الثلاثاء 07 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

أحمد زكى فى حوار مع «المصور»: عبدالناصر كان أبويا!

حرف

- أنا ابن عبدالناصر.. وأحببت السادات.. وأعيش عصر حسنى مبارك.. وأنا ابن الشارع المصرى

- عبدالناصر كان موظفًا بدرجة رئيس جمهورية.. وله بيته وأسرته وطعامه وشرابه.. مواطن عادى وبسيط

ذهبت إلى أحمد زكى أفتش عن عبدالناصر، هل تغير أحمد بعد الاستقبال الحافل لأدائه لدور الزعيم؟.. وهل صحيح أن الشخصية «جننته»، وما زال كما يقول البعض، عامل فيها عبدالناصر؟! وجدته مرتديًا الجينز الأزرق، حافى القدمين، لم يغسل وجهه بعد، وكان يتحدث فى التليفون أحيانًا، وبعد أن أنهى المكالمة قبلنى أنا وزميلى المصور، شوقى مصطفى، ثم تركنا وعاد يتناقش مع ابنه «هيثم» بعد أن طلب منه فاروق الفيشاوى أن يذهب مع ابنه أحمد إلى السينما. وفى صباح اليوم التالى.. اتصل بى أحمد وقال: يا تلحقنى.. يا متلحقنيش غيرت الفندق.. موعدنا الساعة الخامسة! وقبل أن نبدأ.. وقبل أن أهنئه على الدور.. وقبل أن نقول أى كلام تمهيدًا للكلام، انطلق أحمد يقول: أخطر قرارات فى حياة شعب مصر قرار التأميم.. تأميم قناة السويس، وقرار حرب أكتوبر.

فى «ناصر ٥٦» أنا جسدت كيف أدار عبدالناصر المعركة السياسية، فقطعوا عنه التمويل، البنك الدولى رفض أن يمول السد العالى، مش عيب أكون فقيرًا واستلف!. عبدالناصر عبأ العالم بقضيته، قضية بناء السد العالى، والبنك الدولى رافض التمويل.

ما زال حتى الآن خطاب عبدالناصر بقرار التأميم يدرس، وكيف العالم كله التف حوله.. وكان القرار خبطة سياسية وردود أفعاله أقوى، أيقظ شعوبًا تطالب بالحرية والاستقلال من الاحتلالين الفرنسى والإنجليزى.

■ كم كان عمرك لحظة قرار التأميم؟

- ٦ سنوات وأتذكر جيدًا.. بس من غير إدراك.. سمعت قرارًا من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية.. الصوت بيلعلع فى أذنى.. والناس حولى بتصرخ وتصفق.. وما زال الصدى معى حتى الآن.

■ هل وجدت صعوبة فى محاكاة صوت عبدالناصر؟

- المؤلف محفوظ عبدالرحمن قال لى: الأستاذ أشرف مروان عرف إنه توجد خطب فى الفيلم فقال بحسم ووضوح: استحالة حد يعمل صوت عبدالناصر! كلام أشرف مروان أنا معه.. وأقول عنده حق ولو أنا فى مكانه حاقول زيه.. خطب عبدالناصر كلها أداء ساحر وأنا أستمتع بها جيدًا.

لكن فى نقطة مهمة.. التشخيص.. أنا أبحث عما كان فى عين الزعيم.. وما كان فى قلبه.. لحظة إلقاء الخطاب.. لأن الصوت مش كفاية إيه إللى كان فى عينه.. إيه اللى كان جوه قلبه.. ماكانش فيه كاميرا تقرب من وجهه ونشوف انفعالاته.. نحن نسمع القرار فى الراديو.. يبقى بجانب الصوت لازم وحدة الوجدان مع وحدة المعايشة والشكل.

لكن الصوت شىء أساسى فيمن يشخص الزعيم عبدالناصر.

وقعت فى حيرة.. إنى لازم أجيب صوت عبدالناصر.. لأن الناس كلها بتسمع صوته.. والشرائط موجودة.. وفى الوقت نفسه لا بد أن أعطى الإحساس.. وإلا تسمع إللى يقول.. لأ مش صوته.. وفيه ناس قاعدة للحكاية دى.

فكان لازم أعطى الإحساس الداخلى.. والشكل الخارجى.. ويحدث هذا التواصل.. فالشخصية معروفة ومعاصرة.

■ ماذا كانت أدوات الممثل أحمد زكى فى رصد شخصية جمال عبدالناصر؟

- أدواتى أنى مواطن مصرى.. وبدأت أتفرج على عبدالناصر من جوه.. الناس كلها تقول نظرته.. مشيته.. إحساسه.. طب حأعمل إيه بنظرته.. حبرق فى الناس.. عبدالناصر «كاريزما» ربنا أعطاها له.. لكن فى الوقت نفسه لأنه صاحب قضية وصادق فيها وواثق منها ومن نفسه.. فتصبح صورته جميلة.. فبدأت أقول إذن مفتاحى الإحساس.

وأيضًا عبدالناصر شخصية تأملية.. يتيم مثلى.. أمه ماتت وأبوه تزوج غير أمه وأرسله يتعلم عند خاله.. فاليتيم شخصية تأملية.. ولا يشتكى ويرفض المشاعر الرمادية لأنه يعلم أن عطف من حوله.. غير حب وعطف والديه حتى قسوتهما عنده تمثل حبًا.. أما أقصى الحب عند الآخرين فهو مشاعر رمادية.

وبدأت أعمل أصولًا للشخصية لكى تتسلل إلىَّ.. وأمتلك ناصية المعايشة الداخلية.. ومع المعايشة الخارجية تحققت عندى صورة عبدالناصر.

■ هل استعنت بأحد من الذين عاشوا بالقرب من الرئيس عبدالناصر؟

- كان نفسى.. ولكن لم يحدث.

■ ألم تتكلم مع الأستاذ هيكل؟

- أنا أحبه جدًا.. لكن لم يسعنى الحظ أن قابلته من أجل الفيلم.. قابلته فى عرض خاص للفيلم لكن لم نتكلم.

■ ألم تتحدث مع أحد من أولاد الرئيس جمال عبدالناصر؟

- ممدوح الليثى كان يتكلم فى التليفون مع خالد عبدالناصر وقال له أحمد زكى معانا وحيعمل.. وتكلمت معه فى التليفون.. وكان منه ترحيب لطيف ومشجع.. وأتمنى أن يرى الفيلم.. لكن لم يسعدنى أن أجلس مع أحد من الأسرة وإنما حصيلتى كانت كلها قراءات واجتهادات شخصية أحاول أن تقربنى من الزعيم.

■ ماذا كان دور المخرج محمد فاضل معك فى تجسيد عبدالناصر؟

- الأستاذ محمد فاضل- شفاه الله- مايسترو العمل وكان يساعدنى.. وأخذ يحضر فى الفيلم مدة طويلة.. والتقى أسرة الزعيم الراحل وأحضر منهم صورًا وأوراقًا بخط يده.. وفيلمًا شخصيًا للرئيس فى بيته.. بذل فى الفيلم جهدًا لا يوصف.

■ وكاتب العمل محفوظ عبدالرحمن!

- كان السهل الممتنع. رصد الحركة فى «١٠٢» يوم وكتبها بعذوبة.. وقرأ الكثير والكثير عن هذه الفترة وعلاقة الرئيس بكل من حوله.. والفيلم فيه نغمات كثيرة من ديكور وتصوير وفى كل صغيرة وكبيرة عمل معنا.

■ هل زرت ميدان المنشية الذى شهد قرار التأميم؟

- طبعًا زرته.. لكن المشهد تم تصويره فى الاستديو..

■ ما الصعوبة التى واجهتك فى هذا المشهد التاريخى؟

- الكومبارس.. المجاميع.. تعبوا.. لكن ناس عاوزه اليومية بتاعتها.. كانوا بيقلقونى.. كنت أعانى منهم.. وقف أمامى فى مشهد المنشية ما بين ألف وخمسمائة فرد.. كان نفسى يكونوا ممثلين جيدين.. كنت أتمنى أن يحاولوا معايشة اللحظة.. ولكنى كنت أراهم أناسًا عاديين ياكلوا عيش فقط.. فكنت أنساهم.. وأتخيل ناس تانية.. ولما كانت الكاميرا تأتى من خلف ظهرى.. كنت أحاول أن أشحنهم وأفكرهم بهذه اللحظة التاريخية.. ولما تكون الكاميرا «كلوز أب» كنت بأحاول أعيش نفسى.

 

■ قالوا عنك فى هذا المشهد.. عامل فيها عبدالناصر.. وإن الشخصية جننتك.

- وما أعملش ليه عبدالناصر.. أنا بجسد دور عبدالناصر.. فلما آجى أعمل شخصية رئيس الجمهورية يبقى لازم أكون رئيس الجمهورية.. وألاقى ناس بتنكت وتهزر.. وناس داخلة على تقولى أزيك يا أحمد وعاوزين ينكتوا فبيجدونى متجهمًا.. لأنى لا أريد أن أخرج من الإحساس من «مود» رئيس الجمهورية.. علشان الانطباع الأخير بعد ما الفيلم يعرض تشوف رئيس الجمهورية.

من حقى قبل التصوير إنى أحس الإحساس.. إحساس رئيس الجمهورية.

فأسمع واحد فى التصوير يقول «ده عامل فيها عبدالناصر».. طب ما أنا فعلًا عامل فيها عبدالناصر.. أعمل انت شبه عبدالناصر.. يعنى أنا حأجيب «فيوز» من «الأجزخانة» أحطه فى أذنى فتطلع الشخصية!

■ هل رأيت عبدالناصر عن قرب؟

- مرة وحيدة.. وأنا فى ثانوى.. بلبس الفتوة.. وشايل العلم.. ومستنيه على محطة بلدنا.. من سبعة صباحًا لغاية اثنين الظهر.. الدنيا حر.. دماغى وجعتنى رحت أجيب ساندوتش.. وودانى مع صوت القطر.. زهقت طلعت فوق عامود نور وصلت للآخر.. قرفصت زى القرد وحطيت جسمى جوه ديرة حديد وقلت انتظر الرئيس وأنا مرتاح.. وجه القطر مادريتش بنفسى.. نزلت إزاى واتحدفت على الناس إزاى ولمست أيد الرئيس وهو فى شباك القطر.

أبويا مات وأنا عندى سنة وعبدالناصر كان أبويا.. ولما مات عبدالناصر كان رد الفعل عندى صعب.. صعب..

■ ما أصعب مشهد لك فى فيلم عبدالناصر؟

- أصعب مشهد كان خطابه فى الجامع الأزهر.. كاد قلبى يتوقف مع هذا الخطاب.. وصورناه فى الأزهر.. وقف يحرض الناس على الجهاد.. حسيت إن عبدالناصر عاوز يصرخ.. وكانت الصعوبة إزاى أقول الكلام ده.. لو زودت الأداء.. أو قللته.. مش حيوصل المشهد زى ما هو..

■ وماذا فعلت فى طولك.. فعبدالناصر أطول منك بكثير؟

- إحساس جوايا.. أنا ساعات ألاقى نفسى طويل.. فى مشهد فى شادر السمك لقيت نفسى تخين وأنا بقول الجملة!

ومشهد آخر لقيت رقبتى تخينة وأنا رقبتى رفيعة.. كل ده بيكون من خلال الأداء الطبيعى الواعى.. لكن بيكون على حساب الجهاز العصبى والنفسى والقولون.. بس كله فى حب الفن يهون.

ومشكلتى لم تكن الطول مع عبدالناصر.. لكن المشكلة أن عبدالناصر فى «٥٦» كان رفيعًا.. وفجأة زاد وزنه فى «٥٧» و«٥٨».. طب الفيلم يتوقف عند «٥٦» والناس لم تتعود أن تراه رفيعًا.. فكان المشكلة أنى أوائم فى حجم الرئيس أحافظ على الوضع التاريخى له.. وفى الوقت نفسه أحافظ على الشكل الدائم الذى تعود الناس عليه..

■ هل مشاهدك مع السيدة تحية وأفراد الأسرة كان لها إحساس مختلف؟

- عبدالناصر كان موظفًا بدرجة رئيس جمهورية.. وله بيته وأسرته وطعامه وشرابه.. مواطن عادى وبسيط وصعيدى مننا وعلينا.. وكان فيه حمية الرجل المصرى.. فى مشاهده مع الأسرة حاولت أن أفعل كل هذا.

■ البعض يطلب من أحمد زكى أن يعتذر عن تمثيل شخصية السادات.. بعد نجاحه فى تجسيد شخصية الزعيم جمال عبدالناصر.

- أنا ابن عبدالناصر.. وأحببت السادات.. وأعيش عصر حسنى مبارك.. وأنا ابن الشارع المصرى.. شاهدت انتصاراته.. وانكساراته.. وأنا لست مع أو ضد.. عبدالناصر عصره عصر البراءة والحلم.. أول زعيم مننا.. والرئيس السادات عصره عصر الحرب والسلام.. مبارك عصره عصر التنمية والبنية الأساسية والحريات.. كلهم زعماؤنا.. فلماذا أعتذر عن شخصية السادات!!

■ الناصريون اعتبروك بتاعهم.!

- أنا ناصرى.. وأبويا عبدالناصر.. لكن كلهم زعماء مصر.. حلقة متصلة بدءًا من محمد كُريم ومرورًا بأحمد عرابى، ومصطفى كامل، وسعد زغلول، والنحاس، وعبدالناصر، والسادات، ومبارك.. نفسى أعملهم كلهم.. ونفسى أقدم المواطن المصرى العادى.. البطل سيد زكريا.. وعبدالعاطى حامد وعم محمد عامل السد العالى اللى حضن فى صدره الديناميت.. ونفسى أقدم مجدى يعقوب، وفاروق الباز، ورفاعة الطهطاوى، ومحمد عبده..

فى إيه.. ياجماعة!

إيه.. فى إيه!

هى الحكاية أهلى وزمالك.. ليه يبقى فيه صراع.. عبدالناصر والسادات كل واحد فيهما حب مصر وأخلص لمصر.. عبدالناصر نكسة «٦٧» خطأ.. وعوضها بحرب الاستنزاف وجاء السادات حقق النصر بقرار أكتوبر.. أنا أختلف معه فى السلام فى كامب ديفيد. لكن بعد «١٠» سنوات فهمت الموقف وقدرت بطولة هذا الرجل، ومن قبل عملوا فرقة بين أم كلثوم وعبدالوهاب.. وكان هناك عداوة.. وعندما قدمت طه حسين وجدت أن هناك عقاديين وحسينيين.. ليه.. كلهم أبناء مصر.. ورموز مصر.. وأقول وأؤكد.. أنا ابن عبدالناصر.. وأحب السادات وحسنى مبارك.