فى حوار خاص جدًا مع محمد بغدادى 3
أسرار اللوبى الملعون.. د. صبرى حافظ: «حركة مراقبة الجامعة» الصهيونية تستأصل كل ما ينصف العرب
- معظم مراكز الأبحاث الأمريكية المتخصصة فى دراسات الشرق الأوسط تقع تحت سيطرة العقل الصهيونى
- كلمة «مستشرق» كانت مدعاة فخر لصاحبها فى العالمين الغربى والعربى.. وبعد كتاب «الاستشراق» أصبحت تهمة ووصمة عار
- الغربيون ما زالوا يعتـقدون أن الثـقافة العـربية واحدة من العراق إلى المغرب
فى هذه الحلقة من حوارنا الخاص جدًا، والممتد مع سيد النقد الأدبى العربى الحديث والمعاصر، الدكتور صبرى حافظ، نقف فى مساحة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة، فى عالمنا العربى، كما فى أوروبا وأمريكا، وكل بقاع العالم، ونتوقف قليلًا مع الزلزلة التى أحدثها كتاب «الاستشراق» للمفكر العربى إدوارد سعيد فى الأوساط الثقافية حول العالم، خصوصًا أن الدكتور صبرى كان وقتها قد بدأ عمله فى جامعة «أكسفورد» فكان شاهد عيان على توابع ذلك الكتاب الذى أسهم بشكل واسع فى تغيير الرؤية الغربية، وفضح الخطاب الصهيونى المهيمن على الحياة الأكاديمية الأمريكية.

■ من خلال محاضراتك وكتبك، هل يمكن أن تشرح لنا كيف يستقبل الطالب الغربى الثقافة العربية المعاصرة وكيف يتعامل معها؟
- هناك أولًا مصادرة مهمة، ومتغيران أساسيان علينا التعرف عليهما كى أجيب عن سؤالك: أما المصادرة فهى أن دراسة العربية لغة وثقافة فى الجامعات الأمريكية والأوروبية لا تزال تدرس على أنها ثقافة واحدة من العراق حتى المغرب، أما أول المتغيرين الأساسيين، فهو أنهم بدأوا، منذ ستينيات القرن الماضى تحولًا كبيرًا من التركيز على الأدب القديم والأصول الكلاسيكية، وهو تركيز كان ينطلق من تصور مضمر أن الثقافة العربية كان لها ماض تليد ودور قديم ثم اندثرت، وكانت تندرج لديهم لا ضمن دراسة اللغات الحية، بل اللغات القديمة التى بادت مثل اللاتينية والعبرية واليونانية القديمة، إلى التركيز الآن على الأدب الحديث وعلى الحاضر والأدب المعاصر والثقافة المعاصرة، وهو تحول بدأ بطيئًا، ولكنه تلقى عدة دفعات سوسيوثقافية عززت مساره، كان أولها استخدام سلاح النفط فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، حيث اكتشف الغرب فجأة أن هذا العالم العربى الذى يدرسونه باعتبار أنه كانت لها حضارة قديمة ثم بادت، ما زال موجودًا وقادرًا لو أراد على زعزعة استقرار الغرب، وإطفاء الضوء الذى ينير حضارته. وجاء ثانيها مع تنظيم مهرجان ضخم للعالم الإسلامى عام ١٩٧٦، ثم جاءت الدفعة الثالثة بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام ١٩٨٨.
لكن هذه العوامل الخارجية، سياسية كانت أم ثقافية، ما كان لها وحدها القدرة على إحداث التغيير لو لم يتوفر له إرادة حفنة محدودة من أبناء الثقافة العربية القادرين على الكتابة عن حاضر هذه الثقافة باللغة الإنجليزية.

■ حدثتنا عن متغير واحد، فما المتغير الثانى الذى أشرت إليه؟
- المتغير الثانى هو ما يمكن تسميته بتوابع كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد، هذا الكتاب أحدث زلزالًا معرفيًا فى الثقافة الغربية، وفى عالم الدراسات الاستشراقية عمومًا. فقد عمل نوعًا من القطيعة أو أسس لنوع من القطيعة المعرفية مع النظريات القديمة الاستشراقية عن عالمنا العربى، وشكك فى دوافعها وعلميتها، وأنا أعتبر نفسى من الجيل الذى أتى إلى عالم الدراسات الاستشراقية بعد كتاب «الاستشراق» فقد تصادف أننى أنهيت رسالتى للدكتوراه، وحصلت على أول وظيفة لى فى جامعة أكسفورد عام ١٩٧٨، وهو عام صدور كتاب إدوارد سعيد. عشت هذا العام فى أكسفورد بوادر تجمع العاصفة التى أثارها هذا الكتاب، وبدايات الانشقاق بين جيلين ونظريتين ومنهجين لتاريخ طويل وعريق، وأهم من هذا كله، لمنهج راسخ فى رؤية الآخر والتعامل مع ثقافته. فأهم ما قدمه إدوارد سعيد فى كتابه هذا هو أنه حلل الخطاب الاستشراقى بواحد من أرقى مناهج التحليل الغربية وأكثرها حصافة ودقة وعمقًا. لذلك كان من الصعب رفضه بجرة قلم، كما كان الحال بالنسبة لكل الأطروحات التى شككت فى الاستشراق قبله. وكان من الضرورى الاشتباك مع الأسئلة المدببة والمزلزلة التى طرحها على المستشرقين، وكيف أن خطابهم بطريقة تمثيله للآخر، أو شرقنتهم للشرق- حسب تعبير سعيد- كى يسهل إخضاعه والسيطرة عليه، ظل أداة فى خدمة المؤسسة الاستعمارية، أو فى خدمة السياسة الخارجية على أحسن تقدير. وكيف أنه قدم شرقًا لاعلاقة له بالشرق الحقيقى قدر علاقته بصورة الغرب عن نفسه، وبرغبته فى أن يجعل الآخر نقيض هذه الذات من أجل تكريس قيم الذات الغربية، وليس من أجل أى معرفة حقيقية أو موضوعية بالآخر. وكانت موضوعية المعرفة وحيدتها بعيدًا عن الذات العارفة قد تلقت قبل سعيد عددًا من الضربات المنهجية المزعزعة لها، واستفاد هو منها فى إكساب نقده للخطاب الاستشراقى مضاءً وتأثيرًا.
أقول إن توابع عاصفة هذا الكتاب، وما جرى بعده من تطوير لما يعرف الآن بنظريات ما بعد الاستعمار، ومقترباتها المنهجية التى غيرت طريقة التعامل مع أدب الآخر وثقافته، بعيدًا عن الخطاب الاستعمارى/ الاستشراقى القديم، هذه النقلة أو القطيعة المعرفية كانت هى المتغير الثانى والذى راد مسيرتى فى التدريس فى الغرب. وكى أوضح لك ما أقصده أذكر لك واقعة حدثت أمامى فى افتتاح مؤتمر للمستشرقين فى لندن، حينما قال أحد المستعربين فى الافتتاح: «لقد كانت كلمة مستشرق مدعاة فخر لصاحبها فى العالمين الغربى، بل والعربى أيضًا، ولكنها أصبحت الآن بعد كتاب إدوارد سعيد تهمة ووصمة عار». إلى هذا الحد كان تأثير هذا الكتاب. لذلك بدأت بعده نظرة معرفية ومنهجية جديدة فى التعامل مع عالمنا العربى من خلال منظور أكثر موضوعية وأكثر قربًا من حقيقة ما يدور فيه، وبدأ عدد كبير من الباحثين والدارسين العرب من مختلف البلدان العربية فى الكتابة باللغتين الإنجليزية والفرنسية. وأسهمت كتاباتهم فى تخليق قاعدة معرفية توشك أن تكون سليمة للتعرف على عالمنا العربى.

■ متى بدأ الاستشراق المُعادى، وهل هو متعمد؟
- من حيث التعمد فهو بالتأكيد متعمد، وتاريخه قديم، وقد فضحهم إدوارد سعيد فى كتابه الاستشراق، إنه تاريخ طويل يبدأ من حملة نابليون على مصر حتى ثمانينيات القرن الماضى، بعد عمر قرنين من هذا الزمان، هذا التاريخ الطويل من شرقنة الشرق، ورؤية الشرق بعيون غربية على أنه النقيض، وعلى أنه الآخر، وعلى أنه الضد فى كل شىء، بمعنى أنه إذا كان الغرب عقلانيًا، فالشرق عاطفى، وإذا كان الغرب ماديًا فالشرق روحى، وإذا كان الغرب منصفًا للمرأة، فالشرق معادٍ لها، إلى آخر هذه الرؤية القديمة التى نقدها إدوارد سعيد بحدة، ولكن هذا التغيير لم يصل بعد إلى عنفوانه، وقدرته وتأثيره إلى المؤسستين السياسية والإعلامية. بل تلقى هذا التغيير نكسة جديدة بصعود نفوذ المحافظين الجدد فى الولايات المتحدة الأمريكية مع نهايات القرن الماضى وبدايات القرن الحالى، ومع موت إدوارد سعيد عام ٢٠٠٣، وتنامى نفوذ ما تسمى بحركة «مراقبة الجامعات»، وهى حركة صهيونية تريد استئصال كل ما ينصف العرب، ويضر بالتالى بمشروع الاستيطان الصهيونى فى فلسطين، من المناهج الدراسية فى الجامعات الأمريكية.

■ بعد ظهور ما يعرف بــ «الإسلام فوبيا» هل يحدث لدى الطلبة تناقض فى الرؤى، عندما تتم المقارنة بين الواقع العربى بكل تراجعاته، وبين ما يدرسونه فى الأدب الحديث، ماذا يحدث لهم بالضبط؟
- حينما تُرجمت لأول مرة قصتان مهمتان جدًا للكاتب الكبير يحيى حقى وهما «قنديل أم هاشم» و«البوسطجى» إلى اللغة الفرنسية أصر على أن يكتب مقدمة هذه القصص ناقد مصرى، واشترط على الناشر أن أكتب أنا هذه المقدمة، اكتشفت أهمية هذا أكثر بعد ما عملت فى أوروبا، وبعد أن اكتشفت أننا كنقاد عرب وأساتذة يعملون فى الخارج نستطيع أن نقدم أدبنا بطريقة لا يستطيع أن يقرأه بها المستشرق، وبالتالى حصل نوع من تجاوز هذه الرؤية الاستشراقية التى يقرأ بها المستشرق الأجنبى.. هناك إذن عملية تحول فى رؤية العالم أو الطالب الغربى لثقافتنا أو لأدبنا، بدأت منذ الثمانينيات، وبدأت منذ ظهور جيل من الأكاديميين العرب والمصريين الذين يعملون فى الخارج والذين أسهموا فى صياغة مجموعة من التلامذة أيضًا فى شكل مختلف بين جيل ما يمكن تسميته بجيل «ما بعد الاستشراق» رؤية ومنهجًا وتصورًا للآخر. أنا شخصيًا طوال عملى بجامعة لندن، وحتى قبلها بجامعتى ستوكهولم وأوبسالا، خرجت أكثر من ثلاثين طالبًا حاصلين على الدكتوراه تحت إشرافى، هؤلاء نقلت لهم تصورًا مغايرًا لنا ولثقافتنا، وسيعلمونه لطلابهم، وألتقى الكثيرين منهم فى المؤتمرات الدورية لرابطة أساتذة الأدب العربى الحديث فى أوروبا، كى يتواصل الحوار ويتعمق الإنجاز. وهكذا يحدث التراكم المعرفى الذى سيغير مع الزمن النظرة والرؤية. ولا تنسى أننا نحاول اقتلاع رؤى ترسخت عبر قرون.

■ وهل هذا ينطبق على الإعلام الأوروبى والأمريكى معًا؟
- أنا أتكلم عن أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يجب هنا التفريق بين الاثنين، فأوروبا غير الولايات المتحدة، هناك فرق كبير بين الاثنين. كما أن أوروبا ليست كلًا متجانسًا، ولكن بها تنويعات تختلف فيها فرنسا عن بريطانيا، وبريطانيا عن ألمانيا، والثلاثة عن إسبانيا وإيطاليا وهكذا. ولنبدأ بالعتبة الأولى: «الاسم»، فى أمريكا وبريطانيا يحرصون على استخدام مصطلح الشرق الأوسط، وإذا سألتهم أوسط بالنسبة لماذا؟ لقد كنتم تسمونه من قبل الشرق الأدنى، لا أحد يقدم إجابة مقنعة. لأن المضمر فى التسمية هو الرغبة فى جعل الكيان الصهيونى جزءًا من هذه المنطقة، وحاضرًا فى كل تصور سياسى، أو ثقافى، أو حتى اقتصادى عنها. أما فى فرنسا فإن اسم العالم العربى والإسلامى هو الغالب، وفى إسبانيا العربية وحدها Arabismo هى الصفة التى تطلق على المنطقة وعلى المتخصصين فيها. وحتى داخل العالم الناطق بالإنجليزية، وبرغم حرص كل من بريطانيا وأمريكا على استخدام مصطلح الشرق الأوسط وترويجه، فإن هناك خلافات جوهرية بين الاثنين. ففى بريطانيا تجد فى السياسة والإعلام على السواء بعض الأصوات المناصرة للعرب، وبالقطع تجد ذلك فى العالم الأكاديمى الذى أصبح أكثر توازنًا مما كان عليه من قبل. وقد تجد فى البرامج الإعلامية بعض- وأشدد على عملية التبعيض هنا لأن كثيرًا من هذا البعض لذر الرماد فى العيون- من يعبرون عن وجهة النظر العربية.
أما فى أمريكا وأنا عملت فى أكثر من جامعة أمريكية فإنك لن تجد هذا فى العالم الأكاديمى إلا نادرًا، ومن نوع الاستثناءات التى تؤكد القاعدة ولا تنفيها، ولن تجده بالقطع فى الإعلام أبدًا. حيث نجد أن الدراسات الجامعية عن هذه المنطقة يسيطر عليها الصهاينة، تحت إدارة عرابهم الكبير برنارد لويس، ويسيطر عليها كل من يتبنى التصور الصهيونى للمنطقة، وأمريكا بالدرجة الأولى لديها أكبر عدد من المؤسسات ومراكز الأبحاث العلمية المتخصصة فى دراسات الشرق الأوسط، معظم هذه المؤسسات إن لم تكن كلها يسيطر عليه الصهاينة، وكانت هناك حملة عداء طويلة ضد إدوارد سعيد بسبب أنه فضح هذه السيطرة وبدأ يطرح أفكاره المناهضة لها وللاستشراق عموما. وربما تعرف أن كثيرين من الصهاينة العاملين على صياغة العقل الأمريكى تجاه أمور منطقتنا احتفلوا حينما مات إدوارد سعيد. لذلك من الضرورى مواجهة هذا كله وفى عقر تلك الثقافة ومن خلال الكتابة بلغتها، اللغة الإنجليزية.
وإدوارد سعيد كان ابن هذه اللغة، وهذه الثقافة من المرحلة الثانوية إلى الجامعة، وهو لم يكتفِ بالكتب فقط، كان هو نفسه مؤسسة متحركة، له دور ثقافى بالغ الأهمية، فقد كتب كتابين مهمين جدًا، هذا الكتاب وكتاب آخر اسمه «الثقافة والإمبريالية»، وقد بدأت رؤيته ونظريته حول الثقافة والاستعمار فى تخليق منهجين أساسيين: أولهما هو منهج دراسات ما بعد الاستعمار ودراسات التابع، والثانى هو منهج النقد الثقافى، لكن هذا التحول لم يحقق غايته بعد فى تغيير تصور الإنسان الغربى العادى عن الآخر، لأن الطريق طويل والتغيير بطىء، خاصة حينما يكون أعداء التغيير هم القابضون على مقاليد القوة ومفاتيح السيطرة إعلاميًا وفكريًا وسياسيًا. خصوصًا لسببين، الأول هو نشاط هذا اللوبى الصهيونى فى أمريكا وفى المؤسسات الأكاديمية منها بشكل خاص، والآن تتكون جماعات ضغط فاعلة ومنظمة وممولة من الصهاينة دولة وأفرادًا تسمى جماعات مراقبة المؤسسات الأكاديمية Campus Watch، تراقب كل الأساتذة الذين يطرحون خطابًا مماثلًا لخطاب إدوارد سعيد أو خطابًا منصفصا للعرب، وتشن حملات عليهم لمنعهم من التثبيت فى وظائفهم وفصلهم من الجامعات التى يعملون فيها.

■ كيف قاومتم الخطاب الثقافى المُعادى للعرب مع العمل على تغيير وجهات النظر المُعادية لدى الطلاب المضللين؟
- الاثنان لا ينفصلان، فكل أدب له محمولاته الأيديولوجية وتصوراته الإنسانية المضمرة فى كل تفاصيله الصغيرة منها والكبيرة، كما أن المناهج التى تقدم بها هذا الأدب لها هى الأخرى أيديولوجيتها. ولا يمكن أن تدرّس نصًا بشكل جيد إذا لم تمهد لعملية تلقيه وسياقات كتابته بشكل صحيح. سأضرب لك مثالًا عن كيف وصل التضليل الصهيونى دركًا أسفل فى تأويله للأدب العربى.
هناك أكاديمى صهيونى يعتبر نفسه من الحمائم فى دولة الاستيطان الصهيونى فى فلسطين، كتب كتابًا بالإنجليزية عن نجيب محفوظ وتناول فيه الثلاثية وبنى تفسيره لها عن أن أهم ما بها هو مأساة عائشة الأخت الجميلة الصغرى لكمال عبدالجواد. وأن مأساة عائشة سببها الحقيقى أن عينيها زرقاوان، لأن مصر تكره حقًا كل أصحاب العيون الزرق، وتكره كل ما هو جميل. وأنه لا يمكن فهم الثقافة المصرية دون الوعى بحقد أصحاب العيون السود على أصحاب العيون الزرق: أى حقد العرب على الغربيين لجمالهم. كلنا قرأ الثلاثية، ولم يخطر ببال أحد أن زرقة عيون عائشة هى سر مأساتها. ولكنه التضليل الذى ينظر لعنصريته ويلوى الحقائق. وأنت حينما تكشف للطلاب عن سفه هذا التأويل، وعن أنه لا سند فى النص له، فأنت تزعزع الأساس الفكرى العنصرى الذى بنى عليه الاستشراق رؤيته.







