مثله لايموت.. الله فى سينما داود عبدالسيد (ملف)
- سينما داود عبدالسيد تحترم عقل المشاهد وتطرح عليه أسئلة محرجة وتدفعه لتأمل القيم السائدة
- فهم مشروع داود عبدالسيد السينمائى لا يكتمل من دون التوقف عند أعماله التسجيلية
- الطبقة المتوسطة حاضرة فى أفلام داود عبدالسيد من خلال شخصيات هامشية
- داود عبدالسيد يترك الفرد يصنع مثاله الخاص اعتمادًا على مرجع إنسانى واسع وإيمان داخلى بالحرية
- شاعر حقيقى صعقته هزيمة «عصر الأحلام الكبرى».. وربّما أحرق نصوصه الشعرية على طريقة المراهقين
- استخلص صور كل أبطال أعماله من فيلم «أورفيوس الأسود»! وأعماله المستقلة أكسبته خبرة التعامل مع الناس العاديين
فى العام ١٩٩٩ قدمت السينما المصرية فيلم «أرض الخوف» للمخرج الكبير داود عبدالسيد، ومن زاوية معينة تستطيع أن تتعامل مع الفيلم على أنه محاولة لإعادة قصة نزول آدم من الجنة، البطل هنا هو «يحيى» الذى يخرج من الداخلية «الجنة» لينخرط فى عالم تجارة المخدرات «الأرض».
الهَم الأكبر لدى داود عبدالسيد فى هذا الفيلم هو محاولة الإجابة عن سؤال رغم بساطته إلا أنه معقد جدًا، فهو يشكل أزمة الإنسان فى كل زمان.
السؤال هو: هل خروج الإنسان من الجنة ونزوله إلى الأرض عقاب إلهى على مخالفة أمر صدر من الله مباشرة؟ أم أنه تشريف لأنه يأتى فى إطار المهمة الكبرى التى من أجلها خلق الإنسان وهى عمارة الأرض، كما أخبر الله ملائكته؟
حوادث الفيلم وتقلباتها تقول بوضوح إننا أمام منظومة من الشقاء الكامل، وهو الشقاء الذى يبدأ عندما تنقطع الرسائل التى كان يتلقاها يحيى ممن كلفوه بالمهمة، ويصبح وحيدًا فى الأرض يتصرف كما يرى ويشاء، وقد يكون فى هذا تماثل واضح بين الإنسان والله الذى انقطعت بينهما الرسائل عندما انتهى عصر الأنبياء، ووجد نفسه وجهًا لوجه أمام تحديات عصرية، لم تأتِ عليها الديانات السماوية بذكر.
داود عبدالسيد مشغول طوال الوقت بهذه العلاقة المعقدة بين الله والإنسان، تجده فى كل أفلامه يمر على هذه العلاقة، لا ينساها أبدًا، حتى لو كان المرور عابرًا وغير مؤثر، لكنه لا ينسى أبدًا، وربما يكون هذا جزءًا من تكوينته الحائرة التى تجعله لا ينتج كثيرًا، لكنه عندما يقدم عملًا يكون مكتملًا تمامًا، وراجع فقط: «الكيت كات، مواطن ومخبر وحرامى، رسائل البحر، قدرات غير عادية».
قبل أن أغادر مساحة داود عبدالسيد لا بد أن نتوقف قليلًا عند رائعته «البحث عن سيد مرزوق» إنتاج العام ١٩٩١.
الفيلم يحكى ببساطة قصة يوسف الموظف البسيط البرىء والساذج فى آن واحد، يخرج من بيته فى يوم إجازته، ليجد نفسه فى مواجهة شخصيات غريبة، من بينها سيد مرزوق الملياردير متعدد الوجوه المتناقض الغامض الذى يعشق الليل وجلسات المزاج.
تنقلب حياة يوسف عندما يدخلها سيد مرزوق، ولم يتركه حتى يجد نفسه متورطًا فى جريمة قتل، لا يعرف كيف وصل إليها.
ما الذى يمثله سيد مرزوق هنا؟ هل هو السلطة التى تتدخل فى حياة الناس، فتحيلهم كائنات هشة لا يستطيعون السيطرة على أنفسهم، أم أنها الثروة التى تفسد كل وأى شىء بمجرد ظهورها فى حياة الإنسان، أم هو يد الله التى تتدخل فى حياتنا، تأخذنا من اليمين إلى الشمال، ومن الشمال إلى اليمين؟ ولأننا لا نملك من أمرنا شيئًا؛ نقول إنها إرادة الله التى لا راد لها، وعندما نتمرد قليلًا على هذه الإرادة نقول هى حكمة الله التى لا نستطيع أن نصل إلى مغزاها ولا إلى حقيقتها.
لا يهمنى فى الحقيقة ما إذا كان داود عبدالسيد مؤمنًا أم ملحدًا؟، هل هو يؤمن بوجود الله أم يبحث عنه هائمًا فى أعماله وتأملاته وكتاباته؟، ولأن حيرته طاغية؛ فهو يفتش تحت جلد أبطاله، حتى يستخرج المعنى الذى يريده هو؛ لأنه لا يريد أن يستسلم للمعنى التقليدى الذى يمثله الله فى حياة الناس.
سيظل داود عبدالسيد حائرًا كبيرًا، لا يستطيع أن يصل إلى مرفأ آمن أبدًا، ستظل حيرته معه يتنقل بها من فيلم إلى فيلم، ومن قصة إلى قصة، ومن بطل إلى بطل، ولا أدرى: هل سيصل إلى ما يريده أم يرحل وحيرته معه؟، علم ذلك عند ربى.







