الوجه المجهول للزعيم.. مؤرخ بريطانى: القذافى طلب من عبدالناصر تدمير إسرائيل فقال له: «دمرها أنت وعرفات»
- عبدالناصر سعى للسلام مع إسرائيل بعد وقوع نكسة 67
- ناصر رفض دعوة القذافى لحرب جديدة وقال له: «أنا مسئوليتى المصريين»
- الزعيم المصرى كان شخصية مذهلة وقائدًا يتمتع بموهبة عظيمة واستثنائية
فى كتابه «الأتون: تشكّل الشرق الأوسط الحديث»، يعود المؤرخ البريطانى سايمون سيباج مونتيفيورى إلى التحولات التى صنعت الشرق الأوسط بصورته الراهنة، بدءًا من تفكك الإمبراطورية العثمانية وما أعقبه من إعادة رسم للحدود وصعود دول وقوى جديدة.
يتتبع «مونتيفيورى»، فى الكتاب، جذور الصراعات الإقليمية، من تركيا وإسرائيل وإيران إلى القومية العربية وصعود الميليشيات، متوقفًا عند أثر القوى الاستعمارية والحروب والتحولات الجيوسياسية فى تشكيل المنطقة.
فى هذا الحوار، الذى أجرته صحفية فى «فاينانشيال تايمز»، وتترجمه «حرف» فى السطور التالية، يناقش المؤرخ البريطانى مستقبل إسرائيل وإيران، وتحول النفوذ الأمريكى، وتداخل ساحات الصراع، وإمكانية إعادة تشكيل الشرق الأوسط وحدوده وتحالفاته فى السنوات المقبلة.

■ ما سبب اختيارك عنوان «الأتون» للكتاب؟ وهل ترى أن هذا العنوان يعكس حالة الشرق الأوسط اليوم؟
- بسبب الاضطراب المتواصل الذى يطبع تاريخ الشرق الأوسط. فالمنطقة تمثل جسرًا ومفترق طرق، وتضم شبكة معقدة من الطوائف والأعراق والأيديولوجيات والأديان، ما يجعل قدرًا من الاضطراب قائمًا حتى فى أفضل الظروف. واليوم، «الأتون» يغلى بالفعل. وقد أكد لى قراء عرب وإيرانيون ومن منطقة الخليج، ممن اطلعوا على الكتاب قبل صدوره، أن العنوان مثالى.
■ هل تعتقد أن بداية الكتاب، مع سقوط الإمبراطورية العثمانية وما أعقبه من أحداث، تمثل نهاية فترة من الاستقرار النسبى لم تتمكن المنطقة من استعادتها منذ ذلك الحين؟
- استقرار نسبى، نعم، لكن الصورة المثالية للإمبراطورية العثمانية بوصفها واحة للتسامح والاستقرار فى مقابل التدخل الغربى، مُبالَغ فيها. فقد مرت بمراحل مختلفة، وشهدت صراعات ومجازر، وانتهت بإبادة جماعية طالت الأرمن والموارنة واليونانيين. ومنذ عهد «عبدالحميد»، فى ثمانينيات القرن التاسع عشر، بدأت سياسة تأليب الجماعات وتسليح بعضها ضد بعض.
ومع سقوط الإمبراطورية فى الحرب العالمية الأولى، بدأت مرحلة جديدة من اقتسام المنطقة بين القوى الأوروبية. فكانت اتفاقية «سايكس- بيكو»، التى شاركت فيها روسيا أيضًا فى الترتيبات الأصلية، ثم أدت الثورة الروسية عام ١٩١٧ إلى خروجها من المشهد.
وبعد الحرب، أعادت اتفاقيتا «سان ريمو» و«سيفر» رسم المنطقة: حصلت بريطانيا على فلسطين والعراق، وفرنسا على سوريا ولبنان، إلى جانب طرح خطط لإنشاء كيانات للأكراد والأرمن، واقتسام أجزاء من الأناضول بين اليونانيين والإيطاليين.

■ إذًا، لماذا لم تنجح هذه الخطة؟
- بسبب «أتاتورك»، مؤسس تركيا الحديثة، والذى أسس الجمهورية التركية، ونجح عسكريًا فى هزيمة الفرنسيين والأرمن واليونانيين بين عامى ١٩٢١ و١٩٢٢، ثم أجبر البريطانيين على التراجع عند «جناق قلعة». وهكذا تمكن الأتراك من تغيير ترتيبات ما بعد الحرب وفرض واقع جديد انتهى بمعاهدة «لوزان». لكن تركيا لم تتخلَّ تمامًا عن تصورها للحدود والنفوذ العثمانى السابق، وهو ما ينعكس اليوم فى تصريحات «أردوغان» ووزرائه بشأن القدس ومدن مثل دمشق وحلب.
■ هل هو ميل تجاه نوع من «العثمانية الجديدة»؟
- أعتقد أن الأمر يتجاوز مجرد الميل إليها. فتركيا باتت تتمتع بنفوذ ومصالح واسعة فى الصومال وليبيا وسوريا، التى تمثل نجاحها الأكبر، وكذلك فى آسيا الوسطى. لكن المشهد أكثر تعقيدًا، فهناك أيضًا مقاومة للنفوذ التركى، والسؤال الحقيقى هو: كم دولة عربية تريد فعلًا الخضوع لهيمنة تركية أو لنسخة جديدة من الإمبراطورية العثمانية؟
■ لكن أليس من المفارقات اللافتة أن العرب يشكلون الأغلبية فى الشرق الأوسط، ومع ذلك لم تكن هناك قوة عربية مهيمنة على المنطقة؟ لماذا يحدث ذلك؟
- كانت المنطقة أولًا تحت الهيمنة العثمانية، ثم البريطانية والفرنسية، وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت الدول العربية مُستقِلة. ومنذ ذلك الحين، كان عليها أن تتحمل مسئولية قراراتها وصناعة مسارها، ولا يمكن إرجاع كل مشكلاتها إلى القوى الإمبراطورية السابقة.

■ تحدثت عن أزمة السويس. وكانت هناك فترة بدا فيها أن الزعيم جمال عبدالناصر، خلال أزمة السويس وكذلك حرب الأيام الستة، قد يكون حامل لواء الشرق الأوسط الجديد، خاصة مع قيادته لمصر عام ١٩٥٦. لكن ماذا حدث لـ«الناصرية»؟ ولماذا فشلت؟
- أولًا، ناصر كان شخصية مذهلة وقائدًا يتمتع بموهبة عظيمة واستثنائية. كان خطيبًا بارعًا ويتمتع بحس فكاهى لافت. وهناك أمثلة على خطبه، من بينها خطاب شهير سخر فيه من ارتداء الحجاب أمام جمهور ضخم، وكان الجميع يضحكون لمجرد فكرة أن يتديّن الجميع ويرتدوا الحجاب.
إذا ذهبت إلى القاهرة اليوم، ستجد أن العالم قد تغير كثيرًا. لكن «الناصرية» فشلت، لأن ناصر اتخذ قرارات كارثية، كحرب اليمن، وحكم بطريقة أدت فى النهاية لإضعاف المجتمع المصرى واقتصاده، إذ دفع برجال الأعمال وأصحاب المشروعات لمغادرة البلاد.
كان المجتمع المصرى الأكثر انفتاحًا وتنوعًا فى الشرق الأوسط. فقد كان يضم أعدادًا كبيرة من اليونانيين واللبنانيين واليهود والأقباط وغيرهم من الجماعات المختلفة، لكنهم جميعًا غادروا البلاد على موجات متتالية فى تلك الفترة.
ثم جاءت نكسة ١٩٦٧، وكانت تلك أكبر هزائم «ناصر». ففى حرب الأيام الستة مع إسرائيل، سمح للمنافسة مع سوريا بأن تدفعه نحو خوض صراع لم يكن مستعدًا له فى الواقع. وكانت النتيجة كارثية: «النكسة».
واللافت أنه بعد ذلك، ورغم أنه رجل شديد الذكاء والثقافة وشخصية مدهشة لأبعد حد، قرر أن لا بد من السعى للسلام مع إسرائيل. نحن نعرف ذلك الآن من خلال تلك التسجيلات الصوتية المهمة التى ظهرت مؤخرًا.
فى هذه التسجيلات محادثات بين «ناصر» وتلميذه السياسى معمر القذافى، يذهب «القذافى» إليه ويقول له: «علينا مهاجمة إسرائيل وخوض مزيد من الحروب. على الجميع مهاجمة إسرائيل. علينا أن ندمرهم»، وكان «القذافى» حينها فى الـ ٢٩ من عمره، لم يكن بذى خبرة تذكر، فيرد عليه «ناصر»: «عمَّ تتحدث؟ سنُهزم من جديد فحسب. لا جدوى من ذلك. يمكنك أن تفعلها أنت؛ أنت وعرفات ومن يتولى السلطة فى العراق، ويمكنكم جميعًا أن تفعلوا ذلك. لا أعرف اسم عرفات»، ثم يقول ما معناه: «ذلك الرجل التابع لمنظمة التحرير، أيًا كان اسمه، يمكنك أن تتحالف معه إذا أردت. يمكنكم جميعًا مهاجمة إسرائيل، لكننا لن نفعل ذلك. مسئوليتى هى تجاه المصريين».
■ إلى أى مدى كان قيام إسرائيل عاملًا مزعزعًا للاستقرار؟ وهل ترى وجاهة فى القول إن جانبًا كبيرًا من تاريخ الشرق الأوسط منذ ذلك الحين تمحور حول قضية إسرائيل؟
- أرى أن قيام إسرائيل كان إلى حد كبير جزءًا من عملية إنشاء الدول التى أعقبت سقوط الإمبراطورية العثمانية، وأن تفكك هذه الإمبراطورية لا يزال مستمرًا، كما نرى فى تداعيات سقوط الاتحاد السوفيتى والإمبراطورية الروسية حتى اليوم. هناك أوجه تشابه كبيرة بين قيام إسرائيل وقيام تركيا. ففى الحالتين نشأت دولة جديدة ذات طابع عرقى ودينى فى خضم حرب اتسمت بالعنف والصراع العرقى والنزوح الواسع للسكان. فعند تأسيس تركيا عام ١٩٢٢، جرى تبادل نحو مليون شخص، ووقعت مجازر ضخمة.
وبالطبع، كانت أحداث عام ١٩٤٨ صدمة هائلة للدول العربية الناشئة آنذاك. فقد كانت دولًا حديثة مثل سوريا ومصر، وجيوشها صغيرة وحديثة العهد، بينما كان «الفيلق العربى» التابع للمملكة الأردنية الجيش العربى الوحيد الذى يتمتع آنذاك بخبرة عسكرية حقيقية وقدر من الكفاءة.
وأعتقد أن مأساة عامى ١٩٤٧ و١٩٤٨ تكمن أيضًا فى أن خطة الأمم المتحدة كانت سيئة للغاية. فقد قُسمت الأراضى إلى ٧ أجزاء تفتقر إلى التماسك الجغرافى الذى يسمح بقيام دول قابلة للحياة أو الدفاع عنها. والأسوأ أن الخطة لم تُنفذ أصلًا، إذ لم يكن هناك من يفرضها، وانسحب البريطانيون على عجل، فتحولت الأمور إلى حرب يائسة من أجل البقاء.
ولا تزال مأساة «النكبة»، التى فقد فيها نحو ٧٥٠ ألف فلسطينى منازلهم ولم يتمكنوا من العودة إليها، جرحًا مفتوحًا ومصدرًا عميقًا للغضب، ونأمل أن نجد سبيلًا إلى تسوية هذه المظلمة على نحو عادل. لكن الحرب نفسها كانت حاسمة. فقد مكنت إسرائيل من أن تصبح دولة ذات حدود إقليمية يمكن الدفاع عنها إلى حد ما، رغم أن عرضها فى أضيق نقطة لا يتجاوز ٩ أميال.

■ إذا نظرنا إلى المستقبل، هل تعتقد أن إسرائيل ستظل قائمة بعد ١٠٠ عام؟
- أعتقد أنها ستظل موجودة بشكل أو بآخر، لكن لديها نقاط ضعف وثغرات خطيرة. فهى تمتلك سلاحًا جويًا وأجهزة أمنية قوية وقطاعًا تكنولوجيًا متقدمًا، لكن هذه المزايا تعتمد على بقاء الكفاءات فيها. وإذا أصبحت دولة تهيمن فيها جماعات من اليهود المتطرفين المؤمنين تفوق اليهود، فقد تخسر الكثير من كفاءاتها التى قد تنتقل إلى أماكن أخرى. مع ذلك، لديها نقاط قوة حقيقية.
أنا من أشد المنتقدين لحكومة «نتنياهو»، لكن أحد أكبر إخفاقاتها أنها لم تضع خطة للاستفادة من المكاسب والانتصارات العسكرية التى حققتها. والتحدى أمام الحكومات المقبلة هو تثبيت هذه المكاسب واستثمارها قبل أن تؤدى الإخفاقات الداخلية والانقسام داخل المجتمع الإسرائيلى وفقدان الدعم الخارجى إلى تقويضها.
إسرائيل تحتاج إلى جيش قوى، لكن لا يمكنها بناء دولة ومجتمع على الحرب بشكل دائم، خصوصًا أنها دولة صغيرة. وهناك أيضًا تحدٍّ استراتيجى أوسع، فالشرق الأوسط يشهد عملية ستفرض إعادة رسم الخرائط وخطوط أنابيب النفط والغاز ومواقع الموانئ، وكان ينبغى أن يحدث ذلك منذ سنوات.
■ هل تقصد بسبب إغلاق مضيق «هرمز»؟
- يشكل مضيق «هرمز» و«الحوثيون» على الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية تحديًا كبيرًا، ولذلك باتت الحاجة إلى إعادة رسم مسارات أنابيب النفط والغاز أكثر إلحاحًا، وهو أمر يمكن إنجازه بسرعة إذا توافرت الإرادة السياسية.
لكن ذلك لم يحدث بسبب الاضطرابات التى شهدها العراق، بدءًا من حكم صدام حسين ثم سنوات الحرب الأهلية والتمرد المسلح. كما أن إسرائيل تمثل الحلقة المفقودة فى هذه المنظومة، إذ كان الحل الواضح، وفق خطط بريطانية قديمة ظهرت حتى فى خريطة اتفاقية «سايكس-بيكو- سازونوف»، إنشاء خطوط أنابيب تمتد من العراق إلى حيفا.
لكن تنفيذ هذا المسار يصعب فى ظل حكومات إسرائيلية متطرفة ومتمسكة بفكرة التفوق اليهودى، ولا تعطى الأولوية لهذه الحسابات، بقدر انشغالها برؤية ذات طابع مسيانى لنهاية العالم.
■ هل تعتقد أن إيران قد تخرج من أزمتها الحالية أكثر قوة، رغم تركيبتها العرقية المتنوعة؟
- إيران، إلى جانب مصر، من أقدم دول المنطقة وأكثرها عمقًا من الناحية التاريخية. وأعتقد أن إيران قادرة على الخروج من أزمتها وهى أقوى بكثير، وربما حتى فرض سيطرتها على مضيق «هرمز»، فى ظل التخبط والتذبذب فى السياسة الأمريكية، خصوصًا أن الولايات المتحدة هى القوة الوحيدة القادرة على منعها من ذلك.
■ هل تعتقد أننا بدأنا نشهد نهاية مرحلة الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط؟
- هذا ممكن جدًا. ومع ذلك، ستظل الولايات المتحدة قادرة على ممارسة نفوذ كبير فى الشرق الأوسط عندما تقرر ذلك، فى ظل ضعف روسيا واختلاف تصور الصين لطريقة بسط نفوذها عالميًا. لكن المفارقة أن أحدًا لن يثق بالولايات المتحدة كما فى السابق، وستسعى قوى مثل السعودية إلى تنويع علاقاتها وتحالفاتها.
اللافت أن المسارح الجيوسياسية المختلفة بدأت تتداخل، فلن يعود هناك فصل واضح بين شرق إفريقيا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، وبين أفغانستان وباكستان والهند وغيرها، بل ستندمج هذه المناطق فى فضاء جيوسياسى واحد.
خلال السنوات المقبلة سنشهد وجودًا متزايدًا لقوات روسية وأوكرانية وهندية وباكستانية وإسرائيلية فى أنحاء مختلفة من المنطقة، وهو أمر يحدث بالفعل.
يتزامن ذلك مع تحدٍّ كبير لنظام الدول والحدود الذى رسمته القوى الغربية والأمم المتحدة، وهو ما نراه بالفعل فى الساحل وليبيا، وقد يمتد إلى المنطقة بأكملها. لذلك، نحتاج ربما إلى اسم جديد للشرق الأوسط.







