الثلاثاء 07 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

الحاجة رتيبة «أُم» أحمد زكى: «نكشت» تراب قبره لأنى لم أحضر الدفن!

حرف

- تربى أحمد فى بيت جده بفلوس المرحوم أبيه ورعاية أخواله

- كان يتصل بى دائمًا.. يقول لى ادعيلى يا امه أنا بحبك فأدعو له وأقوله بحبك

- أحب أحمد التمثيل من طفولته وكان يهرب «ويروح السيما»

بعيدًا عن أى تقول على لسانها، أو حديث بالنيابة عنها، تكلمت «الحاجة رتيبة» لـ«المصور»، من مساحات دامعة باكية، انطلق صوتها مبحوحًا بالحزن والفقد على ابنها الراحل النجم الأسمر «أحمد زكى».

ذهبنا إليها فى «بيت العائلة» فى شارع المعلمين بحى الحسينية- بالزقازيق- ذلك البيت الذى بناه أحمد زكى فى ٤ طوابق بماله الخاص من ٣ سنوات ليلملم فيه شمل الأسرة!.

الأجواء صعبة جدًا، سيدات الحى صنعن حول «الحاجة رتيبة» هالة من السواد الباكى، وهى نفسها مثل كتلة من الحزن الذى استسلم للقدر!.

السيدة «رتيبة» قالت إنها داومت على زيارة ابنها الراحل فى أيامه الأخيرة بمستشفى دار الفؤاد، وأنه استرد وعيه للحظات فى حضورها وقالت له «أنا راضية عليك» فتكلم ورد عليها، ودعت له، وعندما دخل فى الغيبوبة الكاملة دخلت هى أيضًا فى غيبوبة السكر.. وأكدت الحاجة رتيبة أن أحمد زكى كان بارًا بالأسرة، فخصص لهم يومًا فى كل شهر لزيارتهم وكان يحل مشاكلهم، ويرسل لهم مبالغ مالية منتظمة كل شهر، ليس لهم فقط بل ولبعض المحتاجين فى الحى أيضًا!.

للحظات قليلة ابتسمت الحاجة رتيبة، حين قال لها أحد أفراد الأسرة إن محافظ الشرقية قرر تغيير اسم الشارع الذى يقع به بيت العائلة من شارع «المعلمين» لشارع «أحمد زكى»، وأن تمثالًا سيُنحت له ويوضع فى أحد ميادين الزقازيق. لكن الحاجة رتيبة عادت إلى انهيارها مرة أخرى، متذكرة أحمد الذى رحل آخذًا منها القلب والروح، وكان هذا الحوار.

الحاجة رتيبة

■ كيف كان وقع الخبر عليكِ ليلة الوفاة؟

- انهرت انهيارًا كاملًا، واتجهت ومعى بناتى «أخوات أحمد من أمه فقط» للمبيت لدى ابن أخى «شعبان عبدالمنعم» بمدينة نصر لنشيع أحمد صباحًا، لم أنم فى تلك الليلة رغم ارتفاع «السكر» و«ضغط الدم» وفى الصباح توجهنا لجامع مصطفى محمود.. ونظرًا للزحام الشديد، ووصولنا متأخرين بعض الشىء، اضطررت للصلاة- وبناتى- فى السيارة صلاة الجنازة على أحمد.. «والناس اتلموا حوالينا وشالوا بينا العربية» وهتفوا باسم أحمد، بكيت وقلت: كل دول بيحبوك يا أحمد.. يارب كنت خذنى أنا وسيب أحمد.. أستغفر الله العظيم!

■ وهل حضرتِ الدفن؟

- حين وصلت لمقبرة المرحوم كان قد دفن بالفعل.. دخلت المقبرة وأنا لا أصدق ما يحدث.. وطيت على الأرض و«نكشت» الرمل عليه، وأنا أبكى وأقرأ له الفاتحة وأدعيله بعدها، فى العزاء.. جلست بين الفنانات، وتلقيت العزاء فى أحمد واستقبلتنى أولًا هدى سلطان ويسرا، ومحافظ الشرقية قال لى إن هناك عزاء سيقام فى المحافظة لأحمد، وهنا جاءتنى سناء يونس ووقفت معى يومًا كاملًا وزارتنى ياسمين الخيام أيضًا!.

■ هل كنت تزورينه فى المستشفى؟

- كنت أزوره بالليل و«أملى عيونى منه» وأحضنه، دخلت عليه وكان فى وعيه، وقلت له «أنا راضية عليك» ودعوت له، فكلمنى ورد علىّ، وبعدها خرجت منهارة.

وفى الوقت الذى دخل فيه أحمد الغيبوبة، دخلت فى غيبوبة سكر وضغط دم «.. تبكى»، أنا مش بنام إلا بالمهدئات، ولما كنت أروح أزوره أتعب جدًا من المشوار، وأعود إلى البيت «خلصانة» تمامًا.. أنا ست كبيرة وعندى سكر وضغط.

■ الكثيرون لايعلمون شيئًا عن طفولة أحمد ولا عن علاقته بكم.. ما الحقيقة فى هذا الموضوع؟

- من صغره كان أحمد ودودًا، حنونًا.. ترك له أبوه «شنطة» بها «فلوس كتيرة»، وابن عم والده أخذ الشنطة وأودعها البنك، وكل شهر كان أحمد ينفق من هذه الفلوس، وكان يجيب لى منها هدايا ولما كبر وربنا غناه ماحرمنيش من حاجة، وكان يحضر لى أو يرسل لى ما أحتاجه ولم أكن حتى مضطرة إلى أن أطلب منه بلسانى، كان يفهمنى ويحبنى ويرسل لى ما أريده!.

■ هل لأحمد أشقاء من الأب والأم؟

- لا، كانت له أخت شقيقة أنجبتها من والده بعده فى أواخر الأربعينيات «أحمد من مواليد ١٩٤٧»، وكان اسمها «صباح»، وماتت وعمرها أربع سنوات.. ولما توفى زكى- والد أحمد- جاء ابن عمه الحاج عبدالقادر ومعه «الشنطة»، وفتحها أمامى وقال لى دى فلوس ومصاحف وأوراق وصور المرحوم وحصرف منها على أحمد، ولما مات والد أحمد، عشت- وأحمد- فى دار والدى «بيت العيلة»، ورفضت الزواج بعد المرحوم ٧ سنوات، لكن والدى، يرحمه الله، أجبرنى على الزواج علشان كلام الناس وعادات أهل الريف، فاشترطت عليه أن أتزوج فى بيت العائلة لأضمن لأحمد الحياة الكريمة، لذلك تربى أحمد فى بيت جده، بفلوس المرحوم أبيه ورعاية أخواله.

■ ومتى ظهر عليه حب التمثيل؟

- أحب أحمد التمثيل من طفولته، وكان يهرب «ويروح السيما»، وكنت أدخل عليه غرفته فأجده مرة يبكى، ومرة يضحك.. أقول له: مالك يا ابنى إيه اللى صابك؟ فيقول لى: ماتخفيش يا امه.. أنا بأمثل! وأحيانًا كنت ألاقيه بيمثل فوق سطح البيت، ولما خلص دراسته فى مدرسة الصنايع سافر إلى ابن خاله «محمد فوزى عبدالمنعم» فى القاهرة لكى يمثل.

■ ألم تعترضى؟

- قلت له ابحث عن وظيفة مضمونة أولًا، ثم مثل على كيفك، لكنه أصر على السفر «وكانت دماغه ناشفة حبتين»، وكنت ساعتها تسلمت أمانة الشنطة والفلوس بعد موت ابن عم والده الحاج عبدالقادر، فأعطيت له الدفتر فقال لى يا امه الفلوس مش حتكفى، فقلت له: بيع بيت أبوك وكمل! وبالفعل باعه لكى يسافر للقاهرة وينفق على التمثيل الذى أحبه بجنون. واستمر يكافح لكى يمثل، وكنا نفرح كلما اتصل بنا ليقول إنه سيدخل فيلمًا جديدًا أو مسرحية.

■ هل كان أحمد فى شقاوة كباقى الأطفال؟

- لا، أحمد كان طيبًا صالحًا وكان يصلى من طفولته ويصوم أيضًا، ولم يكن يفكر إلا فى التمثيل، وكان يحج ويسافر للعمرة أيضًا، وأنا غاضبة جدًا من اللى شتموا أحمد، فهو إنسان طيب ولا يستحق اللى حصل له من بعض الناس، كما أن البعض اتهمنا- نحن أسرته- بكلام فارغ وسيئ ولم يحدث، وربنا مش ح يسامحهم.

رب العائلة

■ هل كان أحمد زكى ابنًا بارًا؟

- «تبكى مجددًا..» أحمد ابن لا يعوض، أنفق علىّ لكى أحج مرتين، وعمرات كثيرة، أنا وبناتى وكثيرين من العائلة، وكل شهر كان يرسل مظاريف مغلقة لكل واحد وواحدة فى العائلة باسمه، وفى الأعياد كان يرسل لنا فلوس وهدايا وعيديات نشترى منها كل شىء ولا يتأخر علينا أو ينسانا ولو مرة واحدة، كان يرسل لينا هذه الأشياء قبل العيد بأسبوعين، للجميع، من الصغير إلى الكبير.

■ ما آخر هدية اشتراها لكِ؟

- أحضر لى مصحفًا وقال لى «خليه معاكى»، وأنا محتفظة به.. وعندى حاجات كثيرة اشتراها لى، منها شنطة لم أفتحها إلى الآن، ولا أعلم ما فيها.. وهو أحضرها لى قبل الغيبوبة بأسبوعين، لم يكن يتركنا نحتاج لشىء.

■ ولكن هل كان يقابلكم وسط انشغاله الدائم بفنه؟

- كان مخصصًا للعائلة يومًا فى كل شهر، وكنا نسافر إليه جميعًا لنزوره فى بيته، وكان دائمًا يوم الثلاثاء.. وكان يأخذ كلًا منا «على جنب» ويسأله: عايز حاجة؟ وأى فرد من العائلة كان يتعرض لمشكلة كان أحمد يحلها له، ولم يكن يخبر أحدًا منا عن مشكلة الآخر، كان كتومًا لأسرارنا، ويحرص على أن يحضر «هيثم» هذه المقابلة أحيانًا.. وكنا نعتبر هذا اليوم عيدًا ننتظره من شهر إلى شهر!

■ كان يتصل بكِ تليفونيًا؟

- كان يتصل بى دائمًا.. يقول لى ادعيلى يا امه، أنا بحبك، فأدعو له وأقوله بحبك.. لم يكن ولدى فقط، كان أيضًا أخى وصديقى.. وكل بناتى- «شقيقاته من الأم فقط»- يعتبرنه أباهن، ويقلن له «يا بابا»، وكان يقول لهن: باحب أسمع كلمة بابا منكن، وأزعل لما تقولوا لى يا أخويا.

■ أى أنه كان رب العائلة؟

- طبعًا.. يكفى أنه هو الذى بنى لنا هذا البيت- بيت العائلة الجديد- ٤ أدوار، وجهزه «من كل شىء»، وأعطى لكل أخت من أخواته شقة مجهزة، كما أنه جهز لى شقة، وأنفق عليها الكثير جدًا.. ولم نكن نرحمه من مشاكلنا برغم أننا نعرف انشغاله، فكلما كانت تحدث مشكلة نتصل به لكى يحلها لنا.

■ كيف حال ابنه «هيثم» معكِ؟

- هيثم حنين زى أبوه، ولا أستطيع أن أصف لك شعورى حين احتضننى هيثم، كنا فى العناية المركزة، وكان أحمد فى الغيبوبة، وقال لى: ياستى ما تبكيش عليه.. بابا شهيد.

وأنا أحب هيثم، ومعزته عندى من معزة أحمد نفسه، وأنا دائمًا أدعو لهيثم أن يحبه الناس كما أحبوا أباه، وأنا أحب هيثم كثيرًا لأنه «حتة» من أحمد، وهو الذى صبرنى على فراق أبيه، وهو طيب وجدع وحنين علينا مثل أحمد.. «تبكى مرة ثالثة».. على فكرة، أنا شفت أحمد امبارح فى المنام!

■ وما الذى رأيته فى المنام؟

- ذهبت فى الحلم لكى أزور قبر أحمد.. وكان معى هيثم، وفوجئت بأن القبر مختف بين أشجار كثيفة وخضراء، قلت لهيثم: هذا ليس قبرًا، فقال لى هيثم: لا، هوه ده القبر.. بس هو فى الجنة، فدرت حول القبر أكثر من مرة، لكنى استيقظت من نومى، فحكيت لابنتى إيمان المنام، فقالت لى أحمد فى الجنة إن شاء الله يا ماما.

المصور 2005-4-8