كنز عمره 40 سنة
حوار لم يُنشر من قبل.. توفيق الحكيم: لست عدوًا للمرأة لكن أفضل لها «تعمل صينية بطاطس» ليأكل زوجها من صنع يدها!
- هذا الحديث جرت وقائعه يوم الثلاثاء 15 أبريل 1987 فى شقته بالدور الخامس على نيل مصر بحى جاردن سيتى
- الشعراء الشباب تعاملوا معى مثل رجال الدين الذين كلما اقتربت من الدين أرهبونى
- لم أستخدم أسلوب الدعابة المعروف بالإعلانات فى الصحف عن كتبى
- حكايات عداوة المرأة طلعتها هدى شعراوى لأنى كتبت إن المرأة ترجع للبيت لتقوم بمسئولياتها
- الصحفيون «طلعوا عليا حاجات» وما دام ليس فيها ضرر فلا أنفيها ولا أكذبها
- مصر تضررت من القذافى لأنه كان يرسل لنا قنابل ومتفجرات وإرهابيين ليقتلونا
- أعتبر أن الإنسان مختار فقط فى عشرة بالمائة والتسعين بالمائة مجبر فيها
- اشترطت على زوجتى ألا تظهر معى فى المجتمعات وأن تظل بعيدًا عن الأضواء
- حماية الحضارة الإنسانية تقتضى القضاء على الإرهاب بنفس سلاحه
- زوجتى كانت تقرأ كتاباتى وكانت لها ملاحظات ولكننى لم أكن آخذ بها
لم يكن هذا حوارًا للنشر بقدر ما هى دردشة أو ثرثرة مع أستاذى توفيق الحكيم الذى منحنى فرصة العمر حينما سمح لى بإجراء حديث معه فتح لى باب العمل فى الصحافة، وكان يدعونى للقائه فى بيته أسبوعيًا كل يوم سبت، وهو ما لم يحدث لصحفى من قبل كما قالت لى ابنته زينب، التى سماها على اسم السيدة زينب حاميته كما يحب أن يصفها، ومن ثم كان لقائى بتوفيق الحكيم خارج العلاقة الصحفية، ولذلك كان يتحدث على راحته بغير تحفظ، ولذلك كنت حريصًا على تدوين أحاديثه أولًا بأول، فكان هذا الحديث الذى جرت وقائعه يوم الثلاثاء ١٥ أبريل ١٩٨٧ فى شقته بالدور الخامس على نيل مصر بحى جاردن سيتى، ومن الطريف أن توفيق الحكيم قد عرّفنى على الست منصورة مديرة بيته الأمينة- التى أهدتها له أمه أسما البسطامى- والتى أحرجتنى ذات يوم حينما طلب منى الحكيم زيارته فى غير المواعيد الصباحية التى عودنى عليها، كان الوقت بعد المغرب، ولم تدعنى منصورة أدخل محتجة أن البيه نائم، رغم أننى حاولت إفهامها أن البيه هو الذى كلمنى منذ نصف ساعة وطلب حضورى، ولكن بلا فائدة، ويبدو أن الحكيم عاتبها فى تلك الليلة وقال لها إننى بلدياتها، ولذلك استقبلتنى هذه المرة بمودة على مسمع من توفيق الحكيم نفسه.

بعد أن فتحت لى منصورة الباب سألتنى وكأنها تريد أن تتأكد: إنت من دمنهور؟ ولما أجبتها قالت لى: منين فى دمنهور.. شبرا ولا أبوالريش ولا أبو عبدالله؟ قلت لها: من شبرا، وسألتها عن آخر مرة ذهبت فيها إلى دمنهور، ففاجأتنى بأنها تركتها منذ ثلاثين سنة- وأثناء هذا الحوار سمعت صوت عصا الحكيم تدق الأرض، فذهبت إليه.. ويبدو أنه سمع طرفًا من حديثى مع منصورة فأخبرنى بأنه لما قال لها إننى من دمنهور انبسطت جدًا.
وبادرنى الحكيم بقوله: أنا كتبت لك مقالًا عن «الشعر الحر»، واخترت لك نماذج من الشعر الذى أتيتنى به- وكنت قد أحضرت له بعض الدواوين التى أهداها له بعض الشعراء استجابة لدعوته للاطلاع على قصائدهم ليرى إذا كان بها ما يستحق الاستمتاع به أم لا، وكان ذلك أثناء المعركة الأدبية التى نشأت بين الحكيم وشعراء القصيدة الجديدة والتى شرفنى بإدارتها على صفحات مجلة «الإذاعة والتليفزيون»، والتى بدأها بمقال اتهم فيه هؤلاء الشعراء بأن شعرهم صدى لشعر إليوت والشعر الأوروبى، ونصحهم بأن يلتزموا نهج القرآن الكريم فى شكله، لتكون لهم جذور عربية، وكان طبيعيًا أن يدافع الشعراء عن قيمتهم المستمدة من الشعر الحديث، والتى يحاول الحكيم- فى نظرهم- أن يهدمها على آخر الزمن. بعضهم رد بهدوء، وبعضهم تكلم بعنف متهمًا الحكيم بأنه يريد أن يثير زوبعة يلفت بها الانتباه إليه كلما غابت الأضواء عنه، وقد أبدى الحكيم غضبه منى لأنى سمحت بنشر هذه الآراء العنيفة، وفاجأنى بقوله: أنت فشلت هذه المرة، فأوجعنى. ولم أمتلك إلا أن أبلع ريقى وقلت له كاسف البال: ليه يا أستاذنا؟ فقال لى: إنت موش عارف تجيب شعرا يتكلموا، قلت له: هؤلاء هم الشعراء الموجودين على الساحة وأبرز نجوم القصيدة الحرة.
ويبدو أن الحكيم لم يقتنع ومضى غاضبًا: إيه اللى اسمه شوشة ده ولا شواشى ده- كان يقصد الشاعر فاروق شوشة الذى كان أكثر المهاجمين حدة لتوفيق الحكيم، ذلك رغم أن الحكيم طالما أهداه كتبه التى كنت أقدمها له بنفسى.

وعاد الحكيم لملامتى لأن الإعلان فى التليفزيون كان عن نشر مقاله فى المجلة باسمه قائلًا: إن أى شىء بقلمه يحتاج أن يراجعه بنفسه، قلت له: لا دخل لى بكتابة إعلان المجلة، ومن ثم لا ذنب لى فى ذلك، فقال لى الحكيم وهو بين الملاينة والملامة: أعرف ذلك ولكن كان يجب أن تقول لهم ذلك.
وكنت قد جئت للحكيم من قبل بنماذج من شعر شعراء القصيدة الحديثة ورسائل من بعضهم، ثم غبت عنه فترة عدت بعدها أسأله عن رأيه، فرد على سؤالى بسؤال: هل ما زالت قضية الشعر يمكن الحديث عنها بعدما تكلمنا عنها من قبل؟، قلت له: إنها قضية صالحة للكلام عنها وفيها فى أى وقت، وسألنى سؤالًا عجيبًا: وإنت عندك مساحة تنشر فيها؟- إذا لم تكن مساحة لتوفيق الحكيم فلمن تكون؟!- ويبدو أن الحكيم أراد التوقف بعد أن أحبطته ردود الشعراء عليه، ولكننى شجعته على استكمال دعوته وطمأنته أن المساحة موجودة ومفتوحة لما حضرتك تكتب وتعطينى المادة لنشرها، فسألنى: وإنت عايزها إمتى؟، فأجبته: فى الوقت اللى تكون حضرتك جاهز بردك، فمتى تريدنى لاستلامها؟، قال لى- وكنا يوم السبت- كلمنى يوم الثلاثاء فى العاشرة صباحًا.
وودعته حتى حدثته فى الموعد المذكور فطلب حضورى إليه فورًا، وأعطانى رده مكتوبًا فى صفحتين، وقد انتزع صفحات من دواوين الشعراء التى أهدوها له ووضع خطوطًا بالقلم الرصاص حول الأبيات التى اختارها لهم لنشرها، واستبعد قصيدة فاروق جويدة وكتب عليها بالقلم الرصاص: جريدة «الأهرام».. يرسل لفاروق جويدة ينشرها عنده فى «الأهرام»- وقال لى الحكيم إن مقاله هذا كان يمكن نشره فى «الأهرام»، ولكن ما دمت أنت اللى أثرت القضية فلابد تنشرها فى مجلة «الإذاعة والتليفزيون» ما دام محمد جلال- رئيس التحرير- سيعطيك صفحتين وثلاثة تكتب فيها أحسن من «المصور»- التى تركتها بسبب التضييق علىّ فيها- اللى حاربوك واستغربوا إنى أديلك حديث تنشره هناك.
وقلت له بسذاجة: وإيه المانع لما تنشر مقالك عن قضية الشعر فى «الأهرام» بحيث تبقى قضية عامة؟، فنبهنى أن ذلك ليس فى مصلحتى قائلًا: يبقى جهدك كله راح ويُنسب الفضل لـ«الأهرام»- ما أجمل أستاذى توفيق الحكيم الحريص على رعاية شاب صحفى لم يُعيّن بعد! فيلقى بثقله لتشجيعه ودفعه للنجاح.

وجاء رد الحكيم على الشعراء الذين هاجموه ليؤكد لهم أنه كـ«قاضى» لم تكن لتقنعه كل المرافعات دون دليل، والدليل هو نماذج الشعر التى أرسلوها له، وأنه- لحسن الحظ- قد وجد فى شعرهم «عرق الذهب» كما يجد الباحثون «عرق الذهب» فى أكوام التراب والحصى والرمل الذى كثر دون أن يكون فيه شىء، فقد كثر الدجالون، وقال الحكيم: إن الشعر الحر لا يخلب الأسماع كالشعر التقليدى، ولكنه بالتحليل والفهم يمكن استخراج المعانى الجيدة منه، وأضاف: إن التفعيلة التى يستندون إليها لا داعى لها ما داموا قالوا «القصيدة الحرة المتحررة من كل القيود» مثل الفارس الذى يحطم درعه ويقاتل بثقة فى نفسه، وهكذا الشعر الحر قد ترك القيود ليثبت وجوده بذاتيته التى هى فيه.
وفى تلك الفترة أجرى أديبنا الكبير يوسف القعيد حوارًا مع توفيق الحكيم لمجلة «المصور» سأله فيه: ولماذا تدخل معركة فى هذه الأيام ضد الشعراء الشبان؟
وأجاب الحكيم: لم يفهمنى الشعراء الشبان، وكانوا معى مثل رجال الدين الذين كلما اقتربت من الدين أرهبونى، هم أيضًا إذا اقتربت من الشعر الحر هاجوا وماجوا، وأنا أحب التجديد، أريد أن أقدم لهم السند الحقيقى، أنا معهم، الذى كان ضدهم بعنف عباس محمود العقاد الذى اعتبر شعرهم نثرًا، وأنا لا أقول هذا، بل أقول لهم: لقد ضيعتم الأساس الذى يمكن أن يدعمكم، الحق معكم ولكن لا تفهمونه، لماذا تستعينون بإليوت؟ الشعر الحر عندنا قبل ألف وأربعمائة سنة، ابدأوا بالقرآن، واقرأوا السور المكية على وجه الخصوص «تبت يدا أبى لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب»، إيقاع واضح رغم كسر عمود الشعر «وما علمناه الشعر وما ينبغى له»، وموسيقى، ولكن ليس له وزن ولا قافية، هذا ما فعله القرآن وليس إليوت، فاستندوا على القرآن بدلًا من البحث عن سند واه. قلت لهم فهاجمونى، وأسمى هذا «سوء دفاع» عن قضيتهم. أنا أؤيدهم وأبحث لهم عن سند قوى، وهم لا يعرفون كيف يدافعون عن شكلهم الشعرى.

ووجدت الحكيم قد أحضر لى عددًا من نسخ كتابه «يقظة الفكر» لأقوم بإهدائها إلى بعض الشخصيات الأدبية ومنها فاروق شوشة، وهو ما أدهشنى، لأنه فى اللقاء السابق كان غاضبًا عليه وساخرًا منه لعنف رده على الحكيم فى قضية «الشعر الحر»، وأشهد أنى قد أصلحت بينهما بطريق غير مباشر، فرغم تهرب فاروق شوشة من إعطائى أحد دواوينه الشعرية لإهدائها للحكيم، إلا أنه كان عندى نماذج منها مما كان يذيعه له التليفزيون بصوت سامية صادق بعنوان «الليل موعدنا»، وقدمتها للحكيم باعتبارها إهداء من فاروق شوشة، مما لفت نظر الحكيم وجعله متشككًا فى الأمر، فكيف يهاجمه شوشة ثم يهديه؟، ولذلك قال لى الحكيم: هو فاروق شوشة اللى أعطاك الشعر ده؟!، فقلت له: إنه مكتوب مباشرة بقلمه وخط يده. ولكن الحكيم لم يكن مصدقًا فعاد يسأل: هو عارف إنك ستعطينى قصائد شعره؟، فأكدت له ذلك- ولم يكن ذلك صحيحًا، وقد استندت فى تصرفى هذا إلى مبدأ إسلامى وهو جواز الكذب فى حالة الصلح بين متخاصمين، فيقال على لسانهما من حسن قول كل منهما فى حق الآخر ما يخفف الخصومة أو يزيلها، ولذلك لما ذهبت بإهداء الحكيم كتابه لفاروق شوشة قلت له: يظهر الأستاذ توفيق الحكيم بيحبك جدًا لدرجة أنه لا ينساك فى كل كتاب يصدره، فقال متشككًا: بيحبنى؟ وابتسم وهو يفض مظروف كتاب الحكيم، وصارحته: أرجو ألا تغضب إذا قلت لك إننى أهديت الأستاذ الحكيم نماذج من أشعارك دون إذنك، وقد اختار منها ما سوف ينشر فى مجلة «الإذاعة والتليفزيون»، فقال شوشة بلهجة المستسلم: الأمر لك يا إبراهيم، فقلت له: العفو.. بل الأمر لك أنت.
وكان إهداء الحكيم كتابه «يقظة الفكر» إلى الدكتور لويس عوض الذى استقبله متصفحًا عناوينه قائلًا: آهو بيسلى نفسه!، وانتقد توفيق الحكيم ود. زكى نجيب محمود قائلًا إنهما بدآ مؤمنين بالفكر الغربى ثم انتهيا إلى الإيمان بالغيبيات- مشيرًا إلى كتاباتهما الدينية- وعلل أن ذلك هو سبب الانفصال بين جيل الرواد وجيل الشباب، حيث يبحث جيل الرواد عن حل مشاكل المجتمع فى الغيبيات، وهو ما لم يصدقه الشباب لأنه رأى أن تربية هؤلاء الرواد تتنافى مع ما يدعون إليه اليوم من الغيبيات، وأضاف لويس عوض: إن مصر محتاجة إلى قاسم أمين جديد يحررها من أفكارها العتيقة.

أما الناقد السينمائى رءوف توفيق، فقد استقبل إهداء الحكيم كتابه له قائلًا: لا يزال توفيق الحكيم يكتب كلامًا مفيدًا، فقلت له: ولكن من يقرأ ومن يسمع، فأمن على كلامى قائلًا: لا أحد يقرأ ولا يسمع. أما الإهداء الثالث فكان إلى الأديب عبدالفتاح رزق الذى قال لى إنه رغم خلافه مع توفيق الحكيم حول «عودة الوعى» فإنه يبدو أنه قد أصلح أفكاره فى «يقظة الفكر»، فاستدركته: هو لم يصلح أفكاره لأن أفكاره صالحة بالفعل، و«يقظة الفكر» موضوع آخر غير ما تعتقد ولا علاقة له بـ«عودة الوعى»، فقال لى: على كل حال أنا أحب توفيق الحكيم وأرجو أن تبلغه إن كل عقلى وكيانى متربى على كتبه «عودة الروح» و«أهل الكهف» وكل كتبه، وأنا تلميذ من تلامذته.
وسألنى عن علاقتى بتوفيق الحكيم، فرويت له قصتى معه باعتباره صاحب فضل علىّ لن أنساه، وأنا متعهد بتوصيل مؤلفاته إلى من يحبهم، يعنى أنا بوسطجى توفيق الحكيم، فقال لى عبدالفتاح رزق: يا ريت أكون أنا البوسطجى ده.
ولما كنت مقدمًا على نشر أول كتاب لى «رمضان الذى لا نعرفه»، فقد أردت أن أستطلع رأى توفيق الحكيم من خلال التعرف على تجربته فى نشر أول كتاب له، فقال لى: حكاية النشر لم تكن فى بالى أبدًا، صحيح أننى كنت أكتب روايات ولكننى كنت أحتفظ بها لنفسى، لأننى كنت أعمل فى سلك القضاء وكيلًا للنيابة، ولا يمكننى أن أعمل بالأدب، لأن هذا يتنافى مع ما للقضاء من قدسية وتكريس كل وقتى له، ولذلك كان إعراضى عن السعى لنشر أى مؤلفات، أو حتى مجرد التفكير فى هذا الأمر، فأنا عندى السبب الذى من أجله لا أريد النشر وطبع الكتب، ولكن أحد زملائى القضاة جاءنى ذات يوم وقال لى: أنا عارف إنك من زمان بتكتب وبتألف، يا ريت لو تدينى حاجة أتسلى بها فى إجازتى، فأعطيته مسرحية «أهل الكهف»، وسافر بها ومضى وقت كدت أنسى أننى أعطيته شيئًا حتى وصلنى منه خطاب يقول لى فيه إنه اتفق مع إحدى دور النشر لطبع «أهل الكهف» لأنه وجدها جيدة وفيها ما يستحق النشر، فغضبت جدًا منه وقلت له: إن هذا لا يصح لأنه لا يمكن لى كوكيل نيابة أن أكون مؤلف روايات، والناس تعرف ده عنى، أعمل إيه لما أقف أمام ممثل الدفاع ويقول عنى وأنا ممثل الاتهام: إن النيابة بتسرح وتألف روايات. وتضيع القضية من إيدى، وأبقى وكيل نيابة فاشل.
فقال صديقى القاضى: المسألة محلولة.
قلت له: محلولة إزاى وإنت عاوز تحل مستقبلى وتضيعنى، ومستقبلى فى النيابة موش فى التأليف.
قال زميلى القاضى: إنت تغير اسمك!.
فقلت له متعجبًا: أغير اسمى ليه.. هو أنا ممثل علشان أعمل اسم شهرة؟!
قال: إنت تغير اسمك المعروف باسمك غير المعروف يعنى موش هتخترع لك اسم جديد.
قلت له: يعنى إيه.. هى فزورة؟
قال: لا فزورة ولا حاجة.. انت اسمك إيه؟
قلت له: اسمى حسين توفيق الحكيم.
قال: واسم الشهرة إيه؟
قلت: الاسم الذى يعرفوننى به فى النيابة هو حسين الحكيم.
قال زميلى القاضى: خلاص نخللى اسمك على الكتاب «توفيق الحكيم»، وما حدش هيعرف إنك مؤلف «أهل الكهف» اللى هننشره.

وقال لى الحكيم: وافقت على مضض مترددًا، وسألت زميلى القاضى: وأين ستنشر الكتاب؟، فقال لى: فى مطبعة مصر التى أنشأها طلعت حرب، وعنده ناشر عنده ضمير اسمه سكر، قلت له: وسكر ده هينشر الكتاب مجانًا؟، قال لى: لا طبعًا.. أنا اتفقت معه على إنى أدفع له عشرين جنيهًا- ولكننى طلبت منه ألا يدفع شيئًا، لأننى أستطيع أن أدبر العشرين جنيهًا من الثلاثين قرشًا التى أحصل عليها كبدل سفر للانتقال لمعاينة الجريمة لما تحصل، وثلاثين قرش على ثلاثين قرش، أقدر أدفع العشرين جنيه.
ويتذكر الحكيم قائلًا: ولكننى فى قرارة نفسى كنت أتمنى ألا يتم طبع الكتاب لأظل بعيدًا عن أى شوشرة قد تؤثر على عملى فى النيابة، واستجاب الله لى.. لأقرأ فى الصحف أن الناشر قد انتحر لظروف خاصة به، وحمدت الله إن عملية النشر مرت على خير، وطلبت من صديقى القاضى أن يعطينى «أهل الكهف» بعد انتحار سكر، فقال لى: وإيه يعنى.. ما ينتحر.. الاتفاق ماشى، والرواية اتجمعت فى المطبعة.
وعلق الحكيم: وسلمت أمرى لله، وطُبعت «أهل الكهف» وأحدثت رد فعل طيبًا، والصحفيين يأتون لإجراء أحاديث معى، فوجدت إنى لازم أترك القضاء، وطلبت نقلى لوزارة المعارف، فالعمل هناك يناسب وضعى الجديد كأديب ومؤلف روايات.
قلت للحكيم: ولكن رغم ترددك.. بل عدم رغبتك فى عدم نشر كتب لك.. إلا أنك بعد ذلك أصبحت تسعى للشهرة ولفت الأنظار.. مرة بإعلان عداوتك للمرأة، وأخرى بتشجيعك على نشر اتصافك بالبخل، وثالثة باقتران الحمار والعصا والبيريه بشخصيتك.. فما هى الحكاية.. هل وجدت الشهرة حلوة فرحت تزين لها كل وسائلك؟.
استمع إلىّ الحكيم بصبر حتى انتهيت ثم أجابنى بجدية زائدة: أنا وجدت أن لى رسالة ككاتب، وأظن كتبى تقول إنه كانت لى رسالة، وصاحب الرسالة لا بد أن يعلن عنها بكل الوسائل المشروعة.
أكدت رؤيته: هذا كلام صحيح تمامًا. وأضاف: حتى أصحاب الرسالات كانوا يعلنون عن أنفسهم، وإلا ما كان لهم رسالة، وإلا كيف يعرف الناس الرسالة التى جاءوا بها إذا لم يعلنوا عنها.
وافقته قائلًا: مصداقًا لكلامك يا أستاذنا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عرض نفسه على الحجاج بعدما رفض قومه دعوته، وذهب إلى الطائف أيضًا يعلن عنها.
قال الحكيم مؤكدًا: وهكذا يجب أن يكون كل صاحب رسالة، وليست بروباجندا كما يقول البعض- إشارة إلى أحد الكتّاب الذى جعل عنوان مقاله «بروباجندا توفيق الحكيم»- ومن الغريب لما الواحد منهم تأتى له فرصة للظهور يجرى عليها ويتمسك بها حتى لو لم يكن لديه ما يستحق. ولكن أنا عندى ما يستحق الإعلان عنه والدعاية له، وأنا لم أستخدم أسلوب الدعابة المعروف بالإعلانات فى الصحف عن كتبى، وأنا أتحدى أى إنسان أن يثبت أنى نشرت إعلانًا واحدًا عن أول كتاب لى وهو «أهل الكهف»، ومن يثبت لى أننى عملت إعلانًا عنه سأدفع له ألف جنيه، وأنا دائمًا أنصح ناشر كتبى إنه ما يعملش إعلانات لأنها ستضيع وسط إعلانات أخرى، ولكن وسيلتى إنى أهدى كتبى للكتّاب والصحفيين يكتبون عنها ويفيدون القارئ ويجذبونه لشراء كتبى.
وأضاف الحكيم: أما حكاية إنى باطلع على نفسى حاجات للشهرة، فهذا غير صحيح، لأن أغلبها حاجات طلعها علىّ الصحفيين، وما دام ليس فيها ضرر فلا أنفيها ولا أكذبها، ولا أؤكدها ولا أثبتها، ما داموا قالوها هكذا.. خلاص، قالوا إنى «بخيل»، بخيل. بخيل.
وذكّرت الحكيم بما قاله عن أم كلثوم عندما كانت تأتيه ليتبرع لمشروعاتها الخيرية فلا تجد معه شيئًا ولا تستطيع أن تأخذ منه إلا القليل.
قال الحكيم: هو كده- مضيفًا: أما حكاية عداوة المرأة فطلعتها هدى شعراوى لأنى كتبت إن المرأة ترجع للبيت لتقوم بمسئولياتها تجاه أسرتها، وأفضل لها إنها تعمل صينية بطاطس ليأكل زوجها من صنع يدها.
وسألت الحكيم عن حكاية البيريه، فقال: لأن السائد كان لبس البرنيطة، وكان العرف السائد لما واحد يسلم على واحد يقلع له البرنيطة كنوع من الاحترام، فأنا وجدت إنى لما أخلع البرنيطة هاخد برد، فدورت على حاجة ما قلعهاش.
قلت له: وحكاية العصا.
قال: أنا أستخدمها من أيام ما كنت فى النيابة، واستخدمتها وسيلة للحوار هى والحمار.. وهذا موجود مثله فى الآداب العالمية.
سألته: وكيف جاءتك فكرة الحوار مع الحمار؟
أجابنى الحكيم: لأن كان فيه حمار فعلًا اشتريته واقتنيته وكتبت عنه.

وذكرته: وجئت له ببزازة تشربه بها اللبن، فضحك الحكيم وقال: مثل هذه الوسائل لا بأس بها ما دامت عندى رسالة، وبرنارد شو كان يفعل مثلما أفعل، وكان يرتدى ملابس يلفت بها الأنظار، وغيره من الكتّاب المشهورين كانوا يفعلون ما يلفت إليهم الأنظار، لأن عندهم ما يستحق أن يلتفت إليه الناس من فكر وأدب.
وعدت بالحكيم لحكاية نشره لأول كتاب له لأتعلم من تجربته ما يفيدنى فى طبع كتابى الأول، فقلت له: يبدو إن الواحد لازم يضحى فى البداية.
فقال: حكاية الفلوس هذه دعها للناشر وضميره، إنما تشترط عليه فى العقد ألا يطبع غير طبعة أولى فقط حتى لا يتلاعب، ولما الكتاب يوزع يطبع طبعة ثانية، ولا بد من موافقتك الكتابية، وهيبان لو حب يهرب منك إذا كان طبع طبعة ثانية أم لا.
واقتربت بعد هذا التمهيد من إعلان ما أريده من الحكيم قائلًا: طبعًا حضرتك عارف إن أى مؤلف جديد لا بد له من شخصية مشهورة كحضرتك يعرّفه للناس، وأنا معى بعض فصول كتابى عن «شهر رمضان الذى لا نعرفه» أريد أن أقرأها لك وتكتب لها مقدمة.
فقال لى توفيق الحكيم: عملك هو الذى يقدمك للناس، ولا يمكن لكاتب مشهور أن يصنع كاتبًا جديدًا، أبدًا.. عملك لو فيه حاجة تستحق.. الناس سترحب بها وتقبل عليها، أنا نفسى عملت كده، مفيش حد كان بيكتب لى مقدمات، حتى كتابى الأول لا تجد فيه مقدمات، إنما ما كتبته كان جيدًا نجح، والكتاب المشهورين كتبوا عنه، لدرجة إن طه حسين كان يطلب منى كتبى ليكتب لها مقدمة، فكنت أرفض، فالذى يقدمك هو عملك فقط، أنا أذكر أن إبراهيم ناجى، وكان شاعرًا جديدًا غير معروف، جاءنى يطلب منى مقدمة لديوانه الأول «من وراء الغمام»، وكنا فى الثلاثينيات- من القرن العشرين- فقلت له: إنه لا داعى للمقدمة، ولكنه عندما ينشر ديوانه يعطيه لمحمد الصاوى محمد يكتب عنه فى بابه «ما قل ودل» ويعرّف الناس به. وقصدنى صلاح ذهنى وكان صديقًا أحبه. فلما ألح لكتابة مقدمة لكتاب أدبى له، كتبت له: إن عمله هو الذى يقدمه، وقد عاتبنى د. عبدالحميد يونس وقال لى: هل هذه مقدمة تكتبها لواحد لا يزال يشق طريقه فى عالم الأدب؟. ولكن أنا وجهة نظرى دائمًا هو أن ما يكتبه المؤلف هو المقدمة التى تقدمه للقراء.
قلت للحكيم وما زال أمامى بصيص أمل أن يكتب مقدمة لكتابى: ما قلته حضرتك صحيح، ولكن ألا ترى أن مقدمة منك تفتح لى الطريق أمام القراء.

فقال الحكيم مصرًا على وجهة نظره التى لا يتزحزح عنها: أنت الذى تفتح الطريق لنفسك بنفسك، وكمان إنت بتقول إن كتابك الأول دينى عن شهر رمضان وأنا لو كتبت لك مقدمة له موش هيتوزع لأن الناس هتقول: هو توفيق الحكيم ماله ومال الدين. إنما إنت تروح لواحد شيخ يكتب لك المقدمة، أما أنا فمقدمتى لك ستضرك ولن تنفعك، حتى كتبى الدينية هى أقل مؤلفاتى توزيعًا، فأحسن حاجة لك تروح لرجل دين يقدمك، مثل الدكتور محمد حسين هيكل، وكانت سمعته الدينية ما تسرش، فعايز يؤلف كتاب عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم، فراح للشيخ المراغى شيخ الأزهر وكتب له مقدمة جعلت الناس تصدقه وتقرأ له.
وانتقلت بحديثى مع الحكيم إلى اتجاه آخر فسألته عن قصة زواجه، فقال لى باسمًا: ليه.. هو إنت عايز تتجوز؟
قلت له: عايز أعرف شروطك فى شريكة حياتك لكى أعرف وأتعلم وأبقى على نور وأنا أختار شريكة حياتى؟
قال: مفيش شروط غير إنها تفهمنى وتقدر شغلى وتكون بنت ناس كويسين.
سألته: وكيف تعرفت على زوجتك؟
فحاول أن يصرفنى: مالك إنت والحاجات دى.
قلت له: أبدًا.. هذا للمعرفة الشخصية، ثم إنى أريد أن أعرف كيف يختار المفكر زوجته؟
أجابنى: أنا كنت ماشى لقيت واحد صاحبى ومعاه واحدة، فلما شفته بعد كده سألته: هو إنت اتجوزت ولا إيه؟ قال لى: دى أختى. وراح يحكى لى عنها إنها بتحب الكتب وتقرأ فى الأدب، وأنها مثقفة، فعجبتنى، وقلت له: أنا عايز أتجوزها. واتجوزتها.
صديقك اسمه إيه: مات فى حرب فلسطين ١٩٤٨.
وسألته: فى فترة الخطوبة كنت بتمشى معاها؟
قال: هو زمان كان فيه حاجات من دى؟ لكن لما أزورها يكون فى حضور أهلها، وما تخرجش معايا إلا على بيت الزوجية.
حاولت التحقق منه: هل صحيح إنك اشترطت ما تكونش فيه زفة وإلا هتهرب وتسيب العروسة؟.
أكد لى: صحيح.
سألته عن السبب.
قال: ما أحبش الدوشة.
فعاتبته: والعروسة ذنبها إيه إنها ما تفرحش فى اليوم الذى تنتظره؟
أسكتنى: ما أنا كنت متفق معاها على كده وهى وافقت.
سلمت له وسألته: يعنى كنتم متفاهمين.. لكن هل إنت اتجوزتها عن حب؟
لم ينفِ ولم يؤكد ولكنه أجابنى إجابة مراوغة: كان حبًا زوجيًا.
عدت أسأله: يعنى انت ما حبتش أبدًا؟
أكد لى: ما حصلش.
ذكرته بمغامراته فى باريس و«إيفا» فى «عصفور من الشرق».
نفى قائلًا: مجرد إعجاب فقط بشىء جميل، إنما لم تكن هناك عاطفة يمكن أن تفسر بأنها حب.

تشجعت وسألته: لماذا كنت صريحًا فى ذكر علاقاتك النسائية الباريسية.. ألم يكن من الواجب الاحتفاظ بهذه الصور لنفسك؟
قال: ما هو جان جاك روسو عمل كده، وغيره من كتّاب أوروبا.
عارضته: ولكن الشرق يختلف عن الغرب الأوروبى.
برر لى موقفه: ما دمت أتكلم عن حياتى فلابد أن أكون صادقًا مع نفسى، وما دام ذلك يعرض بشكل محترم فلا ضرر منه.
سألته: متى تزوجت؟
قال: فى سن الأربعين لأنى كنت مشغولًا بتكوين مستقبلى، ولم يكن من الممكن أن أتزوج قبل ذلك حتى لا يشغلنى الزواج عن تكوينى الفكرى.
حاولت أن أعرف: حياتك الأسرية.. هل كان لها تأثير عليك؟.
نفى متأسيًا: لم يكن لها تأثير، ولكنها كانت زوجة طيبة تفانت فى خدمتى إلى درجة ألا تشغلنى بمشاكل ومطالب أولادى إسماعيل وزينب، وكانت هى تتصرف بمعرفتها، وكانت مبالغتها فى الحرص على راحتى لها نتائج سلبية، فلم أكن أعرف شيئًا عن أولادى، وكان يجب أن أشترك فى توجيههم ومناقشتهم وإرشادهم، ولكن زوجتى لم تكن تريد أن تزعجنى عن التأليف، لذلك فوجئت بأن ابنى اتجه إلى الموسيقى وليس عندى فكرة، ولذلك اتفقنا على تخصيص يوم فى الأسبوع نجتمع فيه كلنا لمناقشة كل ما يتعلق بالأسرة، ولكن الحقيقة أن زوجتى، يرحمها الله، لم تكن تريد أن تشغلنى بأى شىء عن عملى، وفهمت أن الحرص معناه أن أبتعد عما يخص الأولاد وحياتهم.
سألته: رغم تحررك الفكرى. فلماذا لم تظهر مع زوجتك فى المجتمع؟.
أكد أنه: اشترطت عليها ألا تظهر معى فى المجتمعات، وأن تظل بعيدًا عن الأضواء، وقد وافقت على هذا، لأن حياتى الخاصة لا شأن للمهتمين بتوفيق الحكيم وأدب الحكيم بها، لدرجة أن كثيرين ممن أعرفهم ظلوا لا يعرفون أننى تزوجت، وظلوا يعرفون أننى أعزب، ولم يعرفوا إلا متأخرًا بأمر زواجى.
قلت له: ألم تحاول أن تصحب زوجتك لزيارة المتاحف والمعالم الأثرية.. أم أن مبدأك المعروف هو أن المرأة للبيت فقط؟
أخبرنى: عندما كنت أعمل فى اليونسكو جعلتها تزور المتاحف فى باريس، حيث كانت لها تذكرة مجانية، ولكنها أفسدت ميزانيتى بشراء ملابس لها وللأولاد.
أما والدة توفيق الحكيم فقد سألته عن تأثيرها عليه، فقال: لا.. ليس لها تأثير، لأنها كانت تأمر فقط ونحن ننفذ.
أما والده فقال عنه: والدى كان يناقشنى بهدوء، وتعلمت منه القدرة على تحمل المسئولية، وإنى لما أشتغل فى اتجاه معين أعطى لشغلى حقه، ولا أنشغل عنه بشىء آخر.

واستدركت الحكيم: ورغم هذا التأثير الإيجابى من والدك إلا أنك اتجهت إلى الأدب والتأليف عكس رغبته فى استكمال دراستك للحقوق فى باريس، فعدت بصناديق كتب بدلًا من الدكتوراه.
فقال: هذا قدر لا اختيار لى فيه، وأنا أعتبر أن الإنسان مختار فقط فى عشرة بالمائة، والتسعين بالمائة مجبر فيها، فهل لو كان لى اختيار.. فما الذى يجعلنى أدفن نفسى فى الكتب وصناديق الكتب، ولا أنطلق فى حياتى وأستمتع بكل لحظة فيها بما يرضى الله.
فجادلته: ولكن لماذا وجد العقل إذا لم يكن الإنسان مختارًا؟
حاول أن يقنعنى: الاختيار فقط هو فى العشرة بالمائة التى قلت لك عليها، وأنا أقول إن الإنسان هو المجبر باختياره.
استفسرت منه: يعنى إيه مجبر باختياره؟
أوضح لى: يعنى كل شىء مقدر، وفى دائرة هذا الشىء المقدر يختار الإنسان ما لا يخرج عن دائرة القدر.
عارضته: هذه فلسفة.
نفى: ليست فلسفة بل هى واقع نعيشه ونحياه، فالظاهر يقول لنا إننا أحرار فى اختياراتنا، ولكن حقيقة الأمر أننا مجبرون على السير فيما نسميه اختيارًا، خذ مثلًا: سيمون ديفوار ما الذى ربطها بسارتر؟ لا يمكن أن يكون مصادفة، فهناك كثيرات، لماذا لم يرتبط سارتر بغيرها؟. صعود الإنسان للقمر مقدر أن يفعله الإنسان رغم غروره أنه وصل بالعلم والتكنولوجيا، وراح يعبد العلم، ولكن كل العلم والتكنولوجيا التى يظن الإنسان فى الغرب أنه امتلك بها مصيره.. سينهار أمام العلم الجديد وهو هندسة الوراثة، ففى خلايا الإنسان ما يحدد مصيره. شقى أو سعيد، طويل أم قصير، عبقرى أم غبى، فلا يملك الإنسان شيئًا، فهو لا يولد مختارًا ولا يموت مختارًا، ولا يعيش حياته مختارًا.
استدركته: والذين ينتحرون.
أكد لى الحكيم: ليسوا مختارين فى انتحارهم، وإنما مقدر لهم أن يفعلوا ذلك.

أعدته إلى رأى الشيخ الشعراوى فى مسألة الجبر والاختيار والمثل الذى ضربه برب الأسرة الذى يعطى ابنه مالًا ويطلب منه أن يشترى به ما يشاء، ولكنه يتوقع من خلال معرفته بسلوك ابنه أنه سيشترى مثلًا كوتشينة وزمارة، وفعلًا يحدث ذلك رغم أن والده لم يتدخل فى اختياره، ولكنه علم بخبرته عنه، فحدث ما توقعه بعد أن قدر أنه سيفعل، وهكذا شأن الله العالم بخلقه والمقدر لأفعالهم بعلمه بهم، دون أن يتدخل فى اختياراتهم، وإلا ما كان هناك مجال لعقاب وحساب الإنسان إذا لم يكن مختارًا. واستدركنى الحكيم هذه المرة: وهذا ما يوقع رجال الدين فى الحرج، فهم يقولون إن كل شىء مقدر، وفى نفس الوقت يقولون إن الإنسان مختار، فيحاولون حل هذه المعادلة بشكل توفيقى يجعل الأشياء مقدر حدوثها، ويجعل الإنسان مخيرًا أيضًا، وإلا ظهرت مشكلة: كيف يعاقب الإنسان إذا كان كل شىء مقدرًا ولا اختيار له فيه؟. وعدت بالحكيم إلى مجرى الحياة السياسية الحاضرة فقلت له: يبدو أن ليبيا كان مقدرًا لها أن تستثير أمريكا فتقوم بضربها- وكانت أمريكا قد أغارت على ليبيا فى الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم الذى كنت فيه عند الحكيم الذى قال لى: ولكن الجرايد لم تذكر شيئًا عن ذلك، قلت له: الطبعات الأولى فاتها الحدث، ولكنها حتمًا ستذكره فى طبعاتها التالية، لكن الخبر أذيع فى نشرات الأخبار بالراديو.
وسألت الحكيم عن رأيه فيما حدث، فقال لى: لا بد من محاربة الإرهاب. هذا شىء مسلم به، والقذافى- رئيس ليبيا فى ذلك الوقت- إذا كانت له قضية.. فالإرهاب وقتل الناس بالقنابل والمتفجرات لن يفيد قضيته، بل كانت النتيجة أن أمريكا ضربته بالصواريخ والقنابل، وأضر بشعبه وراح ضحايا كثيرين، وستدور الأحداث فى دائرة مفرغة. القذافى يفجر قنابل، وأمريكا ترد عليه.
سألت الحكيم: حضرتك مع أى طرف؟.
قال: أنا مع العقل والمنطق، وهو أن القذافى ليس معه حق فيما يفعله، وأى واحد يفعل مثل الذى فعله.. لا حق معه، ومصر تضررت بسببه لأنه كان يرسل لنا قنابل ومتفجرات وإرهابيين ليقتلونا، فلما يتساب كده بدون رادع سيستمر فى أعماله الإرهابية، فكانت ضربة أمريكا له ضرورية رغم اختلافنا مع اتباع هذا الأسلوب، ولكن بشكل عام.. ما حدث كان ضرورة ليعرف القذافى أن أعماله لن تمر بدون عقاب، وأن حماية الحضارة الإنسانية تقتضى القضاء على الإرهاب بنفس سلاحه.

وعدت إلى حياة الحكيم الأسرية وسألته: هل كانت زوجتك تقرأ كتاباتك؟
أجابنى: كانت تقرؤها- استدركته: هل كانت لها ملاحظات.. وهل كنت تأخذ بها؟.
أكد ونفى: كانت لها ملاحظات، ولكننى لم أكن آخذ بها.
استفسرت منه: لماذا؟، ففاجأنى: لأنها لا تقرأ كتبى إلا بعد أن تكون قد طُبعت.
عدت به إلى البداية الافتراضية: هل لو كنت قد أحببت زوجتك الحب العاطفى المشبوب.. هل كان سيكون لذلك تأثير على أعمالك الأدبية.
أجابنى بسرعة: طبعًا.. كنت سأقوم بتأليف روايات حب تبعًا للحالة العاطفية التى أعيشها.
واستأذنت توفيق الحكيم مودعًا، ولما نظرت فى الساعة وجدتها تشير إلى الثالثة والنصف بعد الظهر، إذن فقد جلست مع الرجل الثمانينى خمس ساعات، يا لصبره ويا لكرمه وهو يحدثنى بأريحية كأننى صديق، وليس كصحفى تحت التمرين، ولم يُعيّن بعد!.








