الثلاثاء 07 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

سناء البيسى تكتب: خلاص يا أحمد

أحمد زكى
أحمد زكى

- حلم ناصر والسادات كان نهضة مصر التى حققا منها الكثير وأفنيًا حياتيهما فى رحلة العشق المقدس

- أحمد زكى فى القلب حى وفى الفن حى وسيظل فى الذكرى حيًا

- لا أقوم بالتمثيل.. ما أعمله فى حياتى ليس سوى تنفيذ اتفاق بينى وبين جمهورى

- ظل أحمد يذاكر بأستاذية العملاق المتفرد ليأتى لنا بخلاصة الفن على مائدة الموهبة المذهلة

كده برضه يا أحمد. واخد فى وشك وماشى. ماشى مع إن منزلتك العالية لا حد غيرك مرسوم لها ولا مقاسها محبوك على غيرك. كده برضه وأنت اللى فيهم وأنت اللى ألفه عليهم وأنت اللى معجون فن وأنت اللى فُقْت الجن وأنت اللى أثبت نظرية أن التاريخ ممكن يعيد نفسه بشخوصه ودروسه.. مفارق.. خلاص يا أحمد مروّح.. رايح للبر الغربى.. مغادر وادى النبض لوادى الصمت.. رايح يا ملك لوادى الملوك.. وداع يا أحمد من غير أى وعد بلقاء لا فى الغد ولا بعد غد ولا حتى بعد سنين، فخلاص راح الخلاص وراح أى بصيص أمل للشفاء من الداء الألدّ.. ومنين يا أحمد كان ييجى الشفاء بعدما دخلت فى جُبِّ غيبوبة برزخ انسلاخ الروح من الجسد.. ترجع لنا منين بعد ما كُشف عنك غطاء البصيرة لتطل من طاقة الفناء على رحابة دار البقاء.. عائم على وجه بئر الرحيل. راحل على مركب ألم بمجداف عدم، لا تطوله يد ولا فى بحره مد، ولا له فى آخر المدى من حد. لا أنت هنا ولا الضجيج من حولك يعنى لمؤشرات انتباهك أى معنى.

أحمد فى كومة. أحمد فى الرحلة الأخيرة. أحمد زارته الأم فى عيد الأم. أحمد لا حس ولا غمغمة ولا همهمة ولا تنهيدة أسى ولا تهويمة نُعاس ولا آهة ألم. أحمد فى الأجهزة معلق على الشاشات. أحمد الكيان المسجى طاقات قلبه فى رسم البيان. أحمد الحاضر الغائب صورته يعكسها مؤشر كهربائى. أحمد رايح ومش راجع. أحمد الدينامو غدا شمعة شعلتها مرجيحة على وشك الانطفاء.. أحمد فى اللحظات الحرجة.. طول عمرك يا حبيب أمك مصر كنت تقع وتقوم تقف وتقع وتستميت تجمّع آخر ما عندك من عزيمة وعزم وتقوم وتصحى ماردًا عملاقًا تهد الدنيا تهز الفن ترج القلب تحث الحس تدخل الشخصية تلبسها تتقمصها تعيد بعثها وتأتى بهدير الإعجاب موجة وراء موجة، لكنها النوبة كانت آخر نوبة.. نوبة قامت فيها قيامة المستحيل ووقعت يا خلى رغم أن الدنيا كلها سدت عليك لما وقعت. وقعت رغم أن سواعد الدنيا على استعداد تسندك لما وقعت. وقعت رغم أن حبك فى القلوب ياخد بيدك من أغوار المحيط لمّا وقعت.. وقعت رغم أن شباب بلدك راح لمستشفاك بهتاف التضحية يقطع من رئته ويفديك.. لكن لم يكن من البُدّ بُد ورحت من بيننا يا أحمد من بين أيدينا من تحت ناظرينا من دقّة الأجهزة وضبط الشاشات انسحبت انطويت انسلخت دخلت فى سكة اللى يروح فيها مايرجعشى، ولم يعد فى وسعنا الضيّق العاجز المكبل والمسير سوى الاستسلام والتسليم بقضاء الله والرضا بما كُتب علينا وعليك ولو كنا عبدالناصر والسادات وحليم، ولو كنا فى بروج مشيدة محاطين بثكنات ومصدّات ومتاريس وعوازل دفاعات التكنولوجيا والعلم والتركيبة الصينى والتحويطة الجاوى والتعويذة الهندى والسلاح النباتى والكيماوى ودموع ابتهال تملأ البحر الصغير والكبير، فالجسد البشرى يا ولداه غلبان غُلب. حتة لحمة يصيبها العجز بشكّة دبوس، وشوية عضم هشاشة وعضلة لسان يأتى لصاحبه بالصالحة والطالحة، إن استقام استقمنا وإن اعوجّ اعوججنا.. غلبان غُلب بخلجاته المختلة ونبضاته المذبذبة وضفيرة شرايينه المهترئة وكيس قلب بحجم قبضة كف ينسد شريانه بخبر موجع وتصيبه السكتة بخضّة فرحة أو صعود سلمتين لفوق، ومروحتين اسفنج ينفخها كل نَفَس داخل بالعادم ويفرّغها زفير الآهة الخارجة بالوجع الملبسة باليأس المهدّلة بالملل المحشرجة بأنين المرض العضال.. خلاص يا أحمد هو كده آخر المشوار؟!!.. خلاص قطعت خلاص على أرض المغادرة تذكرة ذهاب بلا عودة.. خلاص واوعى تقول إنك فايتنا بعافية فقد غادرتنا بعد ما تركتك وتركتنا العافية.. رميت علينا السلام ومش راجع بعدما كوّرت على فمك تلك الضحكة المكتشية المصحوبة بنظرة الوداد والفهم ترفع لنا فيها وجهك الأسمر أبوالعيون عسلية وبعدها دوغرى على استحياء تبص لتحت.

أحمد زكى الذى فى القلب حيًا والذى فى الفن حيًا والذى سيظل فى الذكرى حيًا.. أحمد ذكرياتى معه بالأمس كأنها اليوم.. اليوم الذى أعيش فيه أحزانى عليه.. اليوم الذى أعود فيه إلى يوم دعانى إلى بيته أثناء قيامه بدور «السادات» وعدت من عنده أكتب عنه.. واليوم أعود إلى ما كتبته عندما لاقانى فى بيته بكامل صحته وسطوته وبلاغته وعنفوان فنه.. كتبت:

«أحمد زكى الفندقى. ليس من كونه يعمل فى سلك الفنادق وإنما لهويته كنزيل فنادق. عنده بيت يدعونا إليه.. معقولة!!.. أخيرًا النجم القلق الأرق الأعزب المتأجج الضاحك الباكى الذى يحيا ليمثل لا يمثل ليحيا له عنوان بتليفون مثل بقية الخلق تتوقف أمامه العجلات وتصعد إليه فى طابق وتدق الجرس أمام باب شقة فيلاقيك شيخ العرب الأسمرانى فى حجرة صالون، ويستأذن ليأتى لك بصور حميمة من حجرة النوم، ويدعوك للعشاء ساخرًا من أنه سيكون عشاء عمل فى حجرة المائدة، أى ناكل على لقمة ونسيب لقمة، أو ناكل شوية ونقوم نتكلم شوية، ويقسم ويلح ويغرف ويكدّس طبقك بالريش البتلو وورق العنب والكفتة والطرب والثومية المشططة، ويتأتى لك هبرة من بيت الكلاوى تأكلها وتدعى لرب البيت، فإذا ما فاض بك الشبع يقول لك- وإن كانت أول مرة تشاركه فيها طعامًا على مائدته- لا أنا زعلان دى مش أكلتك.. و.. فى بيت أحمد تغسل يديك فى حمام يضم موس حلاقته وزجاجات عطره ومعجون أسنانه الذى قاربت أنبوبته على الانتهاء بدليل استخدامه له أيامًا طويلة مسبقة، أى أنه يسكن هنا ويغسل وجهه وأسنانه هنا فى محل إقامته، وفى عودتك لصالونه الصاخب حيث يتحدث الجميع فى وقت واحد أحمد وضيوفه والتليفزيون- الوحيد الذى يهمس هو السفرجى- تلمح عبر الأنتريه والطرقة رفوف مكتبة وتليفزيونًا مفتوحًا على مسرحية وأطفال يستمتعون بالمشاهدة وكاسيت جانبى يرتل قرآنًا وآيات بينات معلقة على الحوائط وبراويز تحتلها صور ليست لنجومية صاحب البيت، وتلمح من باب المطبخ المأهول بوجوه سمحة أفراد عائلة بكامل عددها واقفة تطبخ وتغسل وتنشف وتثرثر وتُخرج من الفرن لضيوف الأستاذ صينية كنافة بيتى بالسمن البلدى يحلو فيها الغزل مغزولة بزخم المكسرات وطبقات الكريمة، وتقودك لحيث موقع مائدة الالتهام شابة منتفخة بوجه سمح وترحيب ودود تشعرك بأنك فى بيتك.. الله.. أحمد عنده بيت.

يومها كان أحمد زكى لم يخلع بعد كيان أنور السادات.. الحقيقة والاستنساخ كلاهما لم يزل يرتدى الآخر رغم الشعيرات التى عادت لتنبت فى مقدمة رأس النجم بعدما كان يستيقظ مع الفجر ليقوم بحلق تلك المنطقة يوميًا إلى نقطة ما تحت الزيرو لتغدو صلعاء طبيعية ناعمة لامعة تتوسطها زبيبة الصلاة الشهيرة.. الشارب الكث أيضًا تلاشى وعادت لوجه أحمد ملامحه المعهودة بعدما يزيد على سبعة أشهر ساداتية، وإن تركت رواسب فى نظرة تنحو للدهاء وكشف غور الطرف الآخر مع ظلال ابتسامة تتكور فيها الشفاه عند الإنصات كمن يلوك فى فمه ما يقال يتذوقه ليبتلعه أو ليبصقه.

أحمد السادات معنا بعدما جلسنا إليه مسبقًا عندما كان أحمد ناصر.. نفس التقمص والتلاشى والذوبان فى الآخر. الملامح. اللازمة. التقطيبة. الضحكة. الغضبة. صنع القرار والنطق به. حديث الأصابع ومراوح العيون فى النظرة الثاقبة.. الرأس عندما ينحنى مستمعًا ويشمخ مترئسًا. الاستغراق فى شرح ما هو مغلق، وغلق ما فُهم على سبيل الخطأ، وحظر فتح الكلام من أصله لصالح أمن الوطن. تعبيرات الثناء والمديح والتهديد والتنكيل والسحق والفرم ونتف الذقن ومخاطبة المختبئ فى غيطان الذرة ومغارات الجبل.. الحضور والكاريزما.. والمذهل أن ابن زكى الصعيدى لا يضع ماكياجًا ولا مساحيق ليقترب وجهه من طلعة وطلة شخصيات تاريخ مصر.. قدير بفعل التلاحم الداخلى أن يطيل وجهه ويبرز ذقنه ويشمخ بأنفه ويعرّض أكتافه ويُسكّن عينيه نظرة الفهد وينطق: «أيها المواطنون» لتصدق أن عبدالناصر عاد ليصعد منبر الأزهر بعد النكسة يجر ساقين متخاذلتين يتساند بذراعيه على جانبى درابزين المنبر وقد سقطت الأكتاف وتهدلت الثياب فوق قامة منهكة- نفس الصورة الخلفية التى ظهرت له وهو فى آخر وداع لأمير الكويت بعد ختام القمة العربية فى سبتمبر ١٩٧١ على أرض المطار قبل وفاته بساعات- ويستدير ناصر للحضور الغفير فى أركان الجامع المكدس ينشر على رءوسهم الطير، يعلن بصوته خافتًا كآخر حشرجات النهاية أننا ضُربنا، ويتهدج رجع الألم الدفين وتُسقط المآقى دمعة فيسرى الحزن فى كيان مصر تجاوبًا ولوعة لا ليخمدها، ولكن ليتصاعد فورة انتفاضة بميلاد جديد يرتفع بمؤشر الوطنية إلى حد الانفجار.. كلنا عبدالناصر.. سيمفونية خطبة تاريخية مقدمتها الاعتراف الواجف الراجف بالوضع المؤسف، ثم استقرار لحبال الحنجرة فى شرح لتحركات الجيش الصامد الذى لم يرفع راية الفناء، ثم عودة طبيعية لرنين صوت يستعرض نماذج للكر والفر فى تاريخ أرض النيل.. بعدها الطبقة العالية يهيب بها ناصر المصريين: حنحارب.. هدير التجاوب المستنفر.. لن نستسلم.. ويدوى القرار من صدر واسع وقامة مرتفعة وأكتاف عملاقة وشموخ للسماء، ويشتعل الأزهر وساحته والقاهرة وعلى طول الوادى وفى عمق صحراء مصر حماسًا بلا تراخى وألا تراجع ولا استسلام. سنقاتل إلى آخر قطرة من دمائنا.. ويهبط ناصر- أحمد زكى- بفعل الحماس من الداخل والخارج متوثبًا من فوق المنبر الجليل يرفع ذراعيه عاليًا علامة النصر القادم.. لا بد.. يضمه حضن مصر.. يحتويه قلب المواطنين الذين ناداهم فأتوا وشرح لهم فاقتنعوا وأهاب بهم فأعلنوا الصمود ووضعوا الرءوس على الكفوف.. يعود بنا أحمد زكى على شريط ناصر ٦٧ إلى لقطة العمر فتحرقنى دمعة ناصر ويشعلنى حماسه فأقوم من مقعدى أصفق.. أصفق لصدق أحمد.. أسأله:

■ ناصر ومن بعده السادات.. أيهما أقرب لأحمد؟

- كلاهما.. أنا ابن الثورة مردد أشعار جاهين «قلنا حانبنى وأدى احنا بنينا السد العالى يا استعمار بنيناه بإيدينا السد العالى».. مع السادات لم أكن أتفهم جيدًا أبعاد قراراته ومدى حنكتها، لكننى بعدما عشت حوله وبداخله لألعب دوره على الشاشة تعرفت على هائل عملقته، ووضعت يدى على عمق نظره، وارتويت بحكمة قناعاته.. كل منا له سلبياته وإيجابياته، لكن لا تستطيع إلا تقول إن حلم ناصر والسادات كان نهضة مصر التى حققا منها الكثير وأفنيًا حياتيهما فى رحلة العشق المقدس.. أيها المواطنون. إخوانى. الديمقراطية يا أولاد.. أنا لما خطبت فى الكنيست.

■ هل جاءت رحلة السادات للكنيست فى فيلم أحمد زكى؟

- صوّرنا لحظات الصراع النفسى قبل فتح باب الطائرة، قدم السادات تصنع الصدمة التاريخية، تطأ أرض العدو. تهبط إلى إسرائيل لوضع اللمسات الأولى لمبادرة السلام.

■ وأين جولدا مائير؟

- أحضرنا شبيهة تكاد تكون صورة طبق الأصل منها، شددت على يديها وألقيت دعابة قالها السادات فحواها أنها امرأة صلبة بين عشرات الرجال، ثم كانت هناك عملية «مكساج» أى خلط فنى بين الحقيقة والتمثيل، حيث كانت زوجتى جيهان- ميرفت أمين- تجلس أمام شاشة التليفزيون فى مصر داخل المستشفى، حيث كانت ابنتى تعانى آلام الوضع وهى بين نارين: القلق على الزوج هناك فى إسرائيل وابنتها المتوجعة بجوارها، فى تلك اللقطة أخذنا ظهر السادات- أنا- وفى الخلفية الأمامية نفس اللقطات التاريخية التى ظهر فيها مناحم بيجين وديان وأبا إيبان وأرييل شارون وموردخاى ورئيس إسرائيل وبعض القيادات الإسرائيلية الأخرى، الذين كانوا فى استقبال الرئيس المصرى عندما لوى عنق التاريخ، تخيلوا بعدها السادات داخل الكنيست يعلن شهادة الحق وينشد حلول السلام لا يبغى اتفاقًا ثنائيًا من أجل سيناء، فهذا لا يحل المشكلة ولكن يبغى سلامًا قائمًا على العدل.. ويعد بالعمل على إقامة سلام عادل فى المنطقة بإعادة الأرض العربية المحتلة عام ١٩٦٧ وحل المشكلة الفلسطينية بإقامة دولة أو وطن قومى فلسطينى.

يتلقي تكريمًا من الرئيس السادات

■ تقاسم مع بيجين جائزة نوبل للسلام؟!

- أقام مائدة مبكرة جدًا للمفاوضات فى ميناهاوس من عشرين سنة، لا بد وأن الكيان الفلسطينى من وقتها لو حضر لكان قد استفاد الكثير مما ينشده الآن.. تخيلوا أنا لم أتلمس وجهة نظر السادات فى تلك المفاوضات إلا بعدما شرحها السادات الحقيقى لحلّاقه الخاص محمود لبيب، وهذه اللقطة أدخلتها ضمن مشاهد الفيلم، يسأله لبيب عن مفهوم تلك المفاوضات فقام السادات بتبسيطها له بطريقة ضرب المثال القريب يقوله:

«عارف يا محمود لمّا ناس أغراب يدخلوا دكانك ويستولوا على كل الكراسى، لأ ومش كده وبس دول من صفـاقتهم يطردوك بره وانت صاحب المكان.. هى دى القضية يا محمود.. اغتصاب أرض ووطن وحق بدون وجه حق.. أنا بقى بترابيزة مفاوضات ميناهاوس دخّلتك الدكان مرة تانية وفرضتك تقعد تجلس معاهم تناقش قضيتك عينى عينك وراس براس.. حتاخد كرسى، بعدها كرسى تانى وتالت ومين عارف يا محمود.. فهمت يا لبيب؟!».

- فهمنا يا ريس.

■ إجادة أحمد فى ناصر أم فى السادات؟

- فى فيلم «ناصر» قمت فقط بتمثيل حقبة قصيرة للغاية فى شباب جمال عبدالناصر، فترة تأميم القنال وعام ٧٦ التى لم يعايشها الكثيرون، خاصة شباب الجيل الحالى. نقطة من بحر حياة صاخبة مُخصبة بمراحلها المتعددة وعلاقاتها المتشعبة وشخوصها العالميين وأحداثها الثرية السارة والمؤسفة.. أما فيلم «السادات» فأنا أتمشى مصطحبًا معى حجم قدراتى الفنية عبر أربعين عامًا أحداثها ما زالت بيننا على قيد الحياة.. يعنى بصريح العبارة اتمرمغت فنيًا.

■ يعنى السادات ظهر فى فيلم «السادات» هاربًا وعتّالًا ومتخفيًا وعاشقًا وخلف القضبان فى قضية أمين عثمان.. و..؟

- وأيضًا عندما استجوب عن سبب وجوده داخل السينما لحظة قيام الثورة فأجاب بأنه شىء طبيعى أن يذهب أى منا للسينما؛ لأنه لم يكن عنده علم بتوقيتها الحقيقى، قالوا فى الأول هانعملها يوم ٢٠، لكنهم ماعملوهاش.

مضيفنا أحمد زكى فى صحبته قال وقلنا وبقى يقول لى وأنا أقول له ولم ينته الكلام كله، رغم امتداد السهر على راحته. فالصحبة حميمة والكلام على عواهنه على هواه وهوى الطبيعة يحمل ذكريات مرت لزمان مضى فى زمن سيمضى ليترك الذكريات.

■ فاكر يا أحمد فى مسلسل «هو وهى» عندما استبد بك الغضب فجأة بعد اكتشافك أن غالبية أبطال الحلقات من الرجال قد ظهرت خيانتهم.. قلت لصلاح جاهين وقتها لقد استطاعت سناء من وراء ظهورنا جميعًا نحن المشتركين من الرجال التسلل بنظريتها تلك بمنتهى النعومة والخبائثية وانقدنا كلنا خلفها دون وعى نحقق وجهة نظرها.. يا نهار أسود.. لا وأبدًا.. أنا ماشى.. لن أكمل هذا العمل المسىء للرجال.. يومها استطاع جاهين تهدئتك بعدما قدم لك أغنية ما زالت تتردد بنجاح مما شفى غليلك من كل صنف النساء:

لا لا اثبت..

ماتخليش ولا واحد يشمت..

ارسم على وشك تكشيرة..

واوعى تلف يجرحك تشحت.. البنت فى تفسير الأحلام.. دنيا سبحان العلام..

الأنثى خلاص.. إلغاء.. إعدام.. غشّاشة من ضلع أعوج، وزى البحر فى قلبه ضلام..

فاكر يا أحمد لما قمت بتمثيل شخصية طه حسين وقعدت تستعرض لنا أن هناك ما يقرب من أربعين شخصية أعمى قمت بدراستها قبل القيام بالدور الصعب المقنع، منها الضرير الذى يولد فاقدًا البصر وكيف يتصرف داخل المكان، والأعمى الذى فقد نظره بعد أن رأى النور وطريقة سيره فى الحارة مائلًا برقبته تخوفًا من أن تلقى إحداهن بمياه قذرة على رأسه، والأعمى الذى عاش مبصرًا وأصابه المرض فى كهولته والذى غاب بصره إثر حادث مؤلم و.. و.. من هنا جاء صدقك يا أحمد.

فاكر يا أحمد لما أخذت تشرح مشاعر اليتم صغيرًا وعندما تربيت فى بيت خالك وحبك الصامت أيامها.. فاكر يا أحمد عندما حكيت عن سقوطك فى الامتحان وخجلك من الرجوع للبيت، يومها أخذت فى وشك وفضلت ماشى ماشى ماشى على شريط السكة الحديد وأنت بتعيّط بتعيّط بتعيّط، وبعدين واحد بيه كبير معاه واحد بيه صغير قاعدين على القهوة نادى عليك وسألك عن سبب دموعك وبمجرد أن عرف منك أنك مكسوف وحزين وخايف ترجع بنتيجتك الخايبة نزل فى ابنه البيه الصغير تأنيب وزغد وتبكيت ليأخذك، عبرة فهو الآخر قد رسب، لكن جثته منحسة وقاعد بمنتهى التلاحة يشفط الحاجة الساقعة بالشفاطة.

- يومها صممت أنهى حياتى التعسة بإيدى فقلعت الجزمة ورميت روحى فى الترعة.

■ ها.. ومت يا أحمد؟

- طلعت الترعة ناشفة وما نابنى إلا إنى غُصت فى الطين..

وعلى ذكر الجزمة عاد أحمد زكى لأيام الطفولة فى ليلة العيد عندما كان يرتدى قبل النوم ملابسه الجديدة كاملة، أى ينام أيضًا بالجزمة والشراب لينطلق لحظة أن يصحو لا يعطله شىء عن اللحاق بيقظة العيد.

فى جلستنا سامرنا طبيب أحمد زكى الخاص الدكتور حسن البنا، أخصائى أمراض الباطنة والقلب.. اندفعت- يومها- أسأله عن علة أحمد زكى، فأجابنى المعجب الصديق الملاصق النديم الطبيب المعالج النطاسى: «علّته فى معدته.. فى أعصابه. الضغط المرتفع. جزء من جسم أحمد من شدة توتره تغدو حرارته فوق الأربعين يلاصقه ويجاوره جزء من جسمه أيضًا فى برودة ثلوج ما تحت الصفر. العصبية تجعله فى حاجة دائمة إلى المهدئ.

■ بمعنى أن أحمد زكى بمثابة سلك كهرباء عار؟!

- مشدود لا ينام ولا يهدأ له بال.. فنان صادق.

وأستدير لأحمد الصادق أستفسر منه عن إجابة لسؤال خطر عالبال:

■ ألم تشعر وأنت تمثل شخصية أنور السادات بأنه يمثل فى بعض الأوقات، وهو الذى عشق التمثيل فى أول حياته.. هنا لحظة غضب أسقط فيها أحمد ما بيننا من حبال الود مشيحًا عنى كأننا فى عراك جيشين كل منهما يرفع رايته.

- أولًا أنا لا أوافق إطلاقًا على القول بأننى أمثل.. أنا يا سادة لا أقوم بالتمثيل.. ما أعمله فى حياتى ليس سوى تنفيذ اتفاق بينى وبين جمهورى، وهذا الاتفاق ينص على الالتزام بقيامى بتقمص الدور الفلانى أو العلانى. أى أن أرتدى الشخصية التى أؤديها له بأبعادها كاملة وبصدق خالص.. التمثيل كما ترونه أنتم وكما أشعر بكم تجاهه يحمل محتوى الكذب أو الزيف، وهذا ما لا أرتضى لعملى أن يكونه.. فاهمين قصدى.. أنا ضد كلمة التمثيل- وأسرح أنا وسط دفاعه هذا- فى ذكرى جلسة غداء عمل كنت فيها ضمن باقة صحفية استضافها الرئيس الراحل أنور السادات فى بيته بالإسماعيلية بمناسبة افتتاح دار مايو للنشر، ويومها كما رأيت بعينى رأسى على المائدة المتواضعة للغاية لم يضم طبق الرئيس سوى الجبن القريش.. حول جلسة المائدة التى امتدت إلى ما يقرب من السبع ساعات كنا فيها نقوم لنطس وجوهنا بالماء فى الحمام القريب روى لنا السادات الكثير والكثير والكثير.. والد يحكى التاريخ القريب والبعيد لأفراد أسرته.. وأذكر من بين ما رواه موقفه مع إسرائيل ومن المدعو مناحم بيجين بالذات، الذى والذى والذى، وأطال أمامنا الرئيس فى سرد قاموس الهجاء؛ ما دفع الكاتب الصحفى رئيس التحرير الأستاذ إبراهيم سعده ليقاطعه فجأة ويسأله عما سيكون عليه موقفه إذا ما أتى الحظ السيئ فى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة على الأبواب بنجاح بيجين، وإذا بالسادات الذى لم يكن قوله السلبى فى بيجين قد جف بعد يصفه بلا أدنى تردد:

- صديقى.

ولم نستطع جميعًا كتمان قهقهات الضحك لهذا التحول الصعب السريع بين الساخن والبارد فنظر لنا السادات ضاحكًا مستفسرًا:

- هى دى السياسة يا أولاد.

وأهادن أحمد فيعود بنا للصدق الفنى ورسالة الفن فى خدمة المجتمع.. يفخر بأنه استطاع من خلال فيلمه التليفزيونى «أنا لا أكذب ولكنى أتجمل» قصة إحسان عبدالقدوس.. استطاع أن يخرج بمجتمع يسكن منطقة مقابر الغفير من حيز الخجل من واقعه ومداراته إلى شجاعة المواجهة وتمزيق الستار، وبعد أن كان سكان المنطقة من موظفين وطلبة وطالبات يتعايشون كمجتمع مغلق بين المقابر يقيمون بينها أفراحهم ويمارسون حياتهم الطبيعية إلى أن يخرجون من إطار السر الجماعى فيركبون مواصلة إلى ميدان التحرير كنقطة تجمع ينطلقون منها إلى أهدافهم حتى لا يتعرف أحد على من أين جاءوا وحقيقة إقامتهم المعيشية.. من بعد الفيلم كسر إبراهيم البطل حاجز الخجل وأسقط الحائط الرابع للكذب ولم يعد هناك داع للتجمل، ولا ينسى أحمد عندما كان يقود سيارته يومًا على مشارف تلك المنطقة التى خرج شبابها للهتاف لفريق الكرة الفائز فلمحوا أحمد ليتغير هتافهم إلى «إبراهيم» محرر سكان المقابر من الكذب.

ويأتى صادق الفن على ذكر فيلم آخر يعتز به لتأثيره الاجتماعى، هو «الحب على هضبة الهرم» للكاتب المخضرم الشاب قارئ أنماط وآلام وأحلام الشعب المصرى نجيب محفوظ لامسًا مشاعر الإحباط لدى شباب عاطل داخل غياهب بطالة وظيفية مقنعة. إمكاناته الضئيلة فى أن يجد عشًا للزوجية يحتويه مع من لمس حبها قلبه، والنتيجة المؤسفة تصل بالحب لصخرة خوف على هضبة خوفو.. يذكر أحمد عندما جذبته ذراع غاضبة من ياقة قميصه حتى كاد يقع على ظهره ليصرخ صاحبها فى وجهه بعد مشاهدة الفيلم: «أنا بقى صاحب المشكلة دى.. الشهادة موجودة والحبيبة على الرف والمستقبل أسود وحياتى كلها مؤجلة».. يتقعر أحدنا يقول لأحمد إن هذا الفيلم الجيد فنيًا لم يضع حلًا للمشكلة فالنهاية فيه كانت مفتوحة.. ويأتينا رد البطل حاسمًا: لكنها صرخة وضوء يكشف أبعاد المشكلة لمن فى يدهم الحل.

■ أحمد.. فى فيلم «السادات» هل ظهرت همت مصطفى وجلسة ميت أبوالكوم.. ويا بنتى يا همت؟

- طبعًا وقامت بأداء دورها إسعاد يونس بالتزام بالغ وصياغة رائعة.

■ وحادث المنصة؟!

- بجميع أبعاده وأشخاصه.

■ فى فيلمك «السادات» هل تم القبض على أعداد كبيرة من الكتاب والمثقفين فى أواخر عهده؟

- قالت لنا زوجته دفاعًا عنه إن حجته كانت أنه لا يريد شوشرة منهم على مفاوضاته مع إسرائيل حتى يستعيد كل حبة رمل فى سيناء.

■ كنت منتجًا للفيلم فماذا حققت من تمويله؟

- أحمد هنا يحكى ويروى ويقص ويقوم ويقعد ويغضب ويثور ويبتسم ويقلق عليه طبيبه، بل نقلق بدورنا عليه، على كنز الفن الصادق، ويدور أحمد حول حقيقة أن مثل تلك الأفلام لا بد وأن تمولها دولة وأن يُترك للنجم الذى يقوم بدور الشخصية التاريخية التفرغ التام لفنه وأدائه، وأن تشحذ له جميع الطاقات والإمكانات والرعاية والعناية والأجهزة والتدليل مثلما أحاطت بالنجم الذى قام بدور نيكسون على الشاشة الأمريكية على سبيل المثال.. نحن هنا لدينا طاقات فنية بالله العظيم تلاتة ليس لها مثيل فى العالم أجمع، لكننا من حيث الإمكانات والتقنية نغزل برجل حمار.. تجربة الإنتاج مهدرة للطاقة للخلق الفنى للتجويد.. على مدى الشهور السابقة كنت أمسك بسماعة التليفون على أذن والموبايل شغال أترجى مسئولًا وأناشد إدارة حكومية وأضع ورق حفظ حوار المشهد فوق ساق وأشير بوجهى لعملية سير العمل وأزغر بعينى لاستعادة حق وأدفع من جيبى ما تجاوز الميزانية بآلاف الهكتارات وطبعًا ضحكوا علىّ فى كتابة العقود التى اكتشفت بعدها أن لاحق لى فى استعادة فلوسى، لكنى لن أتركهم.. ويسخن جزء من جسم أحمد بدرجة ٤٠ فهرنهايت ويبرد جزء ملاصق له إلى درجة التجمد.

■ إلى أن؟!

- إلى أن تدخل الرئيس مبارك شخصيًا.. أمر بعرض فيلم «ناصر ٥٦» الذى دفن عدة سنوات داخل أدراج الحرج، وهو الذى وافق على وضع جميع الإمكانات لإتمام فيلم «السادات».. فى الفيلم دخلت مكاتب الرئاسة وخطبت فوق منصة مجلس الشعب.

ويأتى السؤال:

■ لماذا يا أحمد عندما أنتقل بأصبعى فوق أزرار الريموت أقفز بسرعة بالغة من الأفلام المصرية الحديثة لأتوقف وأنشرح وأسهر حتى كلمة النهاية إذا ما طالعنى مشهد لفيلم من أفلام زمان؟

- لسبب بسيط إنك عايزة تتمشى بعد أن أصبحت الحياة جرى ولهاث.. عايزة شوارع فاضية ونسمة مفتوحة على البحرى وشادية وماجدة وفاتن قاعدة سرحانة فى مركب بعيد بتشرب حاجة ساقعة فى كازينو رومانسى رواده اتنين عاشقين يتناجيان من بعيد، الحلوة فى انتظار حبيبها اللامع المسبسب القادم من بعيد الذى يلمحها فيمشى على أطراف أصابعه يغمّى عينيها بكفيه يمتحنها حزرى فزرى أنا مين.. أجيب لك كل ده منين دلوقت.. أنا أنقل لك على الشاشة الآن صدق الواقع.. الآن لغاية ما أوصل لحبيبتى فى تاكسى أو أتوبيس أو أى مواصلة نايمة على جنبها حيكون عرقى مرقى متبهدل ومنكوش وطلعت روحى، وهى بدورها مستحيل تقعد على ترابيزة فى كازينو وحدها من غير سخافات ومضايقات.. و.. زمان كان الشرير معروفة أبعاده ماركة مسجلة واحد بيزغر ورافع حاجبه وغاوى مقالب ونكد وخراب بيوت بينما الطيب المعهود حليوه وأمير وأهبل وينضحك عليه يطب زى الجردل، وكان الصراع بينهما لا بد وأن ينتصر فى النهاية للخير ويُهزم الشر حتى ولو بالقضاء والقدر.. صدقونى الصدق الفنى السينمائى الآن يقدم الإنسان الطبيعى.. الإنسان صاحب الشخصية المركبة حيث لا خير ولا شر على طول الوقت.

ويتطرق الحديث إلى الفيلم العالمى، ونصل بالحوار إلى أن الأداء المحلى الصادق يطرق وبإلحاح أبواب العالمية فمشاكل البشرية واحدة، لكن- على سبيل المثال- لا تأخذ نكتة محلية حول مشكلة المواصلات نسافر بها فى مسرحية تريد أن تُضحك عليها أمريكا حتى ولو كان جمهورك من المغتربين المصريين، فهناك لا يعانون من نفس المشكلة، وبالتالى سيستمعون إلى النكتة بمفهوم آخر يسخّفها بتعليق برىء مثل «طيب وبعدين إيه اللى حصل».

■ نعود للسادات.. نهاية الفيلم؟!

- لا تزال معلقة.. المخرج خيرى بشارة يريدها هادئة.. لقطات ناعمة لمشاهد من فترات طفولة السادات ولقاءات الحب تتلاشى مع الأنفاس الأخيرة.. أنا بقى أريدها نهاية هادرة جديرة بفيلم له هذا الثقل فى أحداثه وأبطاله.. أتخيل طائرة السادات فى هبوطها «السلوموشن» التدريجى تكاد تلامس أرض إسرائيل، لترتفع من جديد بحمام السلام مع نبع يفجّر شدو أم كلثوم فى صخب وطنى يعلو ويرتفع ويتسيد الشاشة والصالة والآذان.

بالسلام احنا بدينا بالسلام

بالسلام ردت الدنيا علينا بالسلام

ويرتفع أحمد يكاد يطير يحلق برأسه فى السقف.. أسمر ملك روحى.. تترقرق دموع فى عينيه.. يتركنا وقد سرى صدق أدائه- لا أقول تمثيله حتى يدوم بيننا الوئام اللفظى- فينا إعجابًا وتقديرًا.. و.. قمنا لنودعه وقد ارتوينا وشبعنا من الوجبة الفنية الدسمة فإذا بالعملاق يعود طفلًا يتيمًا يناشدنا ألا نتركه وحده.. لكن يا أحمد عندك بالداخل طاقم شغالين و.. كلهم رحلوا.. راحوا بيوتهم.. حتى البنت سيدة أخذها السائق فى سيارتى مع زوجها لأنها على وشك الوضع.. يعنى إذا أنتم روحتم أنا حاأمشى أنا كمان.. تروح فين يا أحمد بيتك هنا.. أرجع اللوكاندة.. و.. تذكرت أن مهندسة الديكور عندما أرادت للنجم الفندقى أن يلزم بيته ويهجر ماما الأوتيل وضعت له على باب غرفة النوم رقم غرفته بفندق رمسيس، لكن أحمد كان عندما تستدعيه ندّاهة رمسيس يقوم على سبيل المثال بخلخلة حنفية حمام بيته ليصرخ:

- الحنفية بايظة.. دى مش عيشة.. ده مش بيت.. اللوكاندة يا عالم أرحم مائة مرة.

وحتى لا يقوم بخلخلة الحنفيات أو بقطع توصيلات الكهرباء مضينا نطفئ أنوار بيت بلا زوجة ونتأكد من سلامة إغلاق مفتاح الغاز وأن بقية صينية الكنافة قد التهمت وأن أحمد أخذ معه الموبايل والمفاتيح والنظارة.. وقبل أن تكدسنا سيارة واحدة عاد أحمد يستفسر بإلحاح بالغ فيما إذا كنا قد رأيناه بعيوننا يغلق باب الشقة.

أمام باب فندق رمسيس الخلفى بملابسه الكاجوال وصندل أسود مفتوح يعطى حرية لأصابع القدم أيضًا هبط النجم يغادرنا.. أعطانا ظهره بعدما ألقى تحية باترة لا تواكب زمنًا قريبًا للغاية كان فيه بيننا جزء حميم من كياننا.. ولست أدرى لماذا قفز مشهد قام بأدائه أحمد زكى لظهر جمال عبدالناصر عندما بدا محنيًا ينوء بأحمال جسام.

أذهب فى الصباح إلى عملى.. اليوم الأربعاء.. محشودة مشحونة فنًّا سينمائيًا لا أكاد أضع القلم بعد سهرة للفجر عشت فيها مع أصداء النجم على أوراقى.. وكأننى كنت لحظتها أستحضره.. وكأن بيننا ذلك المد الإرسالى.. ذلك الاستدعاء الذى يقارب الخيال. فجأة.. أحمد زكى الذى لم تمض ساعات على افتراقنا ألمحه بشحمه ولحمه فى قلب محطة مصر يعبر أمام السيارة برأسه الحليق وبشرته السمراء وملابسه القطنية الداكنة وصندل فى قدميه ونظارة تخفى عينيه، يندس كمواطن عادى بلا صحبة وسط الحشود المتلاحمة بأنماط ملابسها المختلفة لا يُلفت نظرًا ولا يتعرف عليه أحد.. أحمد زكى فى جولة على الطبيعة يذاكر فيها صدق أحوال نماذج البشر.

وظل أحمد يذاكر بأستاذية العملاق المتفرد ليأتى لنا بخلاصة الفن على مائدة الموهبة المذهلة وحتى عندما أناخ المرض على كاهله لم تخفت شعلة التوهج الصادق بلا تمثيل، فمضى قطار العمر ليصل إلى محطته الأخيرة «حليم»، فكلاهما: أحمد وحليم ثمرة اليتم والإبداع.. كلاهما عانى فأعطى.. كلاهما حفر فى الصخر فنُقش فنهما على جدران القلوب.. وأتت وصية النمر الأسود بأن تُستبدل مشاهد جنازة العندليب بجنازته.. يموت ابن الحلوات فنخرج فى وداع ابن الحسنة.. لقد فنى جسده وبقى فنه خالدًا لا يموت.

مش قادرة يا أحمد وأنا اللى كنت فى حضرتك يملأنى السرور مش قادرة أحوش عن عينى الدموع.. مش قادرة أسمع كلامك لمّا قلت:

إن ماقدرتش تضحك..

ماتدمعش ولا تبكيش

وإن مافضلشى معاك غير قلبك..

اوعى تخاف مش هتموت هتعيش

وإن سألوك الناس عن ضىّ..

جوّه عيونك مابيلمعشى ماتخبيش

قولهم العيب مش فىّ..

العيب فى الضىّ

أنا مش عاشق ضلمه..

ولا زعَّلت الضىّ

مسير الضىّ لوحده هيلمع..

ومسير الضحك لوحده هيطلع..

مابيجرحشى.. ولا يؤذيش

وازاى يا أحمد أوصف لك حالى وأرد عليك وأنت بتسألنى فى فيلم «حليم»:

ازّىّ حالك.. مش لسه برضه زى حالى

لسه بتضمّك شوارع

لسه كرهاك البيوت

لسه قادر على السكوت

لسه حى.. الله يعينك على اللى جاى

نص الدنيا 27- 3-2005