ضد الذكاء الاصطناعى.. المفكر المغربى سعيد ناشيد: العالم الآن تحت السيطرة الكاملة لـ«الخوارزميات»
- لا يمكن أن تفهم كتابًا وأنت تُقاطَع كل دقيقتين بإشعار
- لا يمكن أن تفهم قضية وأنت تنتقل من مقطع 30 ثانية إلى آخر
- وفرة المعلومات صنعت «أميّة جديدة» تتمثل فى العجز عن الفهم والتركيز
- «أميّة الفهم» ليست عجزًا عن القراءة بل عدم القدرة على استيعاب ما نقرأ
- الاستبداد التقليدى يصادر الرأى و«الخوارزميات» تصنعه قبل أن يتكون
- «الخوارزميات» تهدد الديمقراطية بتقسيم المجتمع إلى فقاعات لا تتقاطع
- الخطر الجديد أن يختار الإنسان ما جرى توجيهه إلى الرغبة فيه
- كتاب «نقد العقل الخوارزمى» دفاع عن «الذكاء البشرى» وليس هجومًا على «الذكاء الاصطناعى»
«نقد العقل الخوارزمى.. معرفة بلا فهم وجهل مدجج بالمعلومات» هو عنوان أحدث مؤلفات الباحث والمفكر المغربى سعيد ناشيد، الصادر قبل أيام عن «دار التنوير للنشر».
وفى ظل ما يحمله عنوان الكتاب من مفارقة صارخة بين التسلح بالمعرفة واقتران ذلك الجهل، يتحدث «ناشيد»، فى حواره التالى مع «حرف»، عن التهديدات التى تواجه الذكاء البشرى، ليس من «الذكاء الاصطناعى» وحسب، بل ممن يستخدمونه بلا وعى ولا فهم ولا تفكير.
كما يتطرق إلى كيفية تحويل الانتباه إلى سلعة فى المنصات العالمية، وكيف تحولت إلى اقتصاد ضخم تحتكره شركات بعينها، وكيف تحولت أشكال الوصاية التقليدية إلى أشكال جديدة تستخدم «العقل الخوارزمى»، وغيرها من القضايا فى هذا الحوار.

■ ذكرت أنك كتبت «نقد العقل الخوارزمى» دفاعًا عن الذكاء البشرى.. هل بات مهددًا؟ وممن؟
- اجتاز الذكاء البشرى ٣ تهديدات كبرى: الأول هو تهديد النظم الكهنوتية فى العصر الوسيط، أى الوصاية التقليدية التى كانت تمنع العقل من التفكير باسم الحقيقة المطلقة، فتحدد له سلفًا ما يجوز أن يسأل عنه وما لا يجوز.
التهديد الثانى هو تهديد الأنظمة الشمولية فى القرن الـ٢٠، تلك التى لم تكتفِ بمنع التفكير بل صادرته لصالح الحزب أو الزعيم أو «الأيديولوجيا» الواحدة، وجعلت من الإنسان ترسًا فى آلة كبرى.
أما التهديد الثالث، وهو موضوع الكتاب، فهو التهديد «الخوارزمى»، وهو أخطر ما مرّ به الذكاء البشرى من تحديات. فالنظم الكهنوتية والأنظمة الشمولية كانتا تمنعان الإنسان من التفكير عن طريق القوة والتهديد، أما «الخوارزميات» فتعفيه من التفكير عن طريق الراحة والإلهاء.
التهديدان الأول والثانى يقولان لك: لا تفكر وإلا عوقبت. أما التهديد الثالث فيقول لك: لا داعى لأن تفكر، نحن نفكر عنك، ونقرر عنك كل ما تراه وما لا تراه. هذا أخطر بكثير، لأن ما يُنتزع منك بالقوة يمكن أن تستعيده يومًا ما. أما ما تتخلى عنه طوعًا، وبرضاك، وبمشاعر الامتنان، فاستعادته أصعب بكثير.
■ من أين يأتى التهديد بالضبط؟
- ليس من الآلة فى حد ذاتها، فالآلة مجرد أداة، وإنما يأتى من ٣ مصادر أساسية: من نموذج اقتصادى يقوم على استنزاف انتباهنا، وشركات باتت تعرف عنّا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، ثم من داخلنا نحن، من ذلك الميل القديم إلى الاستقالة من عناء التفكير وتفويضه لجهة أخرى.
نتائج التهديد باتت ملموسة اليوم: ضمور القدرة على التركيز الطويل، تراجع القراءة العميقة، الاعتماد المتزايد على الآلة فى الكتابة والتحليل، وهى ظواهر بدأت دراسات حديثة ترصدها. لذلك قلت إن الكتاب دفاع عن الذكاء البشرى، لا هجوم على «الذكاء الاصطناعى».
■ ماذا تقصد بـ«تهديد الخوارزميات»؟ وهل تقتصر على «الذكاء الاصطناعى» وحده؟
- لا تحيل «الخوارزميات» فقط إلى «الذكاء الاصطناعى»، بل هى قبل ذلك أسلوب فى التفكير يعتمد على وجود خطوات مُحدّدة تساعد أى إنسان على الوصول إلى النتيجة نفسها، بصرف النظر عن فهمه أو عدم فهمه لما يفعل.
الكلمة نفسها، كما نعلم، مشتقة من اسم «الخوارزمى»، عالم الرياضيات، وكانت تعنى فى الأصل طريقة فى حل المسائل الرياضية بخطوات مضبوطة. هذه الطريقة عظيمة فى مجالها، فى الحساب والهندسة والبرمجة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول من طريقة فى حل المسائل إلى طريقة فى العيش.
العقل «الخوارزمى» إذن هو كل عقل يختزل التفكير إلى إجراء: إذا حصل كذا فافعل كذا. وهذا العقل كان موجودًا قبل الحاسوب بقرون: الفتوى الجاهزة التى تغنى عن الاجتهاد هى عقل خوارزمى. و«البيروقراطية» التى تطبق المسطرة دون أن تنظر فى الحالة الخاصة هى عقل خوارزمى. والتعليم الذى يلقن التلميذ كيف يحل المعادلة دون أن يفهم معناها هو عقل خوارزمى. و«الأيديولوجيا» التى تملك جوابًا جاهزًا لكل سؤال عقل خوارزمى.
ما فعله «الذكاء الاصطناعى» هو أنه أخذ هذا الأسلوب فى التفكير وجعله آلة كاملة، قادرة على إنتاج الأجوبة بسرعة ودقة تفوق قدرتنا. لهذا سميت الكتاب «نقد العقل الخوارزمى» لا «نقد الذكاء الاصطناعى». فالنقد هنا بمعناه الفلسفى، كما استعمله كانط: ليس رفضًا ولا تحريمًا، بل ترسيم للحدود. أين تنفع «الخوارزمية» وأين تضر؟ متى يكون الإجراء خادمًا للفهم ومتى يكون بديلًا عنه؟ الخطر ليس فى أن تحسب الآلة عنّا، بل فى أن نصير نحن أنفسنا آلات تحسب دون حاجة إلى الفهم.
■ دعنى أعيد عليك التساؤل الذى طرحته بكتابك: إذا صارت الآلة قادرة على أن تكتب نيابة عنّا، وتلخّص وتشرح وتحلل وتجيب بدقة تفوقنا أحيانًا، فما الذى يبقى للذكاء البشرى كى لا يخبو وينطفئ؟
- فى كل الأحوال يبقى له أن يعيش بذكاء. أقصد أن غاية الذكاء البشرى ليس فقط القدرة على التفكير بل القدرة على الحياة. فالآلة تجيب عن السؤال لكنها لا تعيش السؤال. أنا حين أسأل عن معنى الموت، فإننى أسأل لأننى سأموت، ولأننى رافقتُ احتضار بعض الأحبة. وحين أسأل عن معنى الحب، فلأننى أحببت أو خُذلت. الآلة تملك عن الموت والحب معلومات أكثر مما أملك، لكنها لا تعيش السؤال.
الذكاء البشرى ذكاء كائن حى، يجوع ويمرض ويتعب ويمل ويشيخ ويفقد أحبته وأشياءه. وهذا ليس نقصًا فيه مقارنة بالآلة، بل هو جوهر الحياة الذكية. إن ما نسميه الفهم ليس عملية حسابية تجرى فى الرأس، بل تحوّل يحدث فى الكائن كله. حين أفهم شيئًا حقًا، لا أضيف معلومة إلى مخزونى، بل أتحوّل. وهذا ما لا تستطيعه الآلة، لا لأنها أقل ذكاء، بل لأنها لا تحتاج إليه. الآلة لا تحتاج إلى أن تفهم كى تعمل، أما نحن فنحتاج إلى أن نفهم كى نعيش.
لذلك أعتبر أن المعركة الحقيقية ليست معركة من يحسب أسرع أو من يكتب أفضل، فهذه معركة خسرناها سلفًا ولا بأس فى ذلك، فقد خسرنا من قبل معركة من يجرى أسرع أمام السيارة ومن يحمل أثقل أمام الرافعة. المعركة هى أن نحافظ على الذكاء بوصفه فنًا للعيش: أن نعرف ماذا نريد، ولماذا نريده، وما الذى يستحق أن نصرف فيه حياتنا القصيرة. هذه الأسئلة لا تجيب عنها الآلة، لأنها ليست أسئلة المعرفة بل أسئلة الحكمة.
■ تميز بين الذكاء «المتمحور حول المعرفة»، و«المتمحور حول الفهم»، فماذا يعنى هذا التمييز؟ وكيف يمكن أن تتحول المعرفة، فى ظل احتكار البيانات الضخمة، إلى أداة للسيطرة بدلًا من أن تكون وسيلة للتحرر؟
- كانت غاية التنوير تحقيق مجتمع المعرفة، ومن ثم انتشرت المطابع والصحف والتعليم العمومى. كان العدو الأول آنذاك هو الجهل، وكانت المعلومة نادرة ومحتكرة فى أيدى رجال الدين والسلطة. أما غاية التنوير اليوم فهى تحقيق مجتمع الفهم.
ها هو الفرق: المعرفة تُقاس بالكم، والفهم يُقاس بالعمق. المعرفة تُنقل من شخص إلى آخر، أما الفهم فلا يُنقل بل يُبنى، وكل واحد يبنيه بنفسه، انطلاقًا من خبراته الذاتية وقدرته على التأويل. فمن الممكن أن نملك معرفة هائلة بلا أى فهم، كما يمكن أن نفهم كثيرًا بمعرفة قليلة.
القصور الجديد الذى يجب أن نخرج منه ليس قصور ندرة المعلومات بل قصور وفرة المعلومات. فلم يعد الاحتكار احتكار المعرفة بل احتكار القدرة على فهم أنماطها. هنا تنقلب الأمور: فى زمن التنوير الأول كانت المعرفة تحرر لأن من يملكها يصير أقل خضوعًا. أما اليوم فالبيانات الضخمة تجعل من يملكها قادرًا على معرفة الآخرين أكثر مما يعرفون أنفسهم، أى على التنبؤ بسلوكهم، ومن يتنبأ بسلوكك يستطيع أن يوجهه.
تتحول المعرفة إذن إلى أداة سيطرة حين تصير معرفة بك لا معرفة لك. المعرفة التحررية هى التى تملكها أنت عن العالم، والمعرفة التسلطية هى التى يملكها غيرك عنك. والبيانات الضخمة من النوع الثانى: هى معرفة بالإنسان لا تمر عبر وعيه ولا تحتاج إلى موافقته، وتُستعمل لأغراض لم يخترها. ولهذا فإن الفهم هو خط الدفاع الوحيد، لأن من يفهم كيف تعمل الآلية التى توجهه يستعيد شيئًا من حريته، أما من يكتفى بالمعلومات التى تقدمها له فهو يتغذى من اليد التى تقوده.
■ تحذّر من أن احتكار البيانات قد يضعف بنية الديمقراطية ويمهّد لصعود شمولية من طراز جديد.. كيف يمكن أن تتشكل هذه الشمولية فى عصر «الخوارزميات»؟ وما الذى يميزها عن أشكال الاستبداد التقليدية؟
- «الخوارزميات» اليوم تعرف عنا أكثر ما نعرفه عن أنفسنا، وخلف تلك «الخوارزميات» شركات تبيع تلك المعطيات، سواء لأهداف إنتاجية أو تجارية أو أمنية. اعتدنا أن نتصور الشمولية على شاكلة ما وصفه «أورويل»: دولة تراقب وتقمع وتخيف، و«أخ أكبر» يراك من كل جدار. لكن الشمولية الجديدة أقرب إلى ما تخيله «هكسلى»: لا أحد يجبرك على شىء، بل يُعطى لك ما يجعلك تختاره، إلى ألا يبقى معنى للاختيار.
الاستبداد التقليدى يعمل بالخوف والإكراه والرقابة الظاهرة، ويريد منك أن تطيع. «الشمولية الخوارزمية» تعمل بالراحة والمتعة وإرضاء التوقعات. الأول يصادر رأيك، والثانية تصنعه قبل أن تتكون لديك فرصة لتكوينه. ولذلك فهى لا تحتاج إلى سجون، لأن لا أحد يتمرد على ما يظنه رغبته.
أما لماذا تُهدد الديمقراطية، فلأن الديمقراطية لا تقوم على صناديق الاقتراع وحدها، بل تقوم على وجود فضاء عمومى مشترك يتناقش فيه الناس انطلاقًا من وقائع مشتركة. و«الخوارزميات» تفتت هذا الفضاء إلى فقاعات، لكل فقاعة وقائعها وأعداؤها ومشاعرها. والنتيجة أن الناس يسكنون فى عوالم لا تتقاطع.
الفرق الأخير والأخطر أن الاستبداد القديم كان له وجه يمكن أن تثور عليه، أما هذه الشمولية فبلا وجه: حين تسأل من الذى قرر لك أن ترى هذا لا ذاك، يكون الجواب: «الخوارزمية». وهى سلطة بلا مسئول، وهذا ما لم يعرفه التاريخ من قبل.
■ تشير أيضًا إلى أن العالم بات يعرف أكثر مما يستوعب، وأننا نواجه ما وصفته بـ«أميّة الفهم».. كيف يمكن تفسير هذه المفارقة فى زمن تتسع فيه مصادر المعلومات وتتسارع وسائل الوصول إليها؟
- تتسع المعلومات وتتقلص القدرة على الفهم بفعل «اقتصاد الانتباه». والمفارقة لا تبدو كذلك حين نميز بين الوصول إلى المعلومة واستيعابها. فالوصول صار فوريًا ومجانيًا وغير محدود. أما الاستيعاب فما زال يحتاج إلى ما كان يحتاج إليه دائمًا: وقت وتركيز وهدوء وتأمل وتأويل. وهذه الشروط يستنزفها «اقتصاد الانتباه».
نبّه هربرت سايمون، منذ سبعينيات القرن الماضى، إلى أن وفرة المعلومات تخلق بالضرورة ندرة فى الانتباه. وما حدث هو أن الانتباه صار المورد الأندر فى العالم، وبُنيت صناعة بأكملها على التقاطه وتجزئته وبيعه. والفهم لا يحتمل التجزئة. لا يمكن أن تفهم كتابًا وأنت تُقاطَع كل دقيقتين بإشعار، ولا أن تفهم قضية وأنت تنتقل من مقطع مدته ٣٠ ثانية إلى مقطع آخر.
«أميّة الفهم» إذن ليست عجزًا عن القراءة، فالناس يقرأون اليوم أكثر من أى وقت مضى، لكنهم يقرأون كما يأكلون فى الطريق: بسرعة وبلا هضم. إنها أميّة من نوع جديد: أميّة من يستطيع أن يفك الحروف لكنه لا يستطيع أن يبقى مع نص لأكثر من دقائق معدودة، ولا أن يربط ما قرأه اليوم بما قرأه أمس أو قبل أمس. الأميّة القديمة كانت تُعالج بتعليم القراءة، أما هذه فتحتاج إلى شىء أصعب: استعادة القدرة على التركيز.
■ تطرح مفهوم «الجهل المدجج بالمعلومات» بوصفه أحد الآثار الجانبية للثورة الرقمية.. ماذا تقصد وكيف يمكن للإنسان أن يمتلك قدرًا هائلًا من المعلومات، بينما يعجز عن فهمها أو الربط بينها أو إدراك سياقاتها؟
- المعرفة ليست هى الفهم. قد أعرف الكثير لكنى مع ذلك لا أفهم أى شىء. ذلك أن المعلومة وحدها كالطوبة: يمكن أن تكدس آلاف الطوب دون أن تبنى بيتًا، والبيت هو الفهم. الجهل المدجج بالمعلومات هو حالة من يملك ركامًا من الطوب ويظن أنه يسكن فى بيت. وأخطر ما فيه أنه لا يشعر بجهله، بل على العكس، يشعر بثقة مضاعفة لأن لديه «الدليل» على كل شىء. انظر إلى أصحاب نظريات المؤامرة: هم فى الغالب أكثر الناس معلومات وأقلهم فهمًا، لأن المعلومات بلا سياق تتحول إلى ذخيرة لتأكيد ما يعتقده المرء سلفًا.
المعضلة أن مناهجنا التعليمية لا تزال تركز فى تقويمها على اختبار المعرفة بدل الفهم. لذلك يتفوق من يعرف كيف يحل المعادلة دون حاجة إلى الفهم، وقد يتفوق من يحفظ القاعدة النحوية على من يتذوق اللغة، ومن يستظهر التواريخ على من يدرك معنى الحدث. والنتيجة أننا نكافئ منذ الطفولة العقل الخوارزمى ونعاقب العقل النقدى، ثم نستغرب حين تتفوق علينا الآلة فى اللعبة التى علمناها بأنفسنا للأطفال.
ثم هناك عامل الزمن. المعرفة قد تتحقق فى دقائق معدودة لكن الفهم يحتاج إلى وقت، وإلى تكرار، وإلى ما يشبه الهضم. يمكنك أن تعرف فى دقيقة أن نظرية النسبية تقول كذا، لكن أن تفهم ماذا يعنى أن الزمن نسبى فهذا قد يأخذ سنوات. والثقافة الرقمية مبنية على الفورية، ولذلك فهى تنتج بطبيعتها معرفة بلا فهم، حيث نستطيع أن نعرف كل شىء، من دون أن نفهم أى شىء.
■ «تجرّأ على بناء فهمك الخاص».. كيف يمكن استعادة هذا الشعار فى مواجهة خوارزميات لا تكتفى بتوجيه ما نراه، بل قد تؤثر أيضًا فى رغباتنا واختياراتنا؟
- الخوارزميات تقترح عليك أن ترى ما يندرج أصلًا ضمن مجال اهتمامك دون أن تمنحك فرصة اختراق عوالم أخرى، والذكاء الاصطناعى لا يمنحك إلا إجابة واحدة. والفهم الخاص يُبنى بالضبط من العكس: من المصادفات، ومن المشاكسات، ومن الكتاب الذى لم تكن تبحث عنه، ومن الفرضيات المستبعدة، ومن المشاريع التى لم يصادق عليها أحد، ومن الجوابين الثانى والثالث الذى يناقض الأول. حين كنا نتجول فى المكتبة كنا نعثر على ما لم نقصده، أما الخوارزمية فلا تعطيك إلا ما قصدته، ثم ما يشبهه، حتى تصير سجين نفسك.
حين تتعامل مع الذكاء الاصطناعى بوصفه عرّافًا يملك الجواب، تخسر. وحين تتعامل معه بوصفه محاورًا تجادله وتعترض عليه، تربح.
■ إلى أى مدى أصبح الانتباه الإنسانى سلعة اقتصادية؟ وما انعكاس ذلك على استقلال الفرد وقدرته على التفكير النقدى واتخاذ قراراته؟
- لقد صار الانتباه السلعة الأولى فى اقتصاد المنصات. وينبغى أن نفهم القاعدة التى تحكم هذا الاقتصاد: حين تكون الخدمة مجانية، فأنت لست الزبون بل البضاعة. والبضاعة هى انتباهك، يُلتقط ويُقاس بالثوانى ويُباع للمعلنين. ولهذا صُممت المنصات على أساس علم النفس السلوكى لا على أساس حاجياتك: التمرير اللا نهائى، والإشعارات المتقطعة، والتشغيل التلقائى، كلها هندسة دقيقة هدفها أن تبقى، لا أن تفهم.
والانعكاس على الاستقلال الفردى عميق لأن الاستقلال ليس حالة تُمنح بل قدرة تُمارس، وأول شروطها القدرة على توجيه الانتباه. الفيلسوفة سيمون فايل كانت ترى أن الانتباه أندر أشكال الكرم وأصعبها، وأن كل فضيلة تبدأ منه. فإذا كان غيرك هو من يوجه انتباهك، فهو عمليًا من يوجه إرادتك، حتى لو ظللت تعتقد أنك حر. ومن يملك انتباهك يملك فى النهاية قراراتك، لأن القرار يُتخذ بما يحضر فى الذهن لحظة اتخاذه، والمنصة هى التى تقرر ما يحضر.
أما التفكير النقدى فهو أول الضحايا، لأنه يحتاج إلى انتباه متصل وطويل، وإلى مسافة من الموضوع، وإلى مقارنة بين عدة وجهات نظر. وتشتت الذهن يقتل الشروط الثلاثة دفعة واحدة. والذى يقرر بذهن مشتت لا يقرر فى الواقع، بل يستجيب. ولذلك فإننا أمام نموذج اقتصادى يتغذى على تآكل القدرة نفسها التى تقوم عليها المواطنة، وهذا ما يجعل المسألة مسألة سياسية بامتياز، لا مجرد مسألة عادات شخصية.
■ هل انتقل مركز الوصاية من المؤسسات التقليدية إلى المنصات الرقمية، أم أن الأمر يتعلق بتداخل أشكال قديمة وجديدة من السيطرة؟
- يتعلق الأمر بنوع من التداخل، لكنه تداخل يغير طبيعة الوصاية نفسها. الوصاية التقليدية، وصاية رجل الدين والدولة والأسرة والمدرسة، كانت مرئية ومعلنة وتخاطبك بوصفك قاصرًا: أفعل هذا لأننى أعرف أكثر منك. أما الوصاية الجديدة فتخاطبك بوصفك حرًا وراشدًا وسيد نفسك، وتعمل فى الخفاء. لا تأمرك بل تقترح عليك، ولا تمنعك بل ترتب لك الخيارات بحيث تختار ما تريده هى. وهذا أشد فاعلية من كل وصاية سابقة، لأن أحدًا لا يتمرد على وصى لا يراه.
لكن الأشكال القديمة لم تختفِ، بل انتقلت إلى الأدوات الجديدة. الدول تستعمل المنصات للمراقبة وصناعة الرأى، والدعاة انتقلوا من المنبر إلى الشاشة، والأيديولوجيات وجدت فى الخوارزميات أفضل ناشر لها لأن الخوارزمية تكافئ الغضب واليقين والانقسام، وهى أدوات الوصاية القديمة بالذات. فالمنصة لم تحل محل الأوصياء القدماء، بل أعطتهم قوة لم يحلموا بها، وأضافت إليهم وصيًا جديدًا بلا وجه.
■ تربط التفكير بالصبر على السؤال وتقبل انعدام اليقين.. كيف يمكن الدفاع عن هذه القيم فى بيئة رقمية تعادل اليقين الحاسم، حتى عندما تكون المعلومات ناقصة أو مضللة؟
- البيئة الرقمية تكافئ الجواب السريع والحاسم، وتعاقب التردد. فالمنشور الواثق ينتشر أكثر من المنشور المتسائل، والمنشور الذى يقول «لست متأكدًا» قد لا يقرأه أحد. بل إن النماذج اللغوية نفسها مصممة لتجيب بثقة كاملة حتى حين تخطئ، لأن الثقة هى ما يرضى المستعمل. ونحن هنا أمام انقلاب خطير فى القيم: صار اليقين فضيلة والشك عيبًا، بينما تاريخ الفكر كله يقول العكس. سقراط لم يكن يعرف شيئًا، وكل ما فعله هو أنه كان يصبر على السؤال.
والدفاع عن هذه القيم يبدأ من التربية. إن أعظم ما يمكن أن نعلّمه للطفل اليوم ليس المزيد من الأجوبة، بل عبارة «لا أدرى»، أو، بالأحرى عبارة، «دعنى أفكر». تعليم يكافئ السؤال الجيد أكثر من الجواب الصحيح، ويعلّم التلميذ أن يبقى مع المشكلة بدل أن يهرع إلى حلها. وهذا بالضبط ما لا تستطيعه الآلة: الآلة لا تستطيع أن تبقى مع سؤال، فهى مضطرة إلى أن تجيب فورًا. أما الإنسان فيستطيع أن يحمل السؤال سنوات، وهذا الحمل هو ما نسميه التفكير.
ثم إن تقبل انعدام اليقين ليس ضعفًا معرفيًا بل نضجًا وجوديًا. فنحن نعيش أصلًا فى عالم محكوم بانعدام اليقين، لا نعرف ماذا سيحدث غدًا، والذى يطالب الفكر باليقين الحاسم إنما يطلب منه أن يكذب عليه. ولهذا فإن الفلسفة، بوصفها فنًا للعيش، هى فى جوهرها تدريب على العيش بلا يقين دون أن ينهار المعنى. والأداة التى تقدم لنا اليقين الفورى تقدم لنا منومًا لا دواء. فاليقين الذى يأتى فى ثانية هو فى الغالب يقين زائف، وأما اليقين الحقيقى، إن وُجد، فلا يأتى إلا فى نهاية طريق طويل من الشك والتردد.
■ تشير إلى ضرورة اقتراح منظومة جديدة من الحقوق، من بينها حقوق مرتبطة بالانتباه.. ما أبرز هذه الحقوق التى يحتاج إليها الإنسان فى العصر الرقمى؟ وكيف يمكن حمايتها فى مواجهة الشركات والمنصات التى تقوم نماذج أعمالها على استقطاب انتباه المستخدمين؟
- أعتقد أننا نحتاج إلى جيل جديد من الحقوق، تمامًا كما احتجنا بعد الحرب العالمية الثانية إلى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، ثم احتجنا فى أواخر القرن الماضى إلى مواثيق حماية البيئة. فبعد حماية الجسد من التعذيب وحماية الكوكب من التلوث، جاء وقت حماية العقل من الاستنزاف. وقد اقترحت فى هذا الاتجاه مشروع ميثاق عالمى لحماية الذكاء البشرى، يقوم على ثلاث ركائز: الحق فى الانتباه، وتعليم يجعل الآلة حليفًا للذكاء لا بديلًا عنه، وتشريع يحمى سلامة العقل.
أما أبرز الحقوق فهى: الحق فى ألا تُصمم الأدوات لتقتحم انتباهنا دون إذننا. والحق فى أن يكون للإنسان وقت من دون أى تواصل دون أن يُعاقب على ذلك فى عمله أو علاقاته. والحق فى الشفافية الخوارزمية، أى أن نعرف لماذا يُعرض علينا هذا المحتوى بالذات ومن المستفيد من عرضه. والحق فى الاختيار، أى أن يكون بوسعك أن تتصفح بالترتيب الزمنى البسيط بدل أن تتصفح بما تقرره الخوارزمية. والحرية المعرفية، أى حق الإنسان فى أن تبقى عمليات عقله خارج التلاعب المتعمد. ثم، وهذا أهمها، حماية مطلقة للقاصرين من كل تصميم إدمانى، لأن الطفل الذى يُبنى انتباهه فى سن التشكل على المقاطعة والتلاعب سيدفع الثمن طوال حياته.
■ وكيف نحمى الانتباه؟
- بالطريقة نفسها التى حمينا بها الناس من صناعة التبغ: لم ننتظر من الشركات أن تكف طوعًا عمّا يدر عليها الربح، بل شرّعنا وفرضنا التحذيرات ومنعنا الإعلان للقاصرين. المعيار الذى أقترحه بسيط ويمكن تطبيقه على أى تقنية: هل تجعلنا أقدر على التفكير بأنفسنا أم أشد حاجة إليها؟ فما يزيدنا قدرة مرحب به، وما يزيدنا حاجة يجب أن يُقيد ويُقنن. ويبقى التشريع وحده غير كافٍ ما لم يسنده تعليم يعيد للبطء والتركيز والقراءة الطويلة قيمتها، ومجتمع مدنى يجعل من حماية الانتباه قضية عمومية لا مجرد اختيار شخصى.
■ إذا كان الذكاء الاصطناعى قادرًا على إنتاج المعرفة وتحليل كميات هائلة من البيانات، فهل يمكنه بلوغ الفهم بالمعنى الفلسفى الذى تدافع عنه، أم أن الفهم يتطلب خبرة إنسانية مرتبطة بالجسد والضمير والتجربة الحياتية؟
- الذكاء الاصطناعى يعالج العلاقات بين الرموز، وهو يفعل ذلك بمهارة مذهلة، لكنه لا يعالج المعانى بوصفها شيئًا معيشًا. يمكنه أن يكتب عن الحزن أفضل منى، لكنه لم يحزن قط. وهذا الفرق ليس فرقًا فى الدرجة يمكن أن تتجاوزه نماذج أقوى، بل فرق فى الطبيعة. فالفهم بالمعنى الذى أدافع عنه ليس عملية تجرى على المعلومات، بل تحول يجرى فى الكائن الذى يملك جسدًا يتألم، وزمنًا يمضى، وضميرًا يحاسب. أنا أفهم معنى الفقد لأننى فقدت، لا لأننى قرأت عن الفقد.
لكننى لا أريد أن أكون دوجمائيًا فى الاتجاه الآخر. قد تبلغ الآلة يومًا شيئًا يمكن أن نسميه فهمًا بمعنى ما، ولست ممن يراهنون على عجزها الأبدى. غير أن السؤال الذى يهمنى ليس: ماذا تستطيع الآلة؟ بل: ماذا نريد نحن؟ فحتى لو فهمت الآلة، فإن فهمها لا يعفينى من أن أفهم أنا، لأن الفهم عندى ليس وسيلة لإنتاج أجوبة، بل طريقة فى أن أكون فى هذا العالم. الآلة لا تحتاج إلى الفهم كى تعمل، أما أنا فأحتاج إليه كى أعيش.
■ هل يكمن التحدى فى امتلاك مزيد من المعرفة، أم فى بناء إنسان قادر على فهمها ونقدها ومقاومة استخدامها فى السيطرة عليه؟
- التحدى فى الثانى بلا شك. فالمعرفة لم تعد مشكلتنا، إنها موجودة بوفرة تفوق قدرة أى إنسان على استيعابها، ومتاحة فى الجيب بضغطة زر. والذى ينقصنا ليس المزيد منها، بل الإنسان القادر على أن يحولها إلى فهم، وأن يسائلها بدل أن يستهلكها، وأن يعرف متى تُستعمل لتحريره ومتى تُستعمل للسيطرة عليه. ولذلك فإن تنوير القرن الحادى والعشرين لا يمكن أن يكون تكرارًا لتنوير القرن الثامن عشر؛ ذاك كان تنوير الحق فى المعرفة، وهذا يجب أن يكون تنوير الحق فى الفهم.
وبناء هذا الإنسان يبدأ من المدرسة، حيث يجب أن ننتقل من تقويم المعرفة إلى تقويم الفهم، ومن تعليم الأجوبة إلى تعليم الأسئلة. ويمر عبر التشريع الذى يحمى الانتباه كما يحمى الهواء والماء. ويمر أخيرًا عبر قرار شخصى لا يستطيع أحد أن يتخذه عنك: أن تصر على أن تفهم بنفسك، حتى حين يكون بوسع غيرك أن يفهم عنك. وهذا القرار هو ما تعنيه الفلسفة عندى بوصفها فنًا للعيش الحكيم: ليست مجموعة نظريات، بل طريقة فى أن تظل سيد انتباهك وأسئلتك ومعناك، فى عالم بات كل شىء فيه مصممًا ليأخذها منك.
■ لِمَ ينبغى أن يظل الذكاء البشرى سيد الذكاءات غير البشرية؟
- لأنه ذكاء الحياة، والذى ينبغى ألا يخسر سيادته أمام أى ذكاء آخر. السيادة هنا ليست سيادة معرفية، فأنا أعترف بأن الآلة تعرف أكثر منى، بل هى سيادة فى تحديد الغايات.
الآلة تعرف «كيف»، لكنها لا تعرف «لماذا». تستطيع أن تخبرك بكيفية الوصول إلى أى هدف معين، لكنها لا تستطيع أن تخبرك أى هدف يستحق أن تسعى إليه. تحديد ما يستحق هو ما نسميه القيم، والقيم لا تُشتق من المعلومات مهما توافرت، بل من التجربة الحية لكائن يعيش.
ثم إن الذكاء الذى يتألم وحده هو الذى يحق له أن يقرر ما يجب أن نتجنبه، والذكاء الذى يموت وحده هو الذى يحق له أن يقرر ما يستحق أن نعيش من أجله. حين نفوض هذه القرارات إلى آلة لا تتألم ولا تموت، فإننا لا نكون قد وجدنا سيدًا أحكم منا، بل نكون قد تخلّينا عن مسئوليتنا عن أنفسها، وهذا هو التعريف الدقيق للقصور الذى أراد التنوير أن يخرجنا منه.
وأخيرًا، المعرفة بلا غاية هى قوة عمياء. والتاريخ يعلمنا أن أعظم الكوارث لم تأتِ من نقص المعرفة بل من معرفة انفصلت عن الحكمة. فالذى يجب أن يظل سيدًا ليس الذكاء الأكثر معرفة، بل الذكاء القادر على أن يسأل: ما معنى كل هذا؟ وهذا السؤال، إلى حد الآن على الأقل، هو سؤال بشرى بامتياز.







