صالحة عبيد: أكتب لنفسى وليس الجوائز
- يستهوينى توريط القارئ فى لعبة ذهنية
- القصة القصيرة ما زالت حاضرة فى المشهد الإبداعى العالمى
- مشروعى ممتد خارج مواسم المسابقات
بصدور روايتها الأخيرة «إلا جدتك كانت تغنى»، يترسخ اسم الكاتبة صالحة عبيد كصوت إماراتى يتسم بالخصوصية والعذوبة فى سعيه الدائم لتشييد حالة سردية حميمة تستلهم الموروث الشعبى وتصل ما انقطع بين الأصالة والحداثة.
وبعد عدة تجارب لفتت الأنظار فى القصة القصيرة عبر مجموعات «زهايمر»، و«ساعى السعادة»، و«آيباد- الحياة على طريقة زوربا»، و«خصلة بيضاء بشكل ضمنى»، اتجهت بشكل قوى إلى الرواية عبر عدة أعمال متوالية منها «لعلها مزحة»، و«دائرة التوابل» التى رشحت للقائمة الطويلة لجائزة «البوكر».
عن روايتها الجديدة ورؤيتها للمشهد الأدبى، أجرت «حرف» مع صالحة عبيد، الحوار التالى.

■ تقدمين فى روايتك الأخيرة نموذجًا غير نمطى للجدة فى المجتمعات العربية.. من أين استلهمت هذا النموذج؟ وما المعنى الكامن وراء تقديمه بهذه الصورة؟
- أظن أن جزءًا مهمًا فى الأدب يتجلى فى الكشف عن المواضع غير النمطية، لأنها تقدم الحكاية التى لا تُنسج إلا خارج المألوف والمعتاد، سواء من خلال اللغة أو من خلال الموضوع؛ ومن هنا فإن الجدة فى «إلا جدتك كانت تغنى» هى محاولة لرواية الحكاية التى يقدمها الإنسان خارج النسق العام.
أما الاستلهام، ففى مجتمعات الموسيقى الشعبية لم تكن المغنية التى تحيى الأعراس نموذجًا غريبًا بالكامل فى لحظة الفرح، لكن بعد أن تنطفئ تلك اللحظة يبدأ المجتمع اليومى النظر التجنبى الدونى تجاهها.
ولطالما كنت أفكر ماذا عن سلالات أولئك المغنيات، كيف يتعاملن مع الأمر وكيف تتشكل حيواتهن اليومية كزوجات وأمهات ثم جدات بطبيعة الحال.
وتأتى الموسيقى أيضًا فى نمطها اللا مألوف فى ذلك الوقت فى المجتمع وتحولاتها، والسؤال الذى تحاول الرواية أن تجيب عنه بعد أن طرحته شخصية «مروان بن هاشم» وهو «من نسب الموسيقى للمجون؟».

■ ما دلالة اسم الجدة «عذيجة» والذى جاء لافتًا على نحو مدهش؟
- «عذيجة» هو اسم من الأسماء الإماراتية القديمة، وفيما يتعلق برمزيته فى الرواية فالاسم فى معناه يرمز للمعتق القديم والأصيل، وفى ذلك دلالة لأصالة عذيجة فى موضعها فى نسيج المجتمع الذى يهمشها، بل هى دعامة رئيسية لأفراحه التى لا تقام بدونها، «عذيجة» أيضًا فى بُعد آخر قد ترمز لعذق النخلة، أى غصن النخلة المحمل بالرطب، وهو اسم يرمز للخير والخصوبة والوفرة، وهو ما أردت لعذيجة الجدة- التى تحمى شاهين حفيدها بحنانها وخيرها بعد نبذ أمه والمجتمع- أن تعكسه، وهى أيضًا المرتفعة العالية الباقية رغم النظرة الدونية التى يحاكمها بها المجتمع بشكل مستمر بحكم مهنتها، هى لا تجف ولا تتوارى ولا تنتهى بل تستمر بحضور الأعراس وإحيائها بالأغنية والموسيقى، وتمد لشاهين دربًا أخضر يكتشف من خلاله حبه للموسيقى ورغبته باستكشاف اتساع الجسد من خلالها.
هى أيضًا الظل.. ظل عذق النخلة الذى يلف الرواية كلها، فهى لا تقدم حكايتها بشكل مباشر، لكنها تتحرك من خلال شاهين وصوته ومصيره وذاكرته المتأصلة عنها فى أعماق روحه.

■ وصف بعض النقاد الرواية بأنها عمل مربك يتطلب جهدًا ذهنيًا من القارئ لجمع خيوط الذاكرة المبعثرة مثل قطع المرايا، إلى أى حد تتفقين أو تختلفين مع هذا الرأى؟
- الرواية لم تُكتب بطريقة انبساطية، وفى ذلك التشظى جزء من محاولات التجريب فى تقنية كتابة الحكاية التى تمثل جزءًا من تطوير هويتى السردية باستمرار واختبارها، أتفق مع نقطة الإرباك فى البداية لكن ما إن يمسك القارئ بخيوط الحكاية يكتشف شراكته الضمنية مع النص ليصل إلى نهايته مكتملًا.
أظن أن الرواية التى تشكل تحديًا هى التى ترسخ فى الذهن وتحفزه، ولا أعنى بالتحدى الصعوبة والوعورة والتعالى على القارئ، لكن فى تقديم لعبة ذهنية يشارك من خلالها فى بناء العالم الروائى وهو يقرأ ويستكشف ويضع تأويله الخاص على النص وفق تجربته الحياتية. بالنسبة لى بدأت هذه الرواية من سؤال كيف ستكون الرواية لو كان البطل هو الصوت؟ فكرة أربكتنى فى البداية قبل أن أمسك بالعناصر وأكتب وأريد للمتلقى أن يشاركنى فى ذلك فمرحبًا به.
■ يبدو أنه تستهويكِ النماذج غير التقليدية الخارقة للمعتاد، كما فى روايتك «دائرة التوابل» التى تتحدث عن شخصية تمتلك موهبة مذهلة فى تمييز مكونات التوابل والبشر.. أليس كذلك؟
- لكل رواية جوهرها الخاص، فى «دائرة التوابل» كانت هناك «شما» و«شيريهان» والتداخل بينهما فى استكشاف التاريخ الشخصى والعام من خلال حاسة الشم الخارقة نسبيًا، لكن فى «إلا جدتك كانت تغنى» لا وجود للخوارق بمفهومها المباشر وإنما هناك حكايات الشخوص وتداخلها وتباينها حول الموسيقى بشكل ما وكيف توازت الموسيقى الشعبية أولًا ثم الموسيقى بمفهومهما العام وتداخلت حكايتها بحكاياتهم وأثرت عليها وعلى أسئلتهم ووعيهم. فى هذه الرواية هناك الحياة التى تحدث يوميًا بكل ارتباكاتها وتناقضاتها. كل وجود حى وحيوى هو إمكانية خاصة للاحتمالات والحكايات، هنا يكمل الجانب المشوق فى السرد واستكشاف تلك الاحتمالات اللا نهائية لحكايات الإنسان.

■ بعد أربعة إصدارات متوالية فى القصة القصيرة، تركزين على الإنتاج الروائى.. هل يعنى ذلك أن أولوياتك الإبداعية تغيرت؟
- ليست مسألة أولويات فأنا ما زلت أكتب القصة وأنشر قصصًا بشكل منفرد على فترات متقاربة للروايات، لكننى أنظر للأمر من ناحية إلى أين يأخذنى مسار الفكرة، بعض الأفكار تحتمل التكثيف والاختزال فتأتى على هيئة قصص قصيرة وأخرى تسحب معها ثقلها الاجتماعى والسياسى والتاريخى فتصنع حكاية ممتدة هى الرواية. أنا ساردة بالمفهوم العام ولست ملتزمة بنمط سردى واحد، فهذا يضعف التجربة ويجعلها محدودة. أولويتى الإبداعية هى الاستمرار والمثابرة فى طرح الأسئلة من خلال الموضوع والشكل السردى.
■ أليس ما تحققه الرواية من انتشار وأضواء وجوائز بمثابة عنصر إغراء لك فى هذا السياق؟
- هذا أمر أنا لست مشغولة به حقيقة، أنا منشغلة بمتعة التجريب فى اللغة والحكاية واستكشاف ما أستطيع تقديمه بنفس طويل فى الرواية، وهل يتطور صوتى الخاص رواية بعد أخرى؟. وكما ذكرت فإننى ما زلت أكتب القصص وأستمتع بكتابتها بين فترة وأخرى بما تحمله من خصوصية لاستكشاف قدرتى على التكثيف اللغوى. الجوائز قد تأتى ولا تأتى وفق مواسمها، أما الكتابة فهى مشروع ممتد خارج المواسم، مشروع حياة وسؤال وجود خاص مرتبط بى كإنسانة.
■ كيف ترين شكوى كثير من الناشرين بأن القصة القصيرة لم تعد مرغوبة من جانب القراء ولا تحقق الحد الأدنى من المبيعات؟
- فى الحقيقة لا أستطيع أن أعلق على ما يراه الناشر لأنه ليس موضع اختصاصى لكننى كقارئة ما زلت أولى عناية خاصة بأن أقرأ القصص وأعجب بها، وأظن أن هناك عددًا جيدًا من القراء يهتم بها، يكفى أن أذكر مثلًا أن العمل الفائز بالبوكر الدولية هذا العام ٢٠٢٥ هو عمل قصصى للكاتبة الهندية بانو مشتاق بعنوان «سراج القلب» ويعرض قصصًا متنوعة حول حيوات النساء المسلمات فى مجتمعها وتقاطعهن مع سؤال الوجود والمجتمع وغيرها.
عمل قصصى قوى وبارع نافس روايات وفاز فما زالت للقصص قوتها وأهميتها.. التقيت ببانو مشتاق نفسها ومترجمة العمل من الهندية للإنجليزية أثناء مشاركتى فى مهرجان أوبود للأدب بمدينة بالى الإندونيسية، وأذكر أن القاعة كانت ممتلئة بقراء لقصص بانو يناقشون ويتفاعلون مع كل قصة، وهو أمر أكد لى أن للقصة حيزها المهم متى ما كُتبت بقوة وأصالة، خارج مفهوم الكسب السهل والسريع، ماديًا ومعنويًا.
■ ما الفارق بين القصة القصيرة والرواية كتجربة إبداعية من واقع تجربتك، أيهما أقرب إليك، أيهما أكثر صعوبة أو أكثر إمتاعًا؟
- القصة بالنسبة لى هى فن قائم على التكثيف والاختزال فمتى ما أتت الفكرة التى تحتمل اختزالها أفرغها على هيئة قصة قصيرة فى جلسة واحدة أو جلستين قبل العودة لمرحلة التحرير، لكن مع الرواية تختلف المراحل. هناك الفكرة التى تحمل معها أبعادًا اجتماعية تاريخية سياسية واقتصادية أيضًا، وهو ما يستلزم مرحلة قراءة وبحث قبل المباشرة بكتابة الحكاية التى ستحوى كل ذلك فى مزيجها السردى، ثم تأتى الكتابة نفسها التى تحدث على مراحل، لتجنب التشويش وإضعاف الحكاية، يليها مرحلة أخرى ممتدة زمنيًا لتحرير الرواية تختلف عن تحرير القصة فيما تركز عليه وتتناوله.

■ هل يمكن وصف أعمالك الأدبية بأنها تحمل توجهًا نسويًا ما؟
- أنا امرأة بالدرجة الأولى، وبالتالى أنا أشاهد العالم بهذه العين، فالنسوية هنا هى هوية أكثر من كونها صفة، نستكشف من خلالها نحن النساء العالم لنفهم ونعرف ما يلزم وما يجب أن يتوقف أو يُرفض. تقول الحكاية ذلك أيضًا باعتبارها جزءًا من هويتى الذهنية، أعتقد أن الفهم السطحى والشعبى لمفهوم «النسائى» ثم «النسوى» فى سياقها الاجتماعى والسياسى والتاريخى هو ما يخلق الفوضى الدائمة واللغط غير الصحى.
لكننى يجب أن أشير هنا كذلك لفكرة أن الشخوص فى الرواية هى ليست جميعها أنا، فهى تعبر عن كيان منفصل يتجلى وفق مساره الاجتماعى والتاريخى، خارج فكرة بناء موقف موحد فالرواية ليست شارعًا للتظاهر أو منبرًا للخطاب بل هى صناعة وعى تراكمى إبداعى وموقف واسع تجاه العالم سرديًا.

■ كيف تضعين تجربتك فى سياق مجمل تجربة المبدعات الخليجيات؟
- هذا سؤال لست مخولة بالإجابة عنه كون أن الاحتكام هنا قد يكون للناقد والقارئ، كيف يرى ويرتب ويقيس بما يمتلك من أدوات خاصة. أنا أرانى معهن جميعًا ، نكتب ونستمر بالكتابة وطرح الأسئلة والاستكشاف والنمو وأعتز بكل تجربة منهن.







