الثلاثاء 07 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

أحمد زكى فى حوار مع محمود سعد: لولا الناس لدخلت مستشفى المجانين!

أحمد زكى
أحمد زكى

- مش كل من هب ودب يبقى منتج ويقعد يفتى ويقول الفيلم ده كسب والفيلم ده خسر

- بعض الذين يكتبون عنا يهمهم ضرب النجوم فى بعض

- عادل إمام له نجومية ساحقة ويسعدنى أن يحقق أعلى الإيرادات

- أمثل عبدالناصر.. وأمثل السادات.. ليه لأ؟!.. والمنتجون والموزعون مجرد محفظة فلوس!!

بعد الجريمة الوحشية التى راحت ضحيتها الفنانة وداد حمدى.. وحين قال هذا السفاح فى التحقيق إنه كان ينوى الذهاب بسكاكينه لأحمد زكى، اتصلت بأحمد وكالعادة فى السابعة والنصف صباحًا، وهو بين النوم واليقظة أجابنى. رد وقال: إنها جريمة بشعة، بس أنا تعبان. قرفان، يا أخى حاسس بمرارة.. حاسس بوحدة، كلمنى شوية، سألته عن فيلمه سواق الهانم، وعن فيلم عبدالناصر وفيلم السادات، وكان ذلك من باب الدردشة، ولكن صرخ مرة، ثم صرخ مرات، وعن أحوال الإنتاج تحدث، وعن الهجوم عليه تكلم، وانتهت المكالمة فى العاشرة، ساعتين ونصف الساعة أحمد يصرخ، وأنا أسجل صرخته، إنه نجم كبير يتألم وهذه تفاصيل المكالمة الصرخة.

منذ ما يقرب من عام اتفقت وأحمد زكى وفى حوار صحفى على أن يكف عن الكلام، ووقتها قال لى أحمد «الكلام لم يعد له فائدة. تكلمت كثيرًا ولم يستمع، بل لم يتعلم أحد، والأحوال لا تتبدل ولا تتحسن والضرب تحت الحزام على ودنه، وبالتالى سوف أعتزل الكلام وأتفرغ للفن فقط».

ولما كانت هذه المكالمة، وكانت الدردشة قلت لأحمد: هذا الكلام لى، أم هو للجمهور والقراء أيضًا، ألم نتفق على الصمت وعدم الكلام، وإذا به يقول: أنا لم أتكلم ولن أتكلم وإنما أنا أصرخ وأصرخ، تعبان يا أخى.

تصور المنتج الذى لا علاقة له بفيلم سواق الهانم، والذى اشتراه جاهزًا يقول أنا عارف إن الفيلم ح يخسر، تصور لى عام وأكثر متفرغ تمامًا لفيلم عبدالناصر، وأبذل كل الجهد فى إعداد فيلم عن السادات، وسوف أنتجه بنفسى، وقبل أن يرى البعض الفيلمين انهالت المعاول وهات يا هجوم، وإزاى أحمد زكى يعمل عبدالناصر ويعمل السادات، ويعمل كمان عبدالحليم حافظ.. هو فاكر نفسه مين، بالذمة ده نقد. وفيلم سواق الهانم لم يحقق إيرادات ضخمة فى العيد، وإذا بالبعض سعداء وقالوا أحمد ضاع وعادل إمام أكله.. واخد بالك أنت..!!

وقبل أن أقول واخد بالى.. إذا بأحمد يكمل:

عادل إمام عامل فيلم عظيم ويناقش قضية ملحة وهامة، وعادل له نجومية ساحقة، ويسعدنى أن يحقق أعلى الإيرادات.. وأيضًا فيلمه «خمسة باب» كان ممنوعًا، وهو فيلم جميل ونجاحه مضمون، وليه المقارنة، أنا عامل فيلم كوميدى رقيق وله جمهور عريض، لكن هذا الجمهور لا يذهب إلى دور العرض إلا نادرًا، والجمهور يختار وله أفضلية، فيها إيه لو الجمهور أحب أن يرى الفنان الكبير عادل إمام أولًا.. وبعدين يشوف فيلمى وكمان سواق الهانم فيلم عائلى، وسوف يحقق نجاحات كبيرة فى دور عرض معينة، وفى الفيديو، وفعلًا بعد العيد بدأت إيراداته ترتفع، إنما نقول إيه هجوم وأسافين علشان النجوم تقع فى بعضها.

أنا زمان عملت فيلم كسر الدنيا وحقق إيرادات ضخمة، وفى نفس الوقت كان يعرض فيلم غاية فى الجمال وقمة فى الفن لنجم كبير، ولكنه لم يحقق إيرادات، وإذا بى أقرأ نقدًا يقول صاحبه إن أحمد زكى سحق النجم فلان.. عارف عملت إيه؟

سأل أحمد السؤال.. وأجاب عنه.

على الفور اتصلت بسيادة الناقد وقلت له ده مش نقد، ده توقيع، ونفخ فى شخصى غير صحيح، لأنى أقدم فيلمًا يعجب جمهور عماد الدين، وهو فيلم النمر الأسود، حيث الصعلوك الذى ينتصر فى النهاية، وزميلى قدم فيلمًا عظيمًا وله لغة سينمائية متميزة لم يستوعبها جمهور عماد الدين، ولتعلم أنه لو أن زميلى هذا قدم فيلمى لحقق إيرادات أضعاف أضعاف الإيرادات التى حققتها.

لازم كل واحد يعرف قدراته ولا يستسلم لهذه الآراء الهدامة.. واخد بالك أنت؟!

وهذه المرة استطعت أن أقول واخد بالى يا أحمد، بس عايز أقول، لكنه لم يسمح بأن أقول ومضى يتكلم.. أقصد مضى يصرخ.

بصراحة كده ٩٥٪ من المنتجين والموزعين ما هم إلا «محفظة» شوية فلوس، وكانوا زمان بيحبوا يشوفوا الفنانين والسينما وعارفين إن السينما بتكسب، ولذا فهم لا يعرفون شيئًا عن أصول الإنتاج والتوزيع والإعلام أيضًا، هناك قاعدة معروفة فى صناعة السينما، وهى أن الأفلام أنواع هناك الكوميدى وهناك السياسى والاجتماعى والتاريخى والدينى.. و.. و.

وهناك أيضًا ما يسمى بتواريخ العرض المناسبة لكل فيلم، فليس كل فيلم يصلح للعرض فى كل وقت.. وليست كل المواسم الخاصة بالعرض صالحة لكل الأفلام، يا راجل بعض المنتجين قاعدين يقولوا الفيلم حقق كذا والفيلم الآخر لم يحقق، وهم لم يشاهدوا شيئًا، كل الذى يعنيهم هو الإيراد.. ولم يسألوا أنفسهم لماذا حقق هذا الفيلم إيرادات كبيرة فى وقت ما.. وفيلم آخر لم يحقق الإيرادات الكبيرة، فيه حاجة اسمها دراسة السوق وتحديد الأوقات المناسبة لعرض كل نوعية من الأفلام، يعنى أنا عملت سواق الهانم للأسرة المصرية، وعارف إنه مش فيلم عيد، لكن السيد المنتج عرضه فى العيد، ولا أمانع، بس لا داعى أن يقول الفيلم خسر، وهذا غير حقيقى، والغريب أنه منتج كبير وينتج أفلامًا عديدة كل عام.

فى هذه الحال ماذا أفعل؟! أصرخ وأشعر بمرارة وبوحدة، يا ناس كل حاجة لها أصول، ولو أننى عايز الإيرادات الضخمة فقط لما قدمت سوى كابوريا والإمبراطور والنمر الأسود وشادر السمك والبيه البواب، ولكن القضية ليست الإيرادات.

وليس معنى هذا أننى سوف أخسر المنتجين، أبدًا، لكن لا بد أن نقدم مثل هذه الأفلام السابقة والتى تعرض لأكثر من عشرين أسبوعًا وأيضًا أقدم أفلامًا هامة وبها مشاعر وتناقش قضايا مثل «زوجة رجل مهم» و«الراعى والنساء» و«سواق الهانم» وغيرها وهى أفلام تكسب أيضًا، ولكن المهم أن تعرض فى أوقات عرض مناسبة، ولا يجب مقارنتها، لا بأفلام نجوم آخرين، ولكن لا يجب مقارنتها بأفلامى أنا شخصيًا.

إنما الحكاية لها هدف آخر.

وأسرعت فقلت ما هو؟!

قال أحمد: خد بالك معايا، النجم حين تنخفض إيراداته تكون هناك محاولة لضربه وتسمع من يقول هو عايز الأجر ده ليه، ده فيلمه لم يحقق إيرادات، والغريب أن الذى يقول هذا يعلم جيدًا أن الفيلم لم يخسر، ولكن سوق يا أستاذ وزحمة وضرب تحت الحزام، أقول حاجة بتجننى، فيلم ينجح لمجموعة من الشبان، وإذا بمن يطلقون على أنفسهم لقب نقاد يكتبون.. ويقولون الشباب هزم النجوم، وكأن هناك ثأرًا بين النجوم الشبان والنجوم الذين سبقوهم، فى حين أننا جميعًا نسعد بكل وجه جديد يظهر فى الفن، لست وحدى ولكن معى فى هذا عادل إمام ومحمود عبدالعزيز والفخرانى ونور الشريف والعلايلى والفيشاوى وحسين فهمى، كلنا بلا استثناء، طيب ليه بقى ضرب الناس ببعضها، ليه يحاول البعض إظهار أن هناك تحديًا بين النجوم والوجوه الجديدة، مش فاهم ومش عارف وقرفان علشان كل الحاجات دى.

وهنا صمت أحمد فقلت: ولماذا تشغل بالك بهذه الآراء، خليك فى شغلك وبس؟!

وعاد أحمد يصرخ: وهو ده مش شغلى لما ألاقى كلام يوقع بين الفنانين وبعضهم، ومع ذلك طيب إيه رأيك إنى خلتنى فى شغلى وقلت سوف أخرس خالص وأشتغل وبس، وطوال العام الماضى كله لم أصور سوى ١٧ يومًا فى فيلم عبدالناصر، وكنت ألتقى بالكاتب الكبير أحمد بهجت، الذى يعد سيناريو فيلم السادات، وأعقد جلسات عمل مع مخرج الفيلم الفنان محمد خان وقاعد فى الفندق كافى خيرى شرى، وإذا بى أقرأ آراء حول الفيلمين وكيف يقدم أحمد عبدالناصر ويقدم السادات أيضًا، وإنه سوف يفشل ولن يكون مقنعًا، وإن هذا بتناقض وأين موقفه الشخصى، وكلام يا أخى كبير واستراتيجى، فيه إيه أنا فنان، يعنى أنا ممثل، ولست منظرًا سياسيًا أو رئيس حزب للسادات أو لعبدالناصر، بأقول ممثل، وأى ممثل يتمنى أن يقدم شخصية ثرية مثل عبدالناصر، قائد ثورة ورجل مصرى عظيم، وله مواقف قوية ورائعة، يعنى شخصية تغرى أى ممثل.

والسادات الضابط، السائق، الفلاح، صاحب بيان الثورة، الصامت، نائب رئيس الجمهورية، هازم مراكز القوى، صاحب قرار حرب أكتوبر، جنن الدنيا وراح القدس وكامب ديفيد وحكاية ليس لها أول من آخر، وهل يحلم الفنان بالعثور على شخصية بهذه الصورة ليجسدها على الشاشة..

فيه إيه، وبعدين ده تقمص وتمثيل، ولا يمكن بأى حال من الأحوال أن تحكم على عمل قبل أن تراه، يعنى كنت أفهم أن يلعنوا أحمد زكى وأقاربه حين أفشل فى تجسيد الشخصيتين أو شخصية منهما، إنما هجوم قبل أن يشاهدوا يبقى لازم أتجنن ولازم أرجع فى كلامى وأصرخ وأتكلم وأقول يا ناس حرام عليكم، تعاملوا مع الفن والفنانين بالعدل.

وما هو العدل؟!

ألقيت بسؤالى رغمًا عن النجم الأسمر، فقال: العدل أن نناقش العمل الفنى من جميع جوانبه، أن يكون هناك نقد حقيقى، نقد فى صميم العمل، نقد لا علاقة له بالأمور الشخصية، وأن يفهم السادة المنتجون والموزعون، يفهموا أصول صناعة السينما ويدرسوا السوق جيدًا، مش كل من هب ودب يبقى منتج ويقعد يفتى، ويقول الفيلم ده كسب والفيلم ده خسر، وهو لا يعلم شيئًا عن السوق، مش بأقول لك منتجين محافظ وفلوس وبس.

اسمع وخد بالك كويس..

واخد يا أحمد..

الفنان فى مصر.. ولست أنا.. دائمًا كل الفنانين يعاملون أسوأ معاملة، هم عند المنتجين والموزعين مجرد فرخة، أحيانًا تبيض ذهبًا وأحيانًا تبيض بيضًا فاسدًا، ولا يعرفون قيمتهم الحقيقية.. وهم عند بعض النقاد مجرد أسماء يمكن استغلالهم فى الشهرة ويضربوا فيهم زى ما هم عايزين.. مش بس كده ده أحيانًا لما ينجح فيلم لواحد فينا تجد من يتبارى ويخلق ألف سبب آخر للنجاح غير النجم الذى قاد العمل.

إحنا باختصار حقنا ضائع ضائع.

قلت: ولكن الناس.. ولم يمهلنى أحمد أن أكمل الجملة، وقال: هنا مربط الفرس يا أخى، واخد بالك أنت، الناس هم الشىء الوحيد الذى يجعلنى ويجعل زملائى يعملون، الناس عظيمة وتعبانة وغلابة زينا بالضبط، والناس دى يقع عليها ظلم مثل الظلم الذى يقع علينا تمامًا.

ومن أجل الناس فقط أنا أعمل، وزملائى يعملون، الناس بتحب الفن، والسينما بالتحديد، ورغم ارتفاع أسعار التذاكر، ما زالت السينما هى أرخص مكان للنزهة لدى عامة الناس، ولهذا نعمل ونحب عملنا، والمدهش أن الفنانين يدركون جيدًا مدى تأثير الفن على الناس، ولهذا تجد بعضنا حريصًا على تقديم فن جميل، وهادف ولا يستخف بعقول المشاهدين، وجهات كثيرة لا تدرك هذه الحقيقة ويتركون صناعة السينما تنهار.

يا أخى -أحمد منفعل يكمل- أنا لى أكثر من عام ونصف العام مقيم فى فندق كى أرى الناس دائمًا، ومن أجل الناس أيضًا أنا مفلس ولا أملك شيئًا، فلى عام ونصف العام وأنا لا أعمل إلا فى فيلم عبدالناصر، وذلك حتى يخرج للناس على أحسن صورة، وأمامى بص عشرات الأفلام ورفضتها جميعًا لأنى وجدتها بلا جديد ولن تسعد الناس السعادة التى أتمناها.

الناس.. الجمهور.. لولا هؤلاء ومشاعرهم الرقيقة والجميلة لكان مكانى اليوم مستشفى المجانين.. إننى أمام هذا التخبط وهذه اللخبطة الموجودة فى حياتنا الفنية. وحين أحتار وأشعر بمرارة تكاد تفتك بعقلى، أسمع كلمة من عامل أسانسير أو مريض أقابله فى عيادة طبية أو خطاب يصلنى من أحد المعجبين، ويقولون استمر يا أحمد أنت كويس، ولذا ولهذا فقط أنا أستمر.

وكفاية كده أنا تعبت.

فقلت: بالمناسبة مبروك على جائزة جمعية الفيلم عن دورك فى فيلم الباشا.

وإذا به بعد أن كان قد هدأ عاد وانفعل وقال: أنا قرأت كلامًا عن هذا الفيلم وقالوا أحمد نيله، وأحمد زفت.. وادى يا سيدى رأى بعض النقاد... لكن الجمهور الذى هو أعضاء جمعية الفيلم نصفونى.. طيب أعمل إيه فى هذا التناقض ومتى تتوازن الأمور، شفت أدينى عايز أصرخ تانى، كفاية يا محمود أنت خدت كلام زى الفل بس يا ريتهم يفهموا ويحسوا ويختشوا.

قلت يا ريتهم يا أحمد.

صباح الخير 1994-2-14