الأربعاء 18 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

ماذا يكتب العالم؟

كرة ثلجية.. عندما يكون الكاتب بين مشروعين

حرف

يحب الكتاب تصوير معاناة مهنتهم بصورة رومانسية. وصفها همنجواى بأنها أشبه بالجلوس أمام آلة كاتبة والنزيف. وقارنها كافكا بالهبوط إلى هاوية الذات الباردة. وقال ديفيد فوستر والاس إنها أشبه بانتزاع الأسنان من رأسه.

ليزلى كوهين

بالطبع، الكتابة ليست أسوأ من أى مهنة أخرى. الفرق الوحيد هو أن الكتاب بارعون فى التعبير عن أنفسهم، ولديهم ميل كبير لذلك. لذا، إذا كان لدى كاتب أى شىء سلبى ليقوله عن حياته اليومية، فستسمعه حتمًا. وهذا يختلف عن المهن الأخرى، حيث قد تجد شخصًا أو اثنين قادرين على الصمت.

الحقيقة أننا نعشق الكتابة بشغف كبير، بل بجنون. وما يؤلمنا أكثر هو التوقف عن الكتابة. عندما أكون بين مشروعين، يتباطأ العالم من حولى، ويسود صمت مطبق، هادئ ومدوٍ فى آن واحد.

لا أجد متنفسًا لأفكارى ومشاعرى. كتابة رواية تجربة انفرادية، لكن التوقف عنها أشد انفرادًا، دون تلك المكالمات العابرة من المحرر أو مسئول التسويق التى تخفف عنى.

أما عملية النشر، فهى أشبه بالتجول فى مدينة ملاه. تدمن لحظات النشوة، وتعتاد تحمل لحظات الضعف. ألوان زاهية، وأضواء مبهرة، وألعاب ممتعة، وجوائز، ووجبات سريعة، ولكن أيضًا، احتمال دائم بالمرض. بعد كل هذه التقلبات، يشعرك سكون ما بين المشروعين وكأنك دخلت مركزًا لإعادة التأهيل.

بعد أن مررت بهذه الدوامة عدة مرات، أحاول الاستمتاع بالهدوء. سأكلف نفسى بتحديات كتابية، مثل مساعدة صديقى المرشح لمجلس الولاية فى صياغة شعارات لحملته. 

أنت ضد تربية الأخطبوط فى نيويورك؟ أين تربى الأخطبوطات؟ فى إيست فيليدج؟ سأنظم دورة مكثفة فى قواعد اللغة لأطفالى. أعمارهم سبع وأربع سنوات فقط، لكن ليس من المبكر أبدا تعلم الفرق بين «أنا» و«لى» و«جيد» و«بشكل جيد». ذهبت أنا وألينا إلى الملعب؟ ذهبت أنا وألينا إلى الملعب! هل جننت؟ أطلب مكبر صوت عبر الإنترنت. أختار الشحن السريع.

سأقرر أننى ربما سأكون الأم التى تخبز أفضل كعكات رقائق الشوكولاتة، وهو ما يتحول سريعًا، لعدم امتلاكى أى خبرة سابقة فى الخبز، إلى: ربما سأكون الأم التى تشترى أفضل كعكات رقائق الشوكولاتة. لماذا أُحرم خبازة ماهرة من فرصة عمل؟ ألا أشعر بالخجل؟ لكن بمجرد أن أذهب إلى الغابة وأُطلق العنان لروح هنرى ديفيد ثورو بداخلى، أبدأ بالتوق للعودة إلى العمل.

أستلهم أفكارى من كتاب آخرين، وممثلين، وكل من يعمل فى مجال إبداعى. أصرخ فى التلفاز أثناء مشاهدة فقرة المقابلات مع المشاهير فى برنامج حوارى ليلى: «حسنا، ولكن ماذا فعلت يا ليو بين فيلمى «قتلة زهرة القمر» و«معركة تلو الأخرى»؟ كيف عشت حياتك؟». 

لا أحصل على إجابة أبدًا. لأنه لا توجد إجابة. إنها فوضى عارمة فى عالم التخطيط، حيث يتلاشى الروتين. هذا هو أصعب ما فى أى مسعى إبداعى: لا يوجد طريق، ولا سبيل مضمون للوصول من مكان إلى آخر، ولا إرشادات أو خريطة. ليس الأمر متعلقًا بالطريق الأقل ارتيادًا، بل ببساطة: لا يوجد طريق أصلًا.

ستكون هناك أوقات يصعب فيها التحفيز، وأوقات أجد نفسى فيها فى حالة اكتئاب. كثير من المبدعين الذين أعرفهم يبحثون باستمرار عن عمل لتأمين لقمة العيش، ماديًا ومعنويًا. على أن أذكر نفسى بأن هذه هى حياة المبدع، وهو ما يعنى أحيانًا: إذنًا لأخذ قيلولة فى منتصف النهار.

غالبًا ما أفكر: لا تقلقى! ربما تصابين بفيروس، وحينها ستفهمين سبب كل هذا الاسترخاء وأخذ القيلولة. ستكون هناك أوقات يؤدى فيها وقت الفراغ الزائد إلى أمور تافهة، مثل الغوص فى تفاصيل شخصيات زوجات أصدقائى السابقين على إنستجرام. يا إلهى، ما هذا التمرين المثير للاهتمام الذى تقومين به يا جينيفر! مثير للاهتمام. مرض. آسفة على انشغالى بالتفكير!

أحيانًا أبالغ فى تقدير الأمور. وبينما أسير فى الشارع، يبدأ خيالى بالانقلاب على: هل يبدو غصن الشجرة وكأنه على وشك السقوط؟ أليست الحياة مثيرة للاهتمام؟ غصن شجرة واحد ساقط، ويتوقف كل شىء.

فى النهاية، أتقبل حقيقة أننى بلا روتين، وهذا جزء من عملى. قد تجعلنى نزهة واحدة بلا هدف أشعر بأن وجودى كله بلا هدف، لكن على أن أذكر نفسى: أن أكون بلا هدف اليوم لا يعنى أننى بلا هدف غدًا، أو إلى الأبد. أعود إلى المنزل وأكتب قصة قصيرة عن غصن الشجرة كاستعارة لهشاشة الحياة.

لأن الكاتب لا يكون أبدًا بين مشروعين. فأنا دائمًا أستمع، ودائمًا أدون الملاحظات. حتى نزهة أو محادثة مع صديق أو شجار مع زوجى «فهو يعشق ردود أفعالى المبالغ فيها» يمكن أن تتحول بسهولة إلى مادة للكتابة. إنه أمر ممتع للغاية، طالما استطعت تجنب ذلك الشعور الملح: هل سأعمل مجددًا، أم سيستمر هذا الصمت؟

أُفضل أن أكون منغمسة فى الكتابة، فى خضم الإبداع. أحيانًا أشعر أثناء كتابة رواية وكأننى داخل كرة ثلجية. أُحب هذه الفقاعة، الحماية من العالم الخارجى، والترتيب الدقيق للأشياء بداخلها، والتأكد من تساقط الثلج بشكل مثالى. 

بمجرد الانتهاء منها، تصبح مجرد قطعة على مكتبى. أستمتع بجمالها. أحركها متى شئت. لكننى سأفتقد دائمًا الوجود داخلها. ستثير فىّ دائمًا وخزة خفيفة من الحنين والحزن. 

لكن، كما ترى، حتى هذا جزء من العملية، عملية أحبها بشدة، بل بشغف كبير. ولن أتفاجأ إذا ما انتقلت تلك الوخزة نفسها من الحنين والحزن إلى المشروع التالى، متى ما حانت. فرصة أخرى للتنفس.