته الصحية مهما كانت صعوبتها.

٢٥ عامًا بالتمام والكمال لم يفارق المصحف جيبه كما حكى فريد لـ«دينز» منذ أن أهدته له سامية جمال.. ومن حينها شعر فريد برباط عجيب بهذا المصحف اصطحبه معه فى كل سفرياته، خاصة تلك التى يكون فيها داخل المستشفيات يناضل ضد خذلان شرايين قلبه المتضخم.. كان دائمًا يضع يده على المصحف ويدعو بصوت عالٍ: يا رب.
دنيز حاولت أن تهدئ من روعه وتطمئنه أنه لا بد أن يعثر عليه أحد ويحضره له.. لكن يبدو أن فريد كان قد تملكه التشاؤم التام وتغير إحساسه بحب الحياة على الرغم من سوء حالته الصحية.. وأصبح على يقين أن رحلته إلى لندن ستكون الأخيرة.. وكانت دنيز جبور تجهز أوراقها حينها لتصحبه كالمعتاد فى زيارة لندن التى صارت سنوية يعرض فيها قلبه العليل على أشهر جراحى القلب حينها البروفيسور جيبسون الذى صار صديقًا لفريد.
فى ليلة السفر اتصل فريد بالدائرة القريبة منه التى كان من ضمنها حينها جورج الخورى رئيس تحرير «الشبكة» وطلب منهم أن يسهروا معه تلك الليلة لوداعه قبل السفر.
كان فريد يحاول أن يهرب من الخلو بنفسه.. لا يحب أن يفكر فى الموت الذى صار وشيكًا ويكاد يراه متخفيًا وهو قادم إليه.. وكلما حاول تلمس مصحفه الصغير عله يحميه.. لا يجده فيهمس لنفسه: يا ساتر يا رب.
لم يأتِ ليل اليوم التالى إلا وفريد كان أمام طبيبه وصديقه جيبسون يعاين ما وصل إليه قلبه من عطب خلال الفترة السابقة منذ آخر زيارة.. وأخضعه من جديد للفحص الدقيق ثم نظر إليه محبطًا وقال له:
كنت تعيش فى المرة السابقة بنصف قلب.. الآن الأمر ازداد سوءًا وصرت تعيش بربع قلب.
ويبدو أن اليأس الذى غلف كلام الطبيب قضى على ما تبقى من أمل لدى فريد وتحول إلى طفل صغير يبكى كلما لمح الدواء فى يد الممرضة ويصرخ رافضًا الدواء.. وما إن يرخى الليل سدوله حتى يستسلم فريد للبكاء والنحيب.. وبعد أيام همس الطبيب الإنجليزى فى أذن دنيز جبور قائلًا:
أنصحك بإرجاع فريد إلى وطنه.

فهمت المرأة على الفور أن جيبسون نزع يده من فريد وأنه يفضل له الموت بجوار أهله بدافع الصداقة التى بينه وبين فريد.. وكأنه لا يريد له أن يموت فى عاصمة الضباب الباردة.
وصل المعنى بشكل أو بآخر إلى فريد، وترك دنيز تكمل إجراءات السفر وحجز الطيران الذى جاء موعده بعد ٤ أيام.. وهنا قرر فريد أن يشبع من شوارع لندن ليلًا، حيث كان قرينًا لليل وعدوًا للنهار، يخاف النوم ليلًا والناس نيام فيتوقف قلبه دون أن يسعفه أحد.. لكن جسده خانه فى اليوم الرابع قبل ميعاد الطائرة بساعات فنام نومًا عميقًا فى الفندق، لكنه قام مفزوعًا على حلم مرعب أجهز على ما تبقى من حائط دفاعه النفسى ضد الموت الوشيك.. حلم بأمه المرحومة علياء المنذر وخالته أخت علياء واسمها «طرب» وقد ارتديتا أسود وكانتا تبكيان عليه فصرخ مفزوعًا ليحكى لرفيقته دنيز نذير الشؤم الذى أتاه فى الحلم.
حاولت بالطبع دنيز أن تطمئنه ببعض الجمل المعلبة حتى يهدأ إلى أن يأتى ميعاد الطائرة التى ستعيده إلى بيته فى بيروت.. وبعد ساعات كان فريد ودنيز فى الجو وعلى لسانه دعاء واحد إلى الله يطلب منه ألا يموت فى الطائرة ويكون ميعاده على سريره فى بيته.
وصل فريد إلى بيته ليجد أحباءه فى انتظاره وعلى رأسهم خطيبته سلوى القدسى وحاول المحيطون به أن يساعدوه على الراحة والنوم.. لكن كان القلب قد بلغ ذروة التضخم بجانب تضخم الكبد وصارت الآلام لا تحتمل ولا يخفف وطأتها أى نوع من أنواع المسكنات أو موسعات الشرايين.. وهنا كان لا بد من الاستعانة بطبيب القلب إبراهيم الحجار ليقرر فى التو واللحظة أن ينقل فريد إلى المستشفى فورًا.. لكن فريد رفض رفضًا قاطعًا فى بداية الأمر تمسكًا بقراره بالموت على سريره.. ثم لان تحت إلحاح المحيطين ووافق على الذهاب إلى «مستشفى الحايك» بشرط أن يخرجه يوم الخميس على أقصى تقدير وكان اليوم هو الإثنين.. فوافق الطبيب بشكل آلى دون أن يدقق.. لأن المهم عنده حينها كان أن يدخل مريضه المستشفى لمحاولة إنعاش قلبه وبعدها «يحلها الحلال».. لكن استكمالًا لمفارقات فريد الحياتية فقد كان يوم الخميس الذى حدده فريد مع طبيبه للخروج من المستشفى كشرط لموافقته على دخولها.. هو نفسه اليوم الذى خرج فيه فعلًا جثمانًا مسجى فى صندوق إلى بيته البيروتى الجميل منتظرًا مراسم تشييعه.
فى يوم الوفاة جرت صحوة غريبة فى جسد فريد وروحه وكان كأنه شُفى تمامًا.. كانت بالطبع هى صحوة الموت.. لكن دنيز جبور تفاءلت واطمأنت نسبيًا، واستأذنت فريد أن تذهب إلى المطار لتسأل عن حقيبته التى نسياها فى مطار لندن من الرحلة الأخيرة، وكانت تحمل كل تقاريره الطبية الأخيرة وصور الأشعة التى أخذها له طبيبه جيبسون فى لندن.. وعن هذه الحقيبة قال كمال الملاخ فى الصفحة الأخيرة من الأهرام إنها كانت تحمل المصحف الذى يتفاءل به، لكن رواية دنيز تؤكد أنه ضاع فى لوكيشن تصوير الفيلم.

تركت دنيز مع فريد فى حجرته بمستشفى الحايك خطيبته سلوى القدسى وصديقه رياض جنبلاط، ولم تدرِ أنها ستعود من مشوارها وقد سلم فريد روحه بعد أن قال لسلوى إنه جائع جدًا فتقدمت منه وفى يدها طبق «مهلبية» وأطعمته منها ملعقة واحدة تناولها بسعادة، لكنها كانت آخر ما دخل فمه من هذه الدنيا.. فما إن انسابت المهلبية إلى داخل معدته حتى صرخ فريد مستغيثًا برياض وسلوى وقال:
نار فى معدتى أنقذونى يا ناس.
وفزعت سلوى وأحضرت الممرضة الفرنسية على الفور وحاولت الأخيرة أن تضع على فمه جهاز الأكسجين فصرخ بها: ابعديه عنى أنا بتخنق.
ثم طلب فريد من رياض طلبه الأخير أن يمدد رجله على السرير، لأنه لا يستطيع تحريكهما وبالفعل حرك رياض فريد ليفعل ما أمره به، لكن يبدو أن روحه كانت تنسحب منه وهو بين يدى صديقه حتى تلاشى جسده وانسلت ليصطدم رأسه فى الجدار الملاصق للسرير.
صرخ رياض وسلوى مستغيثين بالطاقم الطبى فحضر الطبيب الحجار مع معاونيه وحاولوا إنعاش القلب بكل الطرق، لكن الله كان قد استرد وديعته.. ونظر الطبيب لمرافقيه بحزن وقال:
طلب منى وعد أن أخرجه الخميس وها أنا أفى بوعدى.. البقية فى حياتكم.

مات فريد
بدأ الخبر يتسرب رويدًا رويدًا حيث وصل أولًا إلى العشيرة والأهل فى جبل الدروز عن طريق الإذاعة وبدأ الجميع يعد العدة لجنازة نجم العشيرة الأول.. وتسرب الخبر إلى القاهرة ممن سمع الإذاعة، لكن كثيرين لم يصدقوا لأن شائعات موته كانت متكررة فى السنوات الأخيرة.. لكن جاءت جرائد الجمعة الصباحية لتؤكد الخبر الحزين الذى نُشر على استحياء فى الأهرام بجوار خبر موت بطل حرب أكتوبر وفارسها الأول فى الميدان المشير أحمد إسماعيل «١٩١٧ - ١٩٧٤».
فى صباح الجمعة كانت الجماهير تقف أمام بيته فى الجيزة الذى كانوا يعرفونه عن ظهر قلب.. يحاولون الاستقصاء عن أى معلومات تخص الجنازة.. وصار التساؤل الأهم لدى جميع محبى فريد بالقاهرة: هل سيُدفن فى لبنان أم سيحضر الجثمان ليدفن بجوار شقيقته أسمهان؟
الكل يعرف بأمر الوصية التى تركها فريد أن يشيع بين أحبائه فى القاهرة مهما كان مكان موته ويدفن بجوار حبيبته وأخته أسمهان.. لكن مَن يدرى هل سيسهل تحقيق تلك الرغبة أم لا؟
الحق أنه فى تلك اللحظة التى يتساءل فيها الناس كانت صالة مطار القاهرة تستقبل الأخ فؤاد الأطرش ومديرة الأعمال دنيز جبور اللذين حضرا على وجه السرعة صباح الجمعة ليعدا ترتيبات الجنازة لتخرج كما تمناها فريد.
جلس الموسيقار محمد عبدالوهاب بصفته الإنسانية أولًا كصديق وصفته الرسمية كرئيس لجمعية المؤلفين الملحنين.. وقد هزته الصدمة إلى الأعماق.. لكنه بعمليته المعهودة خرج من حالة الحزن سريعًا وبدأ يرتب الأوراق لمساعدة فؤاد ودنيز لتحقيق أمل فريد فى جنازة شعبية فى قلب القاهرة فبدأ يجرى اتصالاته مع المسئولين ويحدد المُقرئين ليتفق معهم وينسق المسار الذى ستسير فيه الجنازة بالترتيب مع القوات الأمنية.
وكان أول ما اهتم به فؤاد هو كيف يقضى فريد ليلته اليتيمة فى بيته بمصر واتصل بوزير الثقافة يوسف السباعى «١٩١٧ - ١٩٧٨» الذى تواصل بدوره مع مدير مستشفى القوات المسلحة بالمعادى وتم الاتفاق أن يوضع الجثمان فى ثلاجة المستشفى ليلة الأحد.

وعمد فؤاد إلى إخفاء ساعة الوصول ليس فقط حتى لا يرهق شعب مصر بانتظاره فى المطار البعيد، بل أيضًا لأنه حتى تلك اللحظة لم يكن متأكدًا من أن الدروز سوف يتركون النعش يطير إلى القاهرة.. كان آخر ما قاله لهم إن وصية فريد الأطرش أن يدفن إلى جانب شقيقته أسمهان فى تراب مصر الطيب.. وعلى الرغم من أن تلك الوصية هدأت من روعهم قليلًا، وبدا لفؤاد أنهم اقتنعوا لكنه مع ذلك لم يكن يأمن ردة فعل الجموع الهادرة من العشيرة التى سترى الجثمان خارجًا من المستشفى على المطار.. فقد تدفعهم العاطفة إلى استبقاء ابنهم ليُدفن فى أرضه.. لذلك فقد قال فؤاد الأطرش ليوسف السباعى:
أرجو أن تعدوا العدة للجنازة لكن لا تلومونى إن لم يصل الجثمان.

لكن على أى حال وصل الجثمان يوم السبت ٢٨ ديسمبر ١٩٧٤ إلى صالة مطار القاهرة، وكان فى انتظاره برغم إخفاء الموعد مئات من أبناء الشعب المحبين لفريد وعشرات الأصدقاء.. لكن على عهدة مجلة «الشبكة» التى كانت حاضرة لم يكن هناك فنان واحد فى المطار.. وأجهش فؤاد بالبكاء وترك الأصدقاء ينجزون كل شىء.. شهادة الدفن فى هذه الحالة يعطيها مفتش الصحة فى المطار.. وكان الرجل من محبى فريد فأجهش هو الآخر بالبكاء وهو يكتب الورقة.. والتف موظفو المطار الذين يعرفون فريد ويعرفهم جيدًا وبينهم كلام وحوار وضحكات وابتسامات فى كل سفرية لفريد الذى كان يتسم بالتواضع الشديد معهم.. لذلك سبحت أعينهم فى الدموع وهم يساعدون فى حمل جثمان صديقهم فريد الأطرش من الطائرة إلى سيارة دفن الموتى المرعبة التى أخذت الجثمان إلى مستشفى المعادى كما رتب وزير الثقافة.. ووراءها سيارة أخرى تقل فؤاد ومعه صحفى «الشبكة» الذى رصد تعبيرات فؤاد الحزينة وهو يرى السيارة التى تحمل أخاه أمامه تسير بسرعة فقال بصوت شققه الحزن:
قولوا لهم لمَ تتعجلون؟ مهلًا ففريد كان يحب الحياة.
ثم روى مفارقة حزينة:
رفض فريد أن يمشى بسيارته فى طريق صلاح سالم وهو يترك مصر للمرة الأخيرة، وقال إنه طريق مقابر وهو يحس بالانقباض منه.
وبعد دقائق وصل الجثمان أخيرًا إلى حيث يبيت ليلته الأخيرة داخل ثلاجة الموتى بمستشفى المعادى ليكون جاهزًا لمقابلة أحبائه للمرة الأخيرة فى الثانية عشرة ظهر ثانى يوم الأحد ٢٩ ديسمبر ١٩٧٤.

جنازة لها العجب
قبل جنازة فريد بيومين فقط كان ميدان التحرير لم يخمد فيه بعد غبار الآلاف الذين جاءوا لتشييع جنازة رجل أكتوبر المشير أحمد إسماعيل وزير الحربية الذى كان له فى عنق المصريين جميل بقيادته الراشدة للجيش المصرى فى حرب استرداد الكرامة المهدرة فى ٦٧.. وكانت جنازته حاشدة بالفعل، لكنها كانت عسكرية منظمة، فهى جنازة وزير حربية مصر فى النهاية لذلك سارت الجنازة بهدوء ونظام دقيق كما رُسِم لها تمامًا.
جاءت جنازة فريد بنفس خط السير، لكن كان صعبًا السيطرة عليها لأنها جنازة شعبية وليست عسكرية وعواطف الناس جياشة، كما أن وفود لبنان كانت قد بدأت فى التدفق خلال تلك الليلة حتى صباح يوم الجنازة.
تحرك موكب النعش من مستشفى القوات المسلحة بالمعادى إلى مسجد عمر مكرم بميدان التحرير، وكانت الألوف قد احتلت الشوارع حول المسجد وسدت الطرقات إليه، وتدخلت قوات الأمن التى كانت هناك بالمئات لتفسح طريقًا للنعش داخل المسجد.
وفى السرادق الذى نصب فى ساحة أرض التحرير ازدحم الألوف من أبناء الشعب ووفود المعزين من كل الأقطار العربية، وظهر فؤاد الأطرش متهالكًا لا يكاد يقف إلا ليهوى على مقعده وظل منير الأطرش الأخ غير الشقيق محافظًا على تماسكه، والسرادق يتضخم كل ثانية حتى ضاق بمن فيه وصار وجود مقعد داخل السرادق معجزة.
بدا أن الأمور ستخرج عن سيطرة المُنظمين قبل وصول النعش من المعادى وأمسك الأصدقاء واحدًا تلو الآخر بالميكروفونات يحاولون أن يفرضوا النظام أو ينظموا الشلالات البشرية الهادرة فى اتجاه ميدان التحرير من كل الشوارع المؤدية له: يا حبايب فريد اخلوا المقاعد لضيوف البلد القادمين من بعيد، يا من تحبون فريد افتحوا طريق للداخلين وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا، كلها نداءات تبخرت عبر فضاء ميدان التحرير الذى كان يرج رجًا بهتافات الناس للتكبير والتهليل والدعاء للفقيد.
وفى كل ذلك كان الأمن يحاول المساعدة قدر الإمكان دون التدخل بعنف بناء على أوامر وزير الداخلية الذى أكد حرصه على أن تكون الجنازة كما أرادها فريد، شعبية طبيعية دون تدخل أمنى شديد عكس ما حدث قبل يومين فى جنازة المشير أحمد إسماعيل الذى فرض نظامًا صارمًا كونها جنازة عسكرية.

وصل يوسف السباعى إلى ميدان التحرير ومن أول نظرة أدرك الرجل استحالة خروج الجثمان فى مساره الذى رُسِم له من المسجد بشكل طبيعى، فاجتمع السباعى مع العائلة والمنظمين محاولين البحث عن مخرج آمن للجثمان للخروج بسلام إلى مثواه الأخير، فجاء اقتراح بدا أنه الأقرب للتنفيذ، وكان عبارة عن خديعة للجماهير بأن يخرجوا نعشًا فيه ثقل ليحمله الناس وكأنهم يحملون فريد.. وما إن تنشغل الجموع بالنعش المزيف يكون نعش فريد خارجًا من الباب الآخر دون أن يعرف أحد، لكن السباعى رفض هذا المقترح خوفًا من اكتشاف الأمر من قبل المشيعين ما قد يتسبب فى خلخلة للأمن، فكانت خطة السباعى البديلة للخروج الآمن للنعش من المسجد هى اختصار مسيرة الجنازة وتجىء سيارة نقل الموتى عند باب المسجد لتنطلق به مباشرة بعد أن يكون الجنود والمتطوعون منغمسين فى صنع طريق فى الاتجاه الآخر كتمويه لتكديس المشيعين حول الصفين فيخلو الطريق أمام سيارة الموتى لتأخذ الجثمان وتنطلق به من الناحية الأخرى.
وبدأ بالفعل تنفيذ خطة السباعى، وكادت تفشل بعد أن انتبه طلبة المعاهد الموسيقية الذين عسكروا حول المسجد من الصباح الباكر مع جمعيات محبى فريد القادمة من المحافظات، وكذلك وفود النقابات المهنية وبدأت باقات الورود تلتف حول السيارة وزاد التدافع من عنف الموقف، لكن السيارة استطاعت مع بعض الخسائر فى أجزاء كثيرة منها أن تخرج من هذا الفيضان البشرى، وتشق طريقها مُسرعة فى اتجاه القبر المفتوح منتظرًا نزول فريد بجوار أخته أسمهان.
كان المنظر مهيبًا بالفعل والآلاف يبكون وهم يشاهدون سيارة فريد تخبو ويلتهمها طريق الكورنيش، وسار النعش فى شوارع طالما أحبها فريد ومشى فيها منتشيًا مسرورًا أو أطل عليه من بلكونة مملكته فى عمارة الجيزة، ووصلت السيارة أخيرًا إلى المقبرة لتفاجأ بزحام آخر حول المقبرة ووجدت القوات صعوبة شديدة فى أن تفسح الطريق أمام النعش فتوقف الموكب لدقائق وصلت فيها قوات أخرى لدعم القوات الأولى، فجاءت القوات مدججة بالخوذات والعصى لعل هيئتها تدفع الحشود حول القبر إلى تنظيم صفوفهم.
كان القبر الذى بناه فريد قبل سنوات قد فتحته الأسرة منذ الصباح الباكر لاستقبال الضيوف والمعزين فى انتظار حضور الجثمان من عمر مكرم، وكانت ساحة القبر تمتلئ بسيدات أسرة الأطرش والصديقات من الفنانات ليلى فوزى ومريم فخرالدين وهدى سلطان، أما فاتن حمامة وفايزة أحمد فقد جاءتا للتعزية ولكنهما ذهبتا قبل قدوم الجثمان.
حول القبر التف المحبون باكين بصدق فراق فريد والأعين تتحجر بالنظرة الأخيرة على الجثمان وهو يستوى فى المنتصف بين أخته الحبيبة أسمهان عن شماله وأمه عن يمينه، ويرتفع صوت المشايخ بالدعاء وسط ملحمة بكاء ونهنهة من الواقفين على رأس القبر، هدى سلطان تبكى بحُرقة وليلى فوزى تنهنه كطفلة وجلال معوض وصلاح ذوالفقار وأحمد فؤاد حسن وسيد إسماعيل ومحمد الديب الكل يبكى وتسبقه دموعه.

وقد رصدت عدسات الكاميرات صورًا حزينة لمحرم فؤاد وهو منهار بجوار النعش قبل خروجه من عمر مكرم، وصورة أخرى يقف محمد سلطان وسمير صبرى وحسين فهمى فى حالة حزن عميق داخل المسجد، وكان عبدالوهاب قد جاء فى الظهيرة، وحاول أن يشق الطريق إلى المسجد بسيارته لكنه فشل، أما أم كلثوم فكانت تصارع مرض الموت حينها، وجاء المهندس محمد دسوقى ابن أختها عن نفسه ونائبًا عن «الست»، ومحمد الموجى وبليغ حمدى وأحمد الحفناوى وعمر الحريرى كمال الشناوى وغيرهم ممن لم تسجلهم كاميرات الصحافة ولا أقلام الصحفيين حينها. أما شادية فقد سجلت مجلة «الشبكة» على لسان فؤاد أنها أُصيبت بانهيار عصبى أقعدها فى الفراش بعد أن عرفت بموت فريد فأصابتها حالة اكتئاب حاد وكلمت فؤاد فى التليفون تعتذر عن عدم حضور الجنازة وتطلب منه أن يصطحبها إلى قبره لتقرأ له الفاتحة بعد أن تقف على قدميها.
وأُغلق القبر على فريد لينفرد أخيرًا بالأحبة.. الأولى أخته الغالية التى اختطفها الموت فجأة منذ منتصف الأربعينيات تاركة له اللوعة والحزن المقيم، والثانية أمه علياء المنذر المرأة الحديدية التى لولا قوة بأسها وشراستها فى حماية صغارها ما استطاع أن يضع قدمه على أول طريق المجد الذى أوصله لمشهد جنازته الشعبية المهيبة كرمز من رموز الفن المصرى والعربى لا ولن ينطفئ بريقه أبدًا.







