العيون السود.. المهر الذى دفعه بليغ حمدى للزواج من وردة
عاش بليغ حمدى سنوات البعاد التسع عن وردة، بعد زواجها ورحيلها واعتزالها، فى حالة من الضياع العاطفى والتشتت الوجدانى، صحيح أنه وجد من يملأ فراغها كمطربة، وحقق نجاحات مدوّية مع أصوات بحجم وقيمة أم كلثوم وشادية ونجاة، وحتى مع أصوات شعبية بموهبة صباح وشريفة فاضل، إلا أنه لم يجد من تملأ فراغها كحبيبة.
حاول بليغ أن ينساها ويتجاوزها، فقرر الزواج الرسمى «وهو قرار لو تعلمون خطير مع شخصية منطلقة لا تطيق القيود مثله»، علّه يجد الاستقرار العاطفى المنشود ومن تملأ الفراغ المفقود، وظن أنه وجد ضالته فى «آمال طحيمر»- أو أمنية- كما كانوا ينادونها، الفتاة السكندرية الأصل رومانسية الملامح فاتنة العيون التى كان صديقه أنور منسى، عازف الكمان، سببًا فى تعرّفه عليها مثلما كان سببًا من قبل فى تعرفه على وردة.

كان أنور يرتبط بصداقة أسرية مع عائلة آمال السكندرية، ولما جاءت لتقيم مع خالتها بالقاهرة كانت تتردد على أنور ليساعدها فى دخول الوسط الفنى المغرمة به، وكانت سعادتها غامرة عندما اكتشفت أن نجمتها المفضلة سعاد حسنى جارة لأنور فى عمارته بشارع يحيى إبراهيم بحى الزمالك، ووصل مؤشر السعادة إلى منتهاه عندما وافق المخرج فطين عبدالوهاب على أن يمنحها دورًا صغيرًا بترشيح من الكابتن عادل هيكل، نجم نادى الأهلى وحارس مرماه وصديق أسرتها، الذى رشحه فطين هو الآخر ليظهر بشخصيته الحقيقية فى فيلمه الجديد «إشاعة حب» مع فتى الشاشة الجديد الوسيم عمر الشريف.
وتعلق بليغ بالفتاة السكندرية الجميلة، خاصة بعد أن توطدت علاقتهما فى إجازة الصيف على شواطئ المعمورة، وخاف أن تقع فى غرام ساحر النساء عمر الشريف فسارع للزواج منها، وبعد ليلة طويلة من البروفات على خشبة مسرح الأزبكية فى أوبريت «مهر العروسة»- الذى كتبه صديقه الشاعر عبدالرحمن الخميسى ويتولى تلحينه- قرر أن يصحب الخميسى ليوقظ أمنية من نومها فى الفجر ويأخذها إلى المأذون ليعقد قرانه عليها ويعيدها إلى بيتها.. ثم يعود إلى بيته لينام!.
حدث ذلك فى صيف العام ١٩٦٣، أى فى العام نفسه الذى صُدم فيه بزواج وردة، ولكن لم يستمر زواج بليغ أكثر من عام، شعر خلاله بأنه تورط فى تلك الزيجة ولم تحقق له الاستقرار الأسرى ولا الإشباع العاطفى فقرر الانفصال.. أو قل الهروب!
ثم تحولت حياته إلى سلسلة من النزوات العاطفية، حاول فيها أن يملأ هذا الفراغ العاطفى وأن يجد من تعوّضه عن وردة، وفى رحلة النسيان خاض العديد من قصص الحب أو ما تصور أنه الحب.. ومن الصعب أن نحصر عدد مغامرات بليغ العاطفية فى تلك السنوات، لكنها فى مجملها عبارة عن قصص فاشلة ومشروعات زواج غير مكتملة، لعل أبرزها ما كان طرفها «إش إش»، ابنة الموسيقار محمد عبدالوهاب، والمطربة اللبنانية صباح، والأديبة السورية غادة السمان، كان بليغ يبدأ المغامرة ثم يكتشف عندما يقترب من حافة الزواج أنه على وشك أن يصنع ضحية جديدة وزيجة فاشلة وتجربة مؤلمة مثلما كان الحال مع «أمنية»، فيهرب فى اللحظة الأخيرة.
وهربًا من نفسه وفراغه العاطفى قرر أن يفنى نفسه فى المزيكا، يعمل بنهم ويُخرج فيها طاقته وحيرته، يصوغ أشواقه وأشجانه فى ألحانه، ويعيش فى تلك الحالة من الفوضى الخلاقة، ويمنح كل وقته للمزيكا وعشق الحياة.
وكان صديقه الكاتب اللبنانى جورج إبراهيم الخورى صادقًا ومعبّرًا وبليغًا فى وصف تلك الحالة البليغية عندما كتب إليه حينها:
«عزيزى بليغ.. قالوا لى إنك تنتحر فى القاهرة.. قالوا لى إنك تسهر حتى تنام على كرسيك، وتشرب حتى تنطفئ من الشرب، وتعمل حتى يقع العود من يدك.. وقالوا لى أيضًا وأيضًا إنك تعيش ليومك وكأنك ترحل غدًا، وإن هذه العيشة تشكل خطرًا عليك يشبه خطر الانتحار أو هى الانتحار بعينه.. وقالوا هذا وهم لا يدركون السبب، أما أنا فأدركه تمامًا، فقد قلت لى ذات يوم إن إحساسًا غريبًا ينتابك بأنك ستموت- لا سمح الله- فى سن الأربعين لأن والدك رحمه الله مات فى هذا العمر، وإنك قبل الرحيل المزعوم تريد أن تملأ الدنيا ألحانًا وموسيقى وحياة.. لكن هل هذا منطق يا بليغ؟!.. وهل يتجاوز الإنسان إرادة ربه فيستبق حكمه ومشيئته.. إن الإيمان، كل الإيمان، هو أن ترعى شبابك بأظفار يدك لأن الشرق كله بحاجة إلى عبقريتك الفذة».
إلى هذا الحد وصلت الأحوال ببليغ عندما وصلته دعوة وردة ليسافر إلى الجزائر ليتولى تلحين الأغنية التى ستعود بها للغناء وتشارك فى الاحتفال الوطنى الكبير بعيد استقلال بلادها العاشر.. وأحس لحظتها بأنها ليست مجرد دعوة للتلحين بل دعوة من القدر لانتشاله من حالة الضياع العاطفى التى يحياها، ولذلك سارع لقبولها بلا تردد، خاصة بعد أن علم أن ترشيحه للمهمة جاء من وردة نفسها، وهى رسالة وإشارة لم تفت عليه مغزاها.
أما كيف وقع الاختيار على بليغ بالذات ليلحن أغنية العودة لوردة، فإن الإجابة يمكننا أن نسمعها من وردة مباشرة:
«نشرت إحدى المجلات وقتها أن زوجى اشترط أن يلحن لى السنباطى ألحان العودة، وأن خلافًا وقع بيننا، لأنه فوجئ ببليغ حمدى فى الجزائر.. وحقيقة الأمر أن اسم السنباطى أستاذنا ورد بالفعل، ولكننى سمعت من يقول إن السنباطى لا ينتقل إلى أحد.. فهل ينتقل الهرم؟، وأنه يفضل أن يبقى فى برجه العاجى ونذهب نحن إليه (كان الاعتذار مهذبًا من السنباطى بداعى المرض)، وكان الأمر يتطلب ملحنًا يمكن أن يجىء إلى الجزائر فورًا، ولهذا طلبت أن يجىء بليغ».
إن وردة تعترف إذن بأنها هى التى اختارت بليغ!
إنها إذن لحظة تلاقى الحنين؛ حنين وردة إلى عشقها للغناء وحياة الفن والأضواء، ولأيامها الخوالى فى القاهرة ولحبها القديم.. إن شيئًا ما بداخلها كان يدلها ويقرر مصيرها ويحسم قرارها بالعودة، حتى ولو كان الثمن باهظًا ومُكلفًا تفقد فيه حياتها العائلية المستقرة.
يقابله ويوازيه حنين بليغ إلى حبه الكبير الذى افتقده وتاه من بعده ولم يجد له علاجًا ولا بديلًا وظل يتخبط عاطفيًا لسنوات طالت بلا طائل.
تعددت لقاءات وردة وبليغ فى الجزائر أثناء الاحتفال وبعده، وتجدد العشق فى قلب بليغ وتضاعف، وتأكد له من موقف بسيط ولكنه كان دالًا وفارقًا.

حكت له وردة عن متابعتها السرية الدءوب لأحوال الغناء فى مصر فى سنوات اعتزالها، وكيف كانت تترك محلات الأزياء الأنيقة فى باريس وتتوجه إلى محلات بيع الأسطوانات لاقتناء أحدث ما وصلها من أغانى المطربين المصريين، وكيف كانت تشدد على صديقاتها الذاهبات إلى باريس- إذا لم يتيسر لها السفر- ليعُدن إليها بالأسطوانات الجديدة، فضلًا عن متابعة يومية لما يذاع فى الإذاعة والتليفزيون الجزائرى، ومن ثم فإنها تعرف كل أخبار الوسط الغنائى فى مصر ومستجداته، وآخرها الصوت الجديد الذى اكتشفه بليغ وقدمه وتبناه، ولما سألها بليغ عن رأيها فى صوت عفاف راضى، لم تكن إجابتها بالحماس الذى توقعه، مجرد جملة حمّالة أوجه: صوت كويس بإذن الله يكون له مستقبل!.
و«بلع» بليغ رأيها فى عفاف راضى، وهو الذى لم يبلعه قبلها بأسابيع قليلة لموسيقار فى حجم رياض السنباطى، لما سألوه عن رأيه فى اكتشاف بليغ الجديد قال بلا تحفظ: من حقه أن يتعصب لمن تبناها وأراد أن يفرض لها مقامًا بين السابقين واللاحقين.. إننى عندما كنت أستاذًا لها فى الكونسرفتوار تقدمت لتلتحق بقسم الأصوات الشرقية ودعوتها إلى حفظ «سلو كئوس الطلا» فقالتها «سلو كئوس التلا»، بالتاء لا بالطاء، ولما أمضيت زمنًا أحاول أن أردها من دنيا «التلا» إلى دنيا «الطلا» وفشلت كتبت تقريرًا أنها لا تصلح للقسم الشرقى.
كان بليغ مستعدًا لأن يبلع رأى السنباطى فيه شخصيًا ويتجاوز عما قاله فى حقه وحق موهبته: «بليغ برعم يمكن أن يكون له مستقبل لو غيّر طريقته فى التلحين»، ولكنه لم يكن على استعداد لأن يقبل التقليل أو الاستهانة بحق عفاف راضى وموهبتها ونجاحها وأصالة صوتها، فاندفع فى نوبة غضب عارمة يهاجم السنباطى بعنف ويتهم ألحانه بالتكرار والتحنيط والجمود وعدم التطور والتجديد، وبأنه ليس مدرسة فى الموسيقى إذا قِيس بسيد درويش والقصبجى وعبدالوهاب وفريد الأطرش..!
إن بليغ سمع من وردة رأيًا فى اكتشافه الجديد لا يختلف فى جوهره عن رأى السنباطى، ولكنه لم يعلّق ولم ينفجر ولم يرد، لم يكن مستعدًا لأن يخسرها بعد أن حُرم منها تسع سنوات مريرة، فبلع رأيها على طريقة المثل الشعبى المصرى «حبيبك يبلع لك الزلط».. كان رد الفعل إذن علامة ودليلًا خفيًا على ما يحمله لها فى قلبه.
لكنه لم يكتفِ بالأدلة الخفية، إذ قرر أن يبرهن عن حبه بدليل عملى علنى، سرعان ما أدخله فى أزمة عاصفة مع نجاة الصغيرة وصلت إلى أروقة المحاكم وكادت تودى به إلى السجن!
حتى تلك اللحظة التى يجلس فيها إلى وردة فى الجزائر، كانت نجاة بالنسبة لبليغ تجربة خاصة ومتميزة فى مسيرته كملحن، حققا معًا نجاحات مدوية منذ أن تعانق صوتها مع نغماته فى «مش هاين أودعك» عام ١٩٥٨، ثم جاءت سنوات الستينيات لتشهد ذروة التألق بين الصوت الهامس والنغم الشجى، ومعهما رددت القلوب أغنيات بروعة: «ساكن قصادى» و«حبك حياتى» ١٩٦١، «كل شىء راح وانقضى» و«يا حبيبى» ١٩٦٢، «راجع بتسأل» ١٩٦٣، «مسير الشمس»، «صوت السواقى»، «هتسافر» ١٩٦٤، «قمر بلدنا» ١٩٦٦، «أنا بستناك»، «حبك حياتى» ١٩٦٧، «الطير المسافر»، «الغربة»، «قصتنا» ١٩٦٩، «ليلة م الليالى فاتونا»، «فى وسط الطريق» ١٩٧٠، «سكة العاشقين» ١٩٧١، «يا خسارة نسى» ١٩٧٢.
وقبل سفره إلى الجزائر كان قد قطع شوطًا كبيرًا فى تلحين أغنيتهما الجديدة «العيون السود»، ولما سألته وردة عن ألحانه الجديدة فإنه بتلقائية أمسك عوده وأسمعها مذهب الغنوة:
وعملت إيه فينا السنين عملت إيه
فرقتنا لا غيرتنا لا ولا دوبت فينا الحنين
السنين
لا الزمان ولا المكان قدروا يخلو حبنا
ده يبقى كان يبقى كان الزمان
وبحبك والله بحبك والله والله والله بحبك
قد العيون السود أحبك
وانت عارف ما انت عارف قد إيه كتيرة وجميلة
العيون السود فى بلدنا يا حبيبى
أحبك والله بحبك والله والله والله بحبك
قد أغانى الصبر بحبك
وانت عارف قلنا إيه فيها كل ليلة
وقال معانا الناى فى سهرنا يا حبيبى
أحبك والله بحبك والله والله والله بحبك
قد اللى فات من عمرى بحبك
قد اللى جاى من عمرى بحبك
وشوف قد إيه شوف قد إيه بحبك.
وجذب وردة اللحن واستعادته من بليغ وعلى عوده وبإحساسه، ولم تستطع أن تكتم إعجابها به فباحت وتمنت أن يكون هو اللحن الذى تعود به إلى جمهورها فى مصر إذا قدر لها أن تعود، وبلا تفكير قرر بليغ أن تكون «العيون السود» من نصيبها.
وإذا كانت «العيون السود» هى شرطها و«مهرها» للعودة فليقدمه لها فورًا وبلا حسابات، ولم يشغله لحظتها أنه وقّع على تنازل لنجاة لتغنى الأغنية بعد أن تعثر مشروع فيلمها المنتظر «صوت الحب» الذى كانت قد اتفقت على بطولته مع المنتج عدلى المولد والمخرج حلمى رفلة، واختارت أن تغنى لبليغ ضمن أحداث الفيلم أغنيتى: «سكة العاشقين»، و«يا خسارة نسى».. بجانب قصيدة «إلى حبيبى» من ألحان عبدالوهاب، فلما فشلت فى إقناع المنتج والمخرج بأن يكون بطل الفيلم أمامها هو الوجه الجديد محمود ياسين بدلًا من حسن يوسف الذى صمما عليه استثمارًا للنجاحات السينمائية التى حققها مع نجاة فى فيلمى «شاطئ المرح» و«٧ أيام فى الجنة»، فإنها قررت أن تغنى أغانى الفيلم فى حفلاتها العامة، وبالفعل غنت «سكة العاشقين» و«يا خسارة نسى» فى حفلها بسينما قصر النيل فى ذلك العام «١٩٧٢» وتنتظر اكتمال لحن «العيون السود» لتغنيه فى حفلها المقبل.
نسى بليغ كل ذلك أمام وردة، وفور عودته إلى القاهرة استدعى صديقه الشاعر محمد حمزة ليكمل كوبليهات الأغنية حتى يتم لحنها.
أما وردة فكان عليها أن تتخذ أصعب قرار فى حياتها حينما خيّرها زوجها بين الغناء والأبناء.. فإذا ما اختارت الاستمرار كمطربة سيكون الطلاق، وسيبقى «رياض» و«وداد» فى حضانة الأب.. بعيدًا عن حضنها! .
وحسمت وردة أمرها واتخذت قرارها واختارت الغناء، وكان قلبها ينزف وهى توقّع على إجراءات الانفصال عن زوجها وتودّع حياتها المستقرة وتودّع ابنيها على أمل أن يرق قلب والدهما فيسمح لهما ذات يوم قريب بالانتقال للإقامة معها فى القاهرة.
وقبل أن تطير إلى القاهرة سافرت بصحبة «مسعود»، شقيقها الأقرب إلى قلبها، فى زيارة خاطفة إلى بيروت لتزور قبر أمها التى تمنت أن تكون بجوارها فى هذه المرحلة الصعبة من حياتها.
وأخيرًا، وبعد نحو عشر سنوات من الغياب، وصلت إلى القاهرة.. وكان أول ما فعلته أن زارت قبر والدها ووضعت عليه باقة من الزهور وكأنها تسترضى روحه وتطلب مباركته على قرارها بالعودة إلى الغناء.
والمؤكد أنها شعرت بالرضا وهى ترى «علامات» القبول والبركة:
* امتلأت غرفتها رقم ١٩٠٢ بفندق الشيراتون بمئات من باقات الزهور، بل وزحفت خارج الغرفة وكادت تسد الردهة والدور كله.. إنها مظاهرة حب كانت فى استقبالها تقول لها إن مصر تفتح لها ذراعيها وترحب بها من جديد.
* مقالات ترحب بعودتها لم تتمالك دموعها أمام سطر واحد منها فى شكل رسالة إليها: عزيزتى وردة.. عدتِ إلى القاهرة فأهلًا بك فنانة عربية جزائرية جميلة كالبدر، وأهلًا بك مطربة أصيلة كبيرة وقديرة حسبها الناس ذات يوم وهى تغنى فى الأسطوانة «يا ظالمنى» أنها أم كلثوم.. عُدتِ ويجب أن تكون عودتك هذه المرة «شكل تانى» لأن الأرض الخضراء عطشى إلى صوت كصوتك وشخصية كشخصيتك ولون كلونك، ولأن كل الملحنين الكبار مستعدون للتعاون معك.. المهم أن عودتك إلى القاهرة يجب أن تكون حدثًا تنبثق عنه أحداث.. ونحن فى الانتظار.
* خطاب من حلمى رفلة، الأب الروحى لها ومكتشفها سينمائيًا وصاحب الفضل الكبير فى نجوميتها، يرحب بعودتها ويعرض عليها بطولة فيلم سينمائى جديد.
لكن الاستقبال الأهم كان من بليغ، الذى قرر أن تكون عودتها لساحة الغناء قوية ومدوية، واختار أن تكون البداية من حفل نادى الترسانة الذى ستنقله الإذاعة والتليفزيون على الهواء، لتلتقى الجمهور المصرى بعد غياب بأغنيتين من ألحانه، أولاهما أغنية وطنية تبث من خلالها أشواقها إلى مصر وتعبّر عن حالتها وتجربتها، فكانت «والله يا مصر زمان» التى كتبها محمد حمزة، الذى كان قد انتهى كذلك من بقية كوبليهات «العيون السود»، وتفرغ بليغ لتدريب وردة على اللحنين.
وأنساها الاستقبال الجماهيرى الحافل حالة القلق والتوتر التى عاشتها قبل الحفل، ونجحت «العيون السود» بشكل يفوق الوصف، وأصبحت هى رقم واحد فى طلبات المستمعين ببرامج الإذاعة وسوق الكاسيت، وأفاق بليغ من نشوة النجاح وسكرة الحب على «مُحضر» يطلب منه المثول أمام المحكمة.. وفوجئ بأن نجاة قدمت التنازل الذى كتبه لها عن اللحن إلى القضاء وتتهمه بالنصب وخيانة الأمانة وتطالب بتوقيع أقصى عقوبة عليه: الغرامة والحبس!
وكسبت نجاة القضية فى أولى درجات التقاضى، ووجد بليغ نفسه فى ورطة، أنقذه منها الموسيقار محمد عبدالوهاب، الذى تدخل لتسوية النزاع وتنازل عن لحنه «إلى حبيبى» لتضمه نجاة إلى فيلمها الجديد «جفت الدموع» أمام محمود ياسين مقابل أن تتنازل عن دعواها ضد بليغ.. ولم يكن تدخل عبدالوهاب حبًا فى بليغ بقدر ما هو حرصًا على الفرخة التى تبيض ذهبًا لشركته «صوت الفن».
كان بليغ إذن عند كلمته ووفّى بوعده وقدم اللحن/ المهر لوردة.. ثم طلبها للزواج!







