فيلسوفة الوُجْد.. مارلين يونس: تجربة أم كلثوم لا تُقارن بأى مشروع فنى آخر
- أداء كوكب الشرق يمنحنا شعورًا بالثقة والقوة والحرية فهى تمتلك خامة صوتية قوية ورنينًا نادرًا
- أم كلثوم هى الجامعة الكلية وصوتها يحمل شيئًا من الإعجاز.. ولا توجد تجارب موسيقية أخرى تصلح للربط بين الفلسفة والموسيقى
تجمع مارلين يونس، أستاذة الفلسفة فى الجامعة اللبنانية، فى تجربتها بين البحث الفلسفى والموسيقى، فهى حاصلة على الدكتوراه فى الفلسفة، والماجستير فى علم الفنون والآثار من الجامعة اللبنانية، كما نالت دبلومًا فى علم الموسيقى والغناء.
اشتغلت «يونس» إلى جانب عملها الأكاديمى بتعليم الموسيقى نحو عشرين عامًا، كما لحّنت قصائد لعدد من الشعراء. تمتد اهتماماتها البحثية إلى الجماليات وعلاقة الفن بالفكر، وهو ما يتجلى فى مشروعها «استنطاق الميتافيزيقا فى فلسفة النغم- نموذج أغانى أم كلثوم»، الذى تنطلق فيه من صوت كوكب الشرق وأدائها لاستكشاف ما قد تطرحه الموسيقى من أسئلة عن الجمال والوجود والمعنى. صدرت لـ«يونس» مؤلفات فلسفية هى «فلاديمير جانكلفيتش.. محاكمة أخلاقية فى هدى جمالى»، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية 2020، و«الذات ورصد تجلياتها فى الوجود»، الصادر عن بيت الفلسفة عام 2024، إلى جانب بحوث ومقالات، ومساهمات فى موسوعة الفلسفة الفرنسية المعاصرة، كما حازت جوائز تكريمية ضمن إطارى الفلسفة والفن.
فى هذا الحوار تتحدث مارلين يونس عن تقاطع الفلسفة والموسيقى، وكيف يمكن للنغم أن يفتح أسئلة تخص قضايا الجمال والوجود والمعنى، وتنطلق من تجربتها البحثية لتقرأ صوت أم كلثوم وأداءها من منظور فلسفى.

■ بين كتاباتكِ الفلسفية الأكاديمية واشتغالكِ الحالى على الموسيقى، يبدو أن سؤال الوجود وما يتجاوز التجربة المحسوسة ظل حاضرًا، وإن تغيّرت الأدوات.. ما السؤال الذى اكتشفتِ أنه يربط معظم أعمالكِ رغم اختلاف موضوعاتها؟
- أظن أن ما يربط معظم أعمالى هو البحث عن معنى الوجود وعن قيمة الجمال الكامنة فيه، وهنا أقصد بالجمال علم المعرفة الحسية أو التأويل الفنى للوجود القائم على تحليل الجدليّة المنطقية الموجودة فيه، وكشف تحوّلاته الدائمة وحركته المتجددة التى تكسر الرتابة، والتأمل فى الإشكال الميتافيزيقى من خلال الموسيقى أو الميتا لغة.
■ هل تغيّرت طريقتكِ فى الكتابة والتفكير الفلسفى بعدما دخلت الموسيقى بقوة فى مشروعكِ؟ أى: هل جعلتكِ الموسيقى تعيدين النظر فى بعض المفاهيم التى كنتِ تتناولينها من خلال الفلسفة وحدها؟
- أعتقد أن الموسيقى تساعد على توسيع الأفكار والتحليق بها خارج الأُطر المألوفة. لعبة الموسيقى غير مكشوفة لأنها لا تنتمى إلى قوالب ومفاهيم جامدة، هى طاقة مفارقة تشحننا باستعداد مباغت ومفاجئ لاقتناص اللحظات الهاربة. كلنا يعلم أن الانسياب النغمى يلغى التناقضات، وفى الفلسفة نحن نشتغل كثيرًا على المفارقات ونحوّلها إلى مفاهيم وهذا ما نسميه صراع الأضداد.
تجدر الإشارة هنا إلى أن القاعدة الإيقاعية كامنة فى الوجود، وأن ما تفعله الموسيقى هو تكثيف التأمل العاطفى والحسى الكامن فى الأفكار، فتأسرنا وتُخضعنا لشروطها. وهذا ما يتجلى، على سبيل المثال، فى أغنية «شمس الأصيل»، هذه التحفة الفنية من كلمات بيرم التونسى وألحان رياض السنباطى، وتحديدًا فى هذا المقطع: «أنا وحبيبى يا نيل غايبين عن الوجدان.. بايتين حوالينا نسمع ضحكة الكروان على سواقى بتنعى عاللى حظه قليل». هنا نتلمّس ذوبان الذات فى حالة من الحنين والتأمل الحزين فى الحظ والقدر. وكذلك فى أغنية «أيها الفلك»، إذ يتحوّل الغروب إلى نغم عميق يعبّر عن شجن الروح وآلامها.

■ تجمعين فى تجربتك بين البحث الفلسفى والتلحين والغناء، وتعملين على تحويل قصائد لشعراء لبنانيين إلى أعمال موسيقية.. كيف تتعاطين مع الانتقال من قراءة النص بوصفه بناءً لغويًا يحمل رؤية فلسفية إلى تلحينه بوصفه بناءً صوتيًا أكثر تجريدًا؟
- ألحّن للعديد من الشعراء وليس للشعراء اللبنانيين فقط، فالنغم بمفهومنا هو حمّال لأوجه المعانى المتعدّدة وهو نظام صوتى «متحرّك، ساكن». أرى أن كل نص محكوم بصراع الأفكار يحمل معه موسيقاه وأنا ما علىّ سوى أن أنطق هالة الصمت التى تحيط بالأفكار فيأتى النغم كإخراج للفكرة من كمونها إلى واقع محسوس نشعر من خلاله بالفرح أو الحزن، وهنا أنتقل من البناء الداخلى للفكرة إلى التعبير عنها بالحواس، من خلال النغم.
■ فى تصوركِ للعلاقة بين الفلسفة والفن تستحضرين فكرة الفيلسوف الفرنسى إتيان سوريو عن الفن بوصفه تأسيسًا أو تدشينًا للفلسفة.. كيف تفهمين هذا التصور؟
- الفن هو تأسيس للفلسفة، كما يقول سوريو. فالفيلسوف، مثل الفنان، يبدع المفاهيم ويصوغها ويطوّرها، إذ لا تولد الأفكار جاهزة، وإنما تتشكل وتتبلور من خلال التفكير. والفيلسوف مبدع يسعى إلى كسر القيود التى تحدّ من التفكير الفلسفى.
الموسيقى تخلق روابط متعددة بين الأفكار والمعارف، وتتيح لكل فكرة أن تتصل بأفكار أخرى من دون وجود نقطة مركزية ثابتة وبما يوسع من آفاق الفكر البشرى، وهذا ما يشبه مفهوم «الريزوم- الجذمور» عند دولوز، حيث يظل المفهوم مفتوحًا على معانٍ مختلفة ومتصلًا بظواهر جديدة.

■ هل يمكن للفن أن ينتج أسئلة فلسفية مستقلة أو أن يفتح مسارات للتفكير لا تستطيع الفلسفة بلوغها بأدواتها الخاصة؟
- الفن استباقى؛ يلتقط بسرعة أسئلة الوجود الكبرى، مثل الجمال والموت والحرية والحياة، ويشتغل على المتناقضات، فيطرح أسئلة فلسفية جديدة قد تصدم الوعى التقليدى وتتجاوز المألوف، بينما تعتمد الفلسفة على التفكير المنطقى، وتنظر إلى الموسيقى بدهشة، ومن الأمثلة على ذلك تصور الفيلسوف الألمانى «شوبنهاور» للموسيقى بوصفها تعبيرًا عن الإرادة المحرّكة للكون، ورؤية «نيتشه» لها باعتبارها المنبع والمهد الفعلى الذى نشأت منه الفلسفة الإغريقية.
■ تعملين على مشروع «استنطاق الميتافيزيقا فى فلسفة النغم- نموذج أغانى أم كلثوم» المنطلق من افتراض قدرة الموسيقى على فتح أفق يتجاوز التجربة الحسية المباشرة.. فلماذا اخترتِ أم كلثوم تحديدًا؟ ما الخصائص التى تجعل تجربتها الغنائية قابلة لقراءة فلسفية خاصة؟ وما الذى يميزها فى هذا السياق عن تجارب غنائية عربية أخرى؟
- أم كلثوم لا يمكن مقارنتها بأى تجربة فنية أخرى، فهى ربّة فنون. وأقصد بحالتها الفنية، وبعلاقتها بالطاقم المرافق لها، أنها «فيلسوفة الوجد». فالفن عندها يصبح وسيلة لمواصلة التعبير عن المقدّس، الذى يتخذ صورًا جمالية متجددة ومختلفة، فى إطار فنى يأسرنا ويدهشنا. ومعها، نصبح قادرين على اكتشاف إمكانات جديدة، تفتح أمامنا آفاقًا من الحلم والخيال فى أصفى صورها وأكثرها جمالًا. ولأن الحب هو أصل المقدّس، فإنه يظهر فى أغانيها بوصفه علاقة ودّية بالعالم، تتجلى من خلال إيقاعات متنوعة.

■ كيف تتعاملين فى قراءتك لأغانى أم كلثوم مع العلاقة بين النص الشعرى واللحن والأداء الصوتى؟ هل تنطلقين من المضامين الفلسفية الكامنة فى القصيدة، ثم تتبعين كيفية تجسدها موسيقيًا، أم أن النغم يكشف عن دلالات لم تكن حاضرة فى النص؟
- أقرأ نداءً معينًا، ويبدأ تفاعلى معه من اتجاهين: الخارج والداخل. يفرض هذا النداء هيبته ووقاره، ويستدعى توظيف جميع قوى النفس، من الحواس والقدرات الفكرية، لمحاولة استشراف ما يمكن أن يؤول إليه الوجود، فكل نص يحمل فى داخله إمكانية تجاوزه وتخطى حدوده، وهى إمكانية كامنة فى عمق التساؤل عن الوجود.
المعنى يسعى إلى الاكتمال، لكن ظهوره فى الموسيقى يرتبط بعدم الاكتمال، فالنغم الذى يتحرر من المعنى المباشر يقودنا إلى عمق النص، حيث يصبح المعنى ممكنًا ومستحيلًا فى الوقت نفسه، أما اللا معنى الظاهر فيطرح سؤالًا جذريًا حول المعنى، وقد يفتح آفاقًا جديدة لا تدّعى الوصول إلى إجابات نهائية، عندها يتحول الإبداع إلى متعة ذهنية تتطلب من المتلقى التأمل والتفكير، وهذه إحدى السمات المميزة لفن أم كلثوم.

■ إذن إلى أى مدى يمكن إسناد المعنى الفلسفى إلى الأداء نفسه فيما يخص أم كلثوم، بمعزل عن النص واللحن؟
- الأداء هو ما يجمع المعانى المختلفة ويمنحها وحدة، وهو التعبير العذب عن المعنى من خلال اللغة التى تتجاوز المعنى المباشر، وهذا ما يسهم فى تشكيل الوعى الجمالى. كما أن الأداء هو الذى يوجّه النغم ويطوّعه لخدمة التعبير.
يمنحنا أداء أم كلثوم شعورًا بالثقة والقوة والحرية، فهى تمتلك خامة صوتية قوية ورنينًا نادرًا. ومن النادر أن يحافظ فنان على هذه القوة والوضوح فى صوته عند الانتقال من الطبقات الصوتية المنخفضة إلى الطبقات العالية، من دون الحاجة إلى الاستعانة بصوت بديل، كما يفعل البعض.
■ تقوم تجربة أم كلثوم على مقامات وإيقاعات وتقاليد سمعية محلية.. فكيف توفّقين بين خصوصية البنية الموسيقية والثقافية وبين ما ترينه فى الموسيقى من قدرة على ملامسة أسئلة إنسانية كبرى تتجاوز الثقافات؟
- يليق بهذا السؤال ما طرحه الفيلسوف إيمانويل كانط عن الجمال فى كتابه «نقد ملكة الحكم»، وهو من الكتب التأسيسية فى علم الجمال. يميّز «كانط» بين ثلاث ملكات ذهنية، وقد وجد بين ملكة الفهم الأولى وملكة العقل الثالثة ملكة الشعور باللذّة والألم، وافترض أن هذه الملكة هى المسئولة عن الحكم الاستطيقى، يعنى الحكم على شىء ما بأنه جميل.
ويقوم هذا الحكم على فكرة أن الإنسان حين يرى شيئًا جميلًا فإنه يصدر حكمًا نابعًا من شعوره الخاص، لكنه فى الوقت نفسه يتوقع أن يشاركه الآخرون هذا الشعور. فالحكم على الجمال ليس ذاتيًا محضًا، ولا يستند إلى العقل وحده أو إلى التجربة وحدها، وإنما يقوم على إحساس بالجمال يمكن أن يتشاركه الناس، وهو ما يرتبط لدى «كانط» بفكرة «الحس المشترك». وبذلك يصبح الذوق قدرة على الحكم على الأشياء وفقًا لقاعدة لا تعتمد على مفهوم عقلى محدد.
ومن ناحية أخرى، يرى فيلهلم فونت، الطبيب والفيلسوف وعالم النفس الألمانى، أن وعينا يميل إلى مقاومة الرتابة وتحويلها إلى لحن أو إيقاع، وهو ما يكشف عن ميل الإنسان الفطرى إلى التنظيم وخلق الإيقاع والمعنى. وقد استخدم «فونت» جهاز المترونوم الموسيقى، الذى يصدر دقات منتظمة، لدراسة كيفية إدراكنا للإيقاع. ولاحظ أن الوعى يميل إلى تجميع هذه الدقات فى وحدات إيقاعية، بدلًا من استقبالها بوصفها أصواتًا منفصلة ومتكررة، مستعينًا بالإدراك الموسيقى فى تفسير بعض آليات الوعى.

■ هل ثمة تجارب موسيقية وغنائية قديمة أخرى ترين أنها تصلُح لمد خيط مشروعك فى الربط بين الفلسفة والموسيقى؟ وفيما يخص السياق المعاصر، هل يمكن استنطاق أى علاقة فلسفية مثل تلك التى ارتبطت بتجربة راسخة مثل تجربة أم كلثوم؟
- لا، أم كلثوم هى الجامعة الكلية. أتحدث عن صوت يحمل شيئًا من الإعجاز، ويجمع بين الإنصات الدقيق إلى الألحان وما تنطوى عليه من رهافة وسمو. أتحدث عن الموسيقى التى تتجاوز حدودها الصوتية لتفتح أسئلة تتعلق بالوجود والمعنى. لذلك، من حق أم كلثوم أن تكون نقطة البداية والنهاية، فالجماليات عندما تتحول إلى موضوع للتفكير الفلسفى، تضع نفسها أمام أسئلة صعبة واختبارات دقيقة.
■ ما الخطوة التالية التى تخططين لها فى مشروعكِ؟
- أعددت من قبل ندوات فلسفية مطعّمة بالنغم وبشذرات من قصائد أم كلثوم وفقًا لموضوعات المؤتمرات التى تذكّى ذاكرة النغم بالأصالة. ومن الطبيعى أن أعدّ كتابًا عن فلسفة النغم وستحظى أم كلثوم بالمقام الأكبر فيه.







