الثلاثاء 16 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

المثقف المفقود .. لماذا تبخّرت النخبة بعد الانتصار فى اعتصام وزارة الثقافة؟

افتتاحية العدد السادس
افتتاحية العدد السادس والعشرين

- عدد ليس قليلًا من المثقفين كانوا أدوات فى يد جماعة الإخوان

- لقد كان المثقفون المصريون فى طليعة مواجهة الجماعة لكنهم- وكعادتهم- لا يقومون باستكمال أدوارهم

سألت واحدًا من قادة اعتصام المثقفين، الذى كان شرارة كبيرة من شرارات انطلاق الثورة على جماعة الإخوان الإرهابية فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣: أين ذهب المثقفون بعد أن نجحت الثورة؟، لماذا وصل إلى الرأى العام إحساس بأن الجماعة الثقافية تبخّرت تمامًا بعد الحدث الكبير؛ رغم أن الاعتصام كان مجرد بداية.. ولم يكن نهاية؟، لماذا لم نرهم فى الأحداث المفصلية التى عبرتها دولة ٣٠ يونيو بنفس الحيوية والحماس؟ 

لقاء السيسي مع المثقفين

كانت الإجابة بقدر صدقها مُحبطة. 

قال لى: المثقفون المصريون تعودوا ألا يعملوا بهذا الحماس والقوة إلا فى أوقات الأزمات، لا يتحركون إلا مع شعورهم بالخطر العام، وهو ما حدث عندما قرروا الاعتصام فى ٥ يونيو ٢٠١٣، واحتلال مكتب وزير الثقافة، وإعلان عدم فض اعتصامهم إلا برحيل الإخوان، وأنهم فى ساعات الخطر لا يعبأون بالنتائج، فقد دخلوا الاعتصام وهم غير واثقين من نجاحه، وأنهم يمكن أن يتعرضوا لإبادة جماعية، لأنهم أقدموا على ما فعلوه بقناعة تامة بأنهم من الضرورى أن يتحركوا. 

لماذا أقول إن هذه الإجابة- على أهميتها- مُحبطة؟ 

ببساطة لأن المثقفين بهذا السلوك يؤكدون أنهم يدورون فى فلك أنفسهم فقط، يعتبرون الوطن هو ما يخصهم فيه، لا ينظرون إلى أبعد من أوضاعهم وما يحصلون عليه من مكاسب حتى ولو كانت قليلة وزهيدة، تمكنهم من مواصلة الحياة بالطريقة التى تروق لهم، وغير ذلك فلا يشغلهم فى كثير أو قليل. 

اعتصام المثقفين

لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير الذى قام به المثقفون فى ثورة ٣٠ يونيو. 

لكن لا يمكننا أن نتجاهل فى الوقت نفسه جغرافية هذا التحرك، ولا فلسفته ولا الطريقة التى تم بها والتوقيت الذى شهد فاعليته. 

لقد أسهم عدد كبير من المثقفين فى حركة الاعتراض العام على الجماعة الإرهابية منذ اليوم الأول لوصولها الحكم، ولن نلتفت بالطبع إلى عدد منهم، وهو ليس قليلًا بالمناسبة، كانوا مجرد أدوات فى تنفيذ مخطط الأخونة، وقد ساروا فى هذا الطريق سعيًا لتحقيق مصالح صغيرة ومكاسب هزيلة، وهؤلاء نعرف ما فعلوه فى السر قبل العلن، وأعتقد أن التاريخ قادر بمفرده على أن يفضح ما فعلوه ويكشف ما قاموا به، فالتاريخ على عكس البشر لا ينسى ولا يسامح. 

لن أتوقف أمام هؤلاء طويلًا، فالقضية أكبر منهم جميعًا. 

أتوقف فقط أمام سلوك المثقفين ومسارات تحركهم، فقد ظل حراكهم فرديًا رغم الخطر الذى كانوا يشعرون به على هوية مصر، والمرتكزات الأساسية التى تقوم عليها فكرة الوطنية المصرية، وهى مرتكزات لم تكن الجماعة الإرهابية تعرف عنها قليلًا أو كثيرًا. 

لم يأت المثقفون بشكل جماعى إلا متأخرًا. 

لكن- كما يقولون- أن تأتى متأخرًا خيرًا من ألا تأتى أبدًا. 

فى ٧ مايو ٢٠١٣ عندما تم تعيين علاء عبدالعزيز، المعروف بإخوانيته وانتمائه الكامل للجماعة وزيرًا للثقافة، أدرك المثقفون أن الخطر يقترب من بيتهم، هدد الوزير بأنه جاء ليكشف عن الفساد فى وزارة الثقافة، وبدأ فى إهانة الرموز الثقافية باعتبارهم مستفيدين من الوزارة، وخاض فى سيرة القيادات بما لا يليق، فبدأ المثقفون فى التكتل ضده، على طريقة جحا الذى ظل صامتًا لا يبالى؛ لأن الخازوق كان بعيدًا عن بيته، أما وأن الخازوق يقترب من غرفته فكان لا بد من التحرك. 

لا يعنى ما أقوله انتقاصًا أبدًا من جهد المثقفين وما فعلوه وقاموا به، فقد كان اعتصامهم أقرب- وبدون مبالغة- إلى العملية الاستشهادية الكاملة. 

كان التخطيط للاعتصام، الذى بدأ فى ٥ يونيو ٢٠١٣، محكمًا إلى درجة كبيرة، مَن قاموا بالتفكير فيه قرروا أن يكون مفاجأة للجميع، ليس للإخوان فقط، ولكن لمؤسسات الدولة المختلفة، وهو ما تم بالفعل. 

وتخيلوا أن مجموعة الـ١٥، وهم من كبار الكتاب والأدباء والفنانين الذين توجهوا إلى مكتب وزير الثقافة لاحتلال مكتبه والاعتصام فيه، تم إلقاء القبض عليهم بتهمة الاعتداء على منشآت حكومية وتلفيق التهم لهم والحكم عليهم بالسجن. 

كان يمكننا أن نكون أمام مأزق كبير، ولا أتخيل كيف يمكن أن يكون التصرف وقتها. 

كان الكبار الـ١٥ يعرفون جيدًا أنهم يمكن أن يتعرضوا لخطر كبير، بل يمكن الاعتداء عليهم وهم العزل من السلاح، والكبار فى السن للدرجة التى لن تمكنهم أبدًا من الدفاع عن أنفسهم أو دفع الأذى عنهم، لكنهم استهانوا بكل وأى خطر، لأنهم كانوا يعرفون أن هذه المعركة هى الأخيرة، وليس مهمًا أن ينتصروا فيها بقدر ما يجب أن يخوضوها بشرف. 

لم يكن المثقفون وحدهم فى هذه المعركة، كانوا طليعتها، لكن ما كان لهم أن ينجحوا فيها إلا بالتفاف المجتمع كله حولهم، ولم يكن غريبًا أن يقول لى أحد قادة الاعتصام: كنا نشعر بأن مصر كلها تقف إلى جوارنا، لم يتركنا أحد، حتى عندما فكرت الجماعة فى فض الاعتصام بالقوة وأرسلت إلينا بلطجيتها تصدى الشباب لهم وأعادوهم خائبين. 

استمر اعتصام المثقفين من صباح ٥ يونيو إلى مساء ٣ يوليو ٢٠١٣، لم يخرجوا من الوزارة إلا إلى ميدان التحرير لمشاركة الشعب فى ثورته الكبرى، وعندما اطمأنوا إلى الانتصار الذى توج بخارطة الطريق، عادوا إلى بيوتهم مرة أخرى. 

وهنا تأتى الأسئلة متلاحقة لا نستطيع لها ردًا: 

هل كان يجب أن يعود المثقفون إلى بيوتهم؟ 

هل كان يجب أن يغادروا الميدان؟ 

هل كان يجب أن يلتزموا الصمت؟ 

وهل كانوا يعتقدون أن إسقاط الرئيس الإخوانى هو نهاية الطريق؟ 

ألم يدركوا أنها كانت البداية فقط؟ 

أعود مرة أخرى إلى ما قاله لى أحد قادة الاعتصام، من أن المثقفين لا يتكتلون بهذه الصورة من الحماس إلا فى أوقات الأزمات الحادة، يظهرون ليقوموا بأدوارهم، فهل انتهت الأزمة فى ٣ يوليو لينتهى الأمر ويفضوا أيديهم مما جرى؟ 

لقد كانت مصر فى حاجة إلى مثقفيها بعد ٣ يوليو ٢٠١٣ ربما أكثر من حاجتها إليهم قبلها، فالمعركة بعد إسقاط الإخوان تشعبت وأصبحت الحرب على جبهات ثلاث. 

أحمد مجاهد

الجبهة الأولى كانت مواجهة الإرهاب الذى أعلن عن نفسه بشراسة، وقرر قادته أن ينتقموا من الشعب المصرى بسبب ما فعله فى ٣٠ يونيو، وكان دور المثقفين المطلوب هو مواجهة هذا الإرهاب فكريًا، لكنهم فى الأغلب الأعم جلسوا فى بيوتهم وكأنهم يقولون لرجال الجيش والشرطة: اذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا إنا ها هنا قاعدون، بل إن كثيرين منهم تحولوا إلى نقاد ومناهضين يرفضون إجراءات إنفاذ القانون ضد الإرهابيين. 

الجبهة الثانية كانت معركة إعادة البناء من جديد، بث الروح وبعثها فى الدولة المصرية التى عانت من الإهمال كثيرًا، بدأت حركة البناء والتعمير والترميم فى نفس الوقت الذى كانت تقوم فيه الدولة بمواجهة الإرهاب، وكان من المفروض أن يكون المثقفون عونًا ومعينًا فى خطوات الدولة التى كانت ثابتة رغم المخاطر والتحديات، لكننا رأينا أصواتًا تقلل من شأن ما يحدث، وتستهين بالجهد المبذول، بل بدأ حديث سمج ومدعٍ عن ترتيب الأولويات، وكنت أتعجب بشدة من هذا الحديث لأن الدولة جعلت من كل الملفات أولويات، وكان الحديث عن ترتيبها بعضًا من العبث وعدم الإدراك.

الجبهة الثالثة كانت معركة الوعى، وهنا لا بد أن أشير إلى ما طلبه الرئيس عبدالفتاح السيسى من المثقفين فى لقائه الأول والأخير معهم. 

وضع الرئيس أمام المثقفين التحديات التى تواجهها الدولة المصرية داخليًا وخارجيًا، وطلب منهم بوضوح أن يقوموا بدورهم فى رفع وعى المواطنين بهذه التحديات، وكيف يتعاملون معها. 

كانت ثقة الرئيس فى المثقفين كبيرة. 

واعتبرت وقتها أنهم كانوا فى اختبار حقيقى. 

ما حدث بالفعل أن المثقفين المصريين لم يكونوا على قدر الاختبار، ولا بقدر التحدى. 

بل يمكننى أن أقول إنهم لم يجتازوا الاختبار فى مرحلتيه. 

المرحلة الأولى كانت فى استجابتهم لكلام الرئيس، فعندما تحدثوا معه لم يسمع منهم كلامًا فى الأفكار والاستراتيجيات، بل كان كلامًا مشتتًا، أثاروا خلاله بعض القضايا الفرعية التى لا يجب أن تثار أبدًا فى وجود رئيس الدولة. 

والمرحلة الثانية عندما طلب منهم؛ بالتنسيق مع وزير الثقافة وقتها الكاتب الصحفى حلمى النمنم، أن يعودوا له بخطة شاملة واستراتيجية محكمة للمواجهة، فذهبوا ولم يعودوا مرة أخرى، رغم أن وزير الثقافة تابعهم وألح عليهم، بل طاردهم، حتى ينتهوا من إعداد الخطة، لكنهم لم يستجيبوا، وبدا له- كما قال لى- أنهم لا يريدون أكثر من الجلوس إلى الرئيس والحديث معه. 

فى ندوة حاشدة شهدتها دار الأوبرا المصرية نظمتها تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين للاحتفال بذكرى ثورة ٣٠ يونيو الحادية عشرة، كان موجودًا إلى جوارى على المنصة الدكتور أحمد مجاهد رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب السابق، الذى قال إن الاستدعاء الأول للمثقفين كان خلال الحوار الوطنى. 

تقاطعت مع الدكتور مجاهد، فلم يكن ذلك دقيقًا، فقد تم استدعاء المثقفين إلى المشهد الذى أعقب ٣٠ يونيو من اللحظة الأولى، لكنهم خذلوا من استدعاهم، ولم يقفوا الوقفة التى كان من المفروض أن تكون، وهو ما لا يمكن أن نتجاهله أو نغفل عنه. 

ما أقوله الآن ليس عتابًا ولا لومًا ولا محاولة لتحميل المثقفين المصريين ما لا يطيقون، ولكنه توصيف لما حدث للبناء عليه فيما هو قادم من أيام، فالإلحاح على دور للمثقفين يأتى من إدراك أهميتهم وتأثيرهم وقدرتهم على تحريك الرأى العام. 

وإذا كان المثقفون المصريون يعتقدون أنهم يجب ألا يتحركوا ويسهموا فى المجال العام إلا فى وقت الأزمات الخانقة، فإن هذا الاعتقاد لا بد أن يتغير، لا بد أن يكونوا حاضرين وبقوة وفى كل مراحل الوطن، خاصة إذا كانت هذه المراحل عبارة عن أزمات متلاحقة ومتنوعة. 

هناك ما يمكن أن أعيبه على الجماعة الثقافية المصرية. 

فمن بين ما يعتقدونه أن المثقف لكى يحصل على شرعيته لا بد أن يكون معارضًا، لا بد أن يقف على الضفة المواجهة للضفة التى يقف عليها النظام السياسى، وهى مغالطة كبيرة تحتاج فيما أعتقد إلى مراجعة شاملة. 

فليس معنى أن تكون مثقفًا أن تكون معارضًا، خاصة أن إدمان المعارضة يتحول إلى نوع من المناهضة، وهو ما حدث بالفعل، وكانت النتيجة أن دور المثقف أصبح مفقودًا فى القضايا العامة، بل إن المثقف نفسه أصبح مفقودًا، ووجدنا أنفسنا نبحث عنه ليقوم بما يجب أن يقوم به. 

لقد كان المثقفون المصريون فى طليعة مواجهة الجماعة، لكنهم- وكعادتهم- لا يقومون باستكمال أدوارهم، يظل ما يفعلونه منقوصًا للدرجة التى تجعلك تتحير فى أمرهم، فإذا كانوا قادرين على الكمال، فلماذا ينسحبون فى اللحظة التى يكون فيها حضورهم ضروريًا ولازمًا ومطلوبًا؟ 

لقد كانت هناك- ولا تزال- دعوات لتجديد الخطاب الدينى، وأعتقد أننا فى حاجة ملحة لتجديد الخطاب الثقافى أيضًا، إلى إعادة النظر فى دور المثقفين بالكلية، وهذا أمر لا يعيبهم، بل يضيف إليهم ويضعهم فى المكانة التى يستحقونها، إلا إذا كانوا يريدون أن يكون حضورهم موسميًا فقط.. وهو ما لا نرضاه لهم، وأعتقد أيضًا أنهم لا يرضونه لأنفسهم.