الأيام الأخيرة.. وداع تراجيدى لمطربة غنت للحياة والحب والبهجة
الانطباع الذى ترسخ فى الأذهان عن وردة هو أنها تتمتع بعافية تُحسد عليها فى الصوت والبدن، فالذين كانوا يشاهدونها فى حفلاتها الغنائية أو فى أفلامها على شاشة السينما لا شك أنهم كانوا يقفون مبهورين ومعجبين بنضارتها وعنفوانها وبخاصة فى سنوات شبابها، بل كانت «رقبتها» يُضرب بها المثل فى الجمال والجاذبية والامتلاء.. لكن من يعرف وردة عن قرب يدرك أن هذا الانطباع خادع وغير حقيقى، بل يشفق عليها من تاريخها مع المرض والألم والمعاناة والأزمات الصحية..

وهو تاريخ بدأ مبكرًا منذ أن كانت طفلة تعيش مع أسرتها فى باريس.. وبتصالح مدهش مع النفس كانت وردة تحكى عن سنوات الحرمان التى عاشتها فى طفولتها، ولا تخفى الظروف التى اضطرت أسرتها لأن تعيش فى «جراج» قبل أن تتحسن أحوال الأب وينتقل بزوجته وأولاده الخمسة إلى بيت أوسع ملحق به مطعم «طم طم».
وتزامن ميلاد وردة مع الحرب العالمية الثانية وظروفها الاقتصادية الطاحنة، وما ترتب عليها من نقص حاد فى حليب الأطفال عانت بسببه وردة من هشاشة فى العظام، وكادت تتعرض لمضاعفات أخطر لولا تلك الحقنة الشهرية التى عوضتها عن نقص الكالسيوم، وأنقذتها من شلل محقق.
وفى سنوات التلمذة والمراهقة، وأمام شغفها بالغناء والموسيقى، ورغبتها العارمة فى التسلل إلى مطعم أبيها لسماع فرقته الموسيقية ومطربيه، فإنها أقدمت مع شقيقها الأوسط «مسعود» على مغامرة للاختباء فى ثلاجة المطعم التى يحفظون فيها الخضروات والفاكهة، وقدرت أنها ستختبئ فيها لدقائق معدودات قبل أن تنسل إلى أحد أركان المطعم بعيدًا عن عيون أبيها، وتجلس بعدها لتستمتع بالموسيقى، ولكنها فوجئت يومها بباب الثلاجة يغلق عليها من الخارج، وحاولت مع شقيقها الخروج وفشلا، وراح مسعود يدق بيديه الصغيرتين على الباب، ولكن صوت الموسيقى الصادح بالخارج منع وصول استغاثاته، وكادت وردة تتجمد من البرد، بل واستسلمت لمصيرها، لولا أن جرى إنقاذها بالصدفة وكتب لها عُمر جديد، ولكنها خرجت من تلك المغامرة بمشكلة فى الرئة ظلت تلازمها لشهور طويلة بعدها إلى أن تعافت، لكنها تركت أثرًا مزمنًا على رئتيها.

وفى سنوات تألقها ونجوميتها عاشت وردة على سجيتها تمارس الحياة بعشق وبساطة وعفوية وانطلاق.. غير عابئة بطبعين فى شخصيتها دفعت ثمنهما فادحًا من صحتها فيما بعد:
الأول نهمها للأكل.. لنسمع منها اعترافها بلسانها:
«أحب الأكل.. وياما الدكاترة حذرونى من هذا الحب القاتل، وطالبونى باتباع نظام غذائى، لكنى أكره الريجيم، وأى حاجة أعملها غصب عندى وليس باقتناع.. يعنى الدكتور يكتب لى قائمة ممنوعات، ومسموح لك كام جرام لحمة وربع رغيف وكام سعر حرارى، طيب أنا أحب هذه الممنوعات بالذات وأموت فى الأكل (اللى بيتخن).. أنا مثلًا أعشق البطاطس والمكرونة ومدمنة حاجة اسمها (أبو فروة).. وأنا كمان شاطرة فى المطبخ، وفى سنوات زواجى الأول بالجزائر كنت أروح السوق أشترى الأكل بنفسى وأطبخه بإيدى.. وفى الفترة دى (كلبظت) من قعدة البيت، ولما رجعت للفن تانى حاولت ألعب رياضة وأنظم الأكل.. وتعلمت من الأستاذ عبدالوهاب إنى أمشى كل يوم نصف ساعة فى البيت، فكنت أقعد رايحة جاية فى الشقة ٣٠ مرة.. لكن فضلت أحب الأكل ولا أمسك نفسى قدام الأكل الحلو، ومعه أنسى الريجيم وتحذيرات الأطباء». الثانى عصبيتها الشديدة.. وهى عادة أوقعتها فى أزمات ومطبات ومعارك، فقد كانت عفويتها وعصبيتها تدفعانها إلى الرد والاشتباك مع كل ما تراه ظلمًا لها وتجاوزًا فى حقها.. وبخاصة النقد غير المنصف لأعمالها.. إلى أن أقنعها عبدالوهاب بأن «تتجاهل» النقد تمامًا وكأنها لم تقرأ ولم تسمع، وأن تطبق نظريته مضمونة النجاح بأنها لو وضعت الصحف المهاجمة لها تحت أقدامها فإنها ستعلو وترتفع.. لكن النظرية رغم نجاحها أصابت وردة بأعراض جانبية خطيرة.. لنسمع منها:
«عملت بنصيحة عبدالوهاب مدة طويلة وتجاهلت من ينتقدنى.. لكن ساعات كانت أعصابى لا تحتمل ما أقرأه من هجوم بلا مبرر وحكايات مختلقة.. فكنت أكتم فى نفسى وأتعب نفسيًا وأصاب بحالة من الاكتئاب وأقفل على روحى.. يعنى لما عملت أغنية +بودعك) لقيت مقالات نقدية عنيفة، وقالوا إنها أغنية (كئيبة).. كان ممكن الناقد يقول إنها مش عجبانى، إنما كئيبة كلمة قاسية قوى، اكتأبت بسببها سنتين وقعدت أعالج نفسى.. وفكرت إنى أروح لدكتور نفسانى أفضفض معه وأخرج شحنة الغضب.. لكن قلت لنفسى: لازم تكونى قوية وتردى بغنوة جديدة، وقتها قابلت صلاح الشرنوبى وبدأت معه مرحلة جديدة من حياتى».
والمؤكد أنه مع تراكم حالة التوتر العصبى المزمنة والضغط النفسى المستمرة كان لها تأثيرها وتداعياتها الصحية..
وفى السجل الصحى لوردة يمكننا أن نرصد الأزمات الأخطر:
بعد زيارتها لليبيا وغنائها للقذافى عام ١٩٧٧ وغضب السادات عليها ومنع أغانيها من الإذاعة.. طال الغضب بليغ حمدى وتسبب فى حرمانه من جائزة الدولة التقديرية فى الفنون وكان على رأس المرشحين للفوز بها.. يحكى الموسيقار هانى مهنى: «كانت وردة فى زيارة عائلية لبيتى عندما داهمها النزيف وظلت فى بيتنا ثلاثة أيام غير قادرة على الحركة، وكنت أعرف أنه نتيجة الضغط العصبى لشعورها بالذنب لأنها حرمت بليغ من جائزة مستحقة».
وبعدها بعامين «١٩٧٩» وقبل طلاقها من بليغ بأسابيع دخلت المستشفى لإجراء عملية استئصال الزائدة، وتعرضت لمضاعفات شديدة دخلت معها العناية المركزة.. وكان إهمال بليغ لها وعدم وقوفه إلى جانبها فى تلك الأزمة الصحية سببًا قويًا من أسباب إصرارها على الطلاق.
وبدأت معاناتها مع الأزمات القلبية فى صيف العام ١٩٩٣، واضطرت للسفر للعلاج فى باريس، وأجبرها الأطباء على الراحة الكاملة لثلاثة أشهر.. وبعد تعافيها وعودتها لممارسة نشاطها داهمتها أزمة جديدة فى نوفمبر ١٩٩٥، وسافرت إلى سويسرا لعمل قسطرة فى القلب.. لكن العملية تعرضت لانتكاسة فسافرت فى العام ١٩٩٦ إلى مستشفى كليفلاند «أشهر مستشفيات القلب فى أمريكا» وخضعت لجراحة خطرة فى القلب اقتربت فيها من الموت.. تحكى وردة عن تلك التجربة القاسية:
«بمجرد أن وصلت كليفلاند فى الليلة نفسها قرر الأطباء إجراء الجراحة فورا لأن الحالة عاجلة، وكنت قد جهزت نفسى على أن هناك ثلاثة أيام على الأقل من التحاليل والأشعات قبل الجراحة، لكنهم دخلونى غرفة العمليات مباشرة، ولأول مرة أخاف من التخدير، فى الظروف العادية كنت أتحمس لحقن التخدير لأنى من عشاق النوم العميق، لكن فى هذه العملية خفت، وطلبت أن يدخل معى مصحف إلى غرفة العمليات لكنهم رفضوا، فقط سمحوا لابنى رياض أن يرافقنى لأننى كنت أمسك يده بقوة، وصحيت بعد أربعة أيام، فى اليوم الرابع فقت من تخريف البنج، ولما استعدت وعيى قال لى البروفيسور (رزافى): ربنا يخلّى لك ابنك.. استحمل كتير فى الأيام اللى فاتت.. فى هذه التجربة القاسية عرفت قيمة الحياة، ومن فرط الألم كنت أنظر إلى السماء وأقول يا رب ارحمنى مش قادرة أستحمل.. كانت نفسى صعبانة علىّ من العذاب والانكسار.. كنت أنظر فى المرآة وأقول فى أسى: بقى هى دى وردة اللى كانوا بيحسدوها على صحتها؟!».
ولأن المصائب لا تأتى فرادى، فلم يكن القلب وحده الذى تمرد عليها وعانت من آلامه وأزماته، فلحق به وأضيف إليه الكبد، التليف نفسه الذى أصيب به بليغ ومات بسببه فى مستشفى «جوستاف روسيه» بباريس عام ١٩٩٣، لكن من حسن حظها أن الطب كان قد قطع شوطًا مهمًا فى العلاج، وأصبحت عملية زراعة الكبد متاحة ونسب نجاحها مرتفعة.. ولأن زراعات الكبد كانت فى بدايتها فإن تكاليفها كانت فلكية، والراجح أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة هو الذى تكفل بنفقات العملية التى أجرتها وردة فى مطلع العام ٢٠٠٢، ووجه بتوفير كل الرعاية لها.. وباعترافها:
«عقب إجرائى الجراحة اتصل بى (بوتفليقة) ومنحنى جواز سفر دبلوماسيًا، وقال لى: إن الجزائر ترحب بعودتى فى أى وقت، وهو موقف إنسانى نبيل سأظل أحمله لهذا الرجل، والقائد الذى سأل عنى أثناء مرضى، وأبلغنى بأن بلدى كله إلى جوارى فى حال احتجت لأى شىء، وهو موقف جعلنى أسيرة لهذه اللفتة الإنسانية الراقية».
ونظرا لخطورة الجراحة ودقتها استجابت وردة لتعليمات الأطباء بالتزام الراحة التامة، وحتى تبتعد عن ضغوط الوسط الفنى وملاحقات الصحافة فإنها حزمت حقائبها وعادت إلى الجزائر ـ ربما تأثرا بموقف بوتفليقة - لتقضى فترة النقاهة الطويلة، والتى راودتها خلالها فكرة الاعتزال.. لكن حبها للفن كان أقوى فعادت بعد فترة إلى القاهرة لتستأنف نشاطها غناء وتمثيلا.. بل وعادت إلى الحفلات الغنائية رغم إرهاقها وبدأتها بحفلة فى مسرح بعلبك بلبنان.
وبجانب الأزمات الصحية المتلاحقة والتى كان آخرها جلطة فى الساق، وجدت وردة نفسها بعد كل هذا المشوار متورطة رغما عنها فى أزمات سياسية لم تسع إليها ولكنها دفعت ثمنها غاليا.. وكان أعنفها أزمتين:
الأولى هى توتر علاقتها بنظام الرئيس مبارك.. لم يكن سرا أن مبارك نفسه كان من المحبين لصوت وردة ويحرص على مشاركتها فى الاحتفالات السنوية بنصر أكتوبر.. إلى أن كان ذلك الحفل الذى تسلطنت فيه من تفاعل الجمهور معها وهى تغنى «بتونس بيك» فتوجهت لمبارك الجالس أمامها وقالت له بعفويتها: ما تصقف معانا يا ريس!.
أما مبارك نفسه فالغالب أنه اعتبرها مداعبة يمكن تجاوزها بل وتجاوزها بالفعل عندما قابل الطلب الغريب بابتسامة وحاول أن يتفاعل مع الغناء بوقار.. لكن المشكلة كانت فى مسئولين نافذين بالنظام اعتبروا ما قالته وردة تجاوزا لا يليق وخروجا على البروتوكول لا يغتفر، فأوعزوا بحملة هجوم ضدها أشاعت أنها لم تكن فى كامل وعيها على المسرح.. ومع تصاعد حدة الهجوم نصحها بعض الأصدقاء المقربين بأن تترك مصر حتى تهدأ الأمور وتمر العاصفة.
وتدخل العقلاء من محبى وردة والعارفين بطبعها العفوى لتلطيف الأجواء ووقف حملة الهجوم وإنقاذها من القرار غير المعلن بحصارها غنائيًا وإعلاميًا.. لكن وردة لم تتعلم من الأزمة وغلبها الطبع، فلما عادت للغناء فى حفلات أكتوبر عام ١٩٩٧ وقبل أن تغنى أغنية «جالك يوم» داعبت مبارك: هنغنى دلوقتى جالك يوم.. ده مش أنت يا ريس.. ده اسم الأغنية!.
وكانت السيدة سوزان مبارك هى أشد الغاضبين، وبسبب هذا الغضب جرى رفض الطلب الذى كانت وردة قد سلمته بنفسها لمبارك وترجوه فيه منح ولديها الجنسية المصرية حتى ترحمهما من إجراءات تجديد الإقامة.
وربما كان هذا الغضب المكتوم سببًا فى تصعيد حدة الهجوم على وردة حينما وقعت الأزمة الثانية فى العام ٢٠٠٩ عندما وجدت نفسها طرفًا فى المعركة الصاخبة التى تلت المباراة الشهيرة بين منتخبى مصر والجزائر فى تصفيات كأس العالم، وتحول استاد أم درمان فى السودان- بعد فوز الجزائر- إلى ساحة مواجهة دامية تسببت فى أزمة سياسية وحملات إعلامية متبادلة شهدت تجاوزات غير مسبوقة فى علاقة الشعبين الشقيقين.
حاولت وردة أن تلتزم الصمت استشعارًا لحرج موقفها، لكن صحيفة جزائرية نجحت فى الحصول منها على تصريحات عن الأزمة جرى تفسيرها- وسط هذا الشحن الهستيرى- على أنها انحياز لفريق بلدها الأم الجزائر، وهو ما اعتبره المتعصبون بعد «الموقعة» بمثابة «خيانة» للبلد الذى احتضنها ومنحها الشهرة والنجومية.
تركت تلك الأزمة مرارة فى حلق وردة، فلم تتخيل أبدًا أن تُطعن فى حبها لمصر، البلد الذى عشقته وغنت له وعاشت فيه أجمل سنوات عمرها، وهو ما عبرت عنه حين قالت:
«كنت بين نارين، حبى لمصر وانتمائى للجزائر، بلادى التى لا أستطيع أن أقف ضدها، وفى النهاية الفوز للأفضل ، لأن هذه هى أخلاقيات الرياضة، والعلاقة بين بلدين عربيين لا يصلح أن تكون مرهونة على نتيجة مباراة كرة قدم، لكنى بعد الأزمة شعرت بآلام شديدة وبأننى غير محبوبة فى مصر، لدرجة أننى فكرت فى العودة للجزائر، لكن بعض أصدقائى الصحفيين دافعوا عنى، رغم أننى طوال حياتى (مش مدلعة) من الصحفيين، لكن هذه المرة كان الوضع مختلفاً.. ومع ذلك ظلت المرارة.. إنه شعور لا يوصف، فكيف يضيع كل هذا الحب الذى عبرت عنه لمصر من خلال أغنياتى، بسبب مباراة كرة قدم.. (يخرب بيت الكورة)، هل هذا يعقل؟! وقد تلقيت وقتها اتصالًا من صديقى الإذاعى وجدى الحكيم حاول فيه تهدئتى، وأكد لى أن الشعب المصرى ما زال يحبنى، وبصراحة رفع معنوياتى، كما أن السفارة عرضت علىّ السفر إلى الجزائر، لكننى رفضت، وقلت لهم: لماذا أسافر هل أجرمت.. هل يعقل أن أهرب بسبب مباراة كرة قدم، لأن مصر بلدى أيضًا، وعشت فيه أجمل أيام حياتى؟ وشعرت وقتها بتضخيم كبير للمشكلة، لكننى اكتشفت أنها حيلة لتغييب الشعب حتى لا نسأل عن الفساد.. وللأمانة لم يحدث لى شىء فى الشارع، وكان الاحترام متبادلًا، لكنى كنت حزينة بسبب «التسخين» الذى قادته وسائل الإعلام، فمنها من وصف الشعب الجزائرى «بلد المليون شهيد» بأنه «همجى»، وبعض المطربين بكوا على الهواء، وأكبر دليل أن ما حدث «كلام فاضى» أن الجزائر بها مصريون ما زالوا يعملون هنا، والجزائريون لم يتركوا مصر».
فى سنواتها الأخيرة عاشت وردة حياة عائلية هادئة، حاولت فيها أن تعوض ولديها عن سنوات انشغالها الطويلة، وكانت أسعد أوقاتها هى تلك التى تقضيها فى ملاعبة ومداعبة حفيدتها «دلال» ابنة ابنتها وداد.. واكتفت باتصالات وزيارات نادرة من أصدقائها المقربين، وربما كان على رأسهم وجدى الحكيم ونبيلة عبيد ويسرا وفيفى عبده وسهير البابلى..
ولم تخف وردة ترحيبها بثورة يناير ٢٠١١ ونهاية نظام مبارك، وهو موقف يمكن تفهم أسبابه، فقد كانت على قناعة أنها تعرضت لظلم وإجحاف، من حصار ومنع لأغانيها وحرمانها من المشاركة فى الحفلات، والأقسى على نفسها حرمان ابنها من الجنسية المصرية عقابًا لها.
ورفضت وردة نصيحة الأصدقاء بمغادرة مصر فى فترة الاضطرابات الأمنية فى بدايات الثورة، وظلت تتابع تطوراتها الدرامية من بيتها بالمنيل، وامتلكت الجرأة أن تعلن عن موقفها بوضوح والذى لخصته فى جملتها العفوية القاسية: كابوس وانزاح!.
لكنها لم تتوقع أبدًا أن يكون البديل «حكمًا إخوانيًا»، وأن تصل الجماعات المتطرفة إلى قصر الرئاسة، كان الأمر صادمًا بالنسبة لها خاصة مع مجاهرة تلك الجماعات بمواقفها المعادية للفن والإبداع التى تصل إلى حد التحريم والتجريم.
سافرت وردة إلى الجزائر لزيارة أسرتها بعد ٤ أشهر من ثورة يناير، ومنها إلى باريس لعمل فحوصات طبية، وعادت لتتابع «كابوس» الحكم الإخوانى..
وفى قلب هذه العاصفة اختارت الرحيل، وودعت الدنيا- بأزمة قلبية مفاجئة- فى ١٧ مايو ٢٠١٢ حين كانت مصر مشغولة بالكابوس الذى جثم على قلبها وكتم أنفاسها، وبدأ متعمدًا يشوه هويتها وشخصيتها ويغير مسار تاريخها..
وفوجئ عشاق وردة فى الليلة نفسها بوصول طائرة خاصة لتنقل جثمانها ليدفن فى مقابر الشهداء بالجزائر «التى تضم رفات رؤساء الجزائر ورموزها ومنهم بو مدين وبن بيلا»، وبالكاد لحق أصدقاؤها صلاة الجنازة عليها فى منتصف الليل قبل إقلاع الطائرة، وقيل إنها تمت على عجل خوفًا من الجماعات السلفية، وثار وقتها لغط شديد عن الأسباب والمبررات، ولجأت وقتها إلى الإذاعى الكبير وجدى الحكيم ليشرح لى ما حدث فى مشهد النهاية المثير لأميرة الطرب.. وأنقل ما قاله لى يومها بنصه:
«دعنى أحكى لك ما حدث، كان من أكبر أمنيات وردة طوال حياتها، وسمعت الكلام منها بنفسى، أن يكتب الله لها أن تموت فى القاهرة وأن تدفن فى الجزائر، واستجابت السماء لأمنيتها.. توفيت وردة فى الساعة السادسة وعشر دقائق مساء، وبمجرد أن علم الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة بالخبر أرسل طائرة حربية لنقل الجثمان، وكان الترتيب أن تقلع الطائرة فى منتصف الليلة نفسها لإتمام مراسم الدفن فى اليوم التالى، وجاء السفير الجزائرى ليشرف بنفسه على ترتيبات نقل الجثمان.. واتصلت أنا برياض ابنها فى الجزائر، وطلبت منه تأجيل موعد إقلاع الطائرة حتى يتسنى للفنانين والمواطنين المصريين وداع وردة والمشاركة فى تشييعها، واتصل رياض بالرئيس الجزائرى الذى وافق بلا تردد على الطلب وقال بمودة: طبعا.. مصر لها فى وردة زى الجزائر بالضبط.. وبسبب ضيق الوقت فتحنا المسجد لإقامة صلاة الجنازة عليها فى الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. فالمسألة لا علاقة لها بالسلفيين ولا بالإخوان.. بل إننى فوجئت بأن عددًا من الذين صلوا عليها معنا كانوا من السلفيين.. وليس صحيحًا أن أيًا من المسئولين الرسميين خاف من المشاركة فى تشييع وردة خوفًا من التيار الإسلامى، المشكلة فقط كانت فى ضيق الوقت.. وأظن أن مصر كلها رسميًا وشعبيًا بكل أطيافها شاركت فى عزاء وردة الذى أقيم بعدها فى مسجد الحامدية الشاذلية وبحضور ابنيها رياض ووداد.. فلقد أحبت وردة مصر كوطن، وأظن أن المحبة متبادلة».
قبل ١٤ عامًا رحلت وردة.. ليتأكد حضورها وتنضم إلى قائمة الأساطير!.







