ركيزة أساسية.. كيف تغير دور كاتب خطابات الرئيس الأمريكى على مدار 150 عامًا؟
- لكل رئيس أمريكى بدءًا من جورج واشنطن كاتب خطابات معترف به باستثناء أبراهام لينكولن
كاتب خطابات الرئيس الأمريكى مصطلح ظهر فى اللغة الإنجليزية بين عامى 1825 و1835. وظل هذا الدور غير رسمى، بل وغير مرئى فى كثير من الأحيان، خلال القرن الأول من عمر الاتحاد.

وقد وثق كاتب السيرة رون تشيرنو أن ألكسندر هاميلتون كان كاتب خطابات الجنرال جورج واشنطن. وكان لكل رئيس أمريكى، بدءًا من واشنطن، كاتب خطابات معترفًا به، باستثناء أبراهام لينكولن حتى الآن.

تغير دور كاتب خطابات الرئيس بشكل جذرى على مدار ١٥٠ عامًا، بدءًا من رئاسة أبراهام لينكولن، وصولًا إلى رئاسة باراك أوباما، حتى مع أن أوباما غالبًا ما كان يتبنى خطاب لينكولن.
وعلى مر العصور، لم يكن كاتب خطابات الرئيس يحظى بالتقدير نفسه الذى يحظى به وزراء الحكومة. ومع ذلك، كان هذا الدور ولا يزال بالغ الأهمية لنجاح الرئيس دبلوماسيًا وشعبيًا.
فى كتابى «كاتب خطابات لينكولن، جون هاى والصداقة التى ألهمت البلاغة الأمريكية»، كان طموحى أن أفتح أذهان القراء على احتمال أن الرئيس لينكولن لم يكتب بعضًا من أهم خطاباته، أو أنه لم يكن يملك القدرة الفكرية أو الوقت الكافى لذلك.
قبل انتخابه، وأثناء عمله فى نفس مكاتب المحاماة فى سبرينجفيلد، إلينوى، كان لينكولن معجبًا بمواهب جون هاى الأدبية. ضمه إلى دائرته المقربة فى واشنطن العاصمة، ليقوم نيابة عنه بما عجز هو عن القيام به بنفسه.
على عكس ما هو عليه الحال اليوم، لم تعكس كتابات جون هاى الخطابية صوت لينكولن. بل كشفت دفاتر قصاصاته ومذكراته ومقالاته الصحفية عن ثقته بصوته الخاص، ومساهمته فى خطابات لينكولن ورسائله.
ويستند اكتشاف دور هاى فى رسائل لينكولن وخطاباته الرئيسية إلى السجل المكتوب فى مذكرات هاى ومشاركاته الصحفية المجهولة أو شبه المجهولة.
وقد كانت قراءتى لخطابات هاى وقصائده التى كتبها خلال سنوات دراسته الجامعية فى براون وأثناء عمله مع لينكولن فى سبرينجفيلد قبل رئاسته، هى القراءة التى رسخت أنماط هاى الأدبية والشعرية.
كما تستند هذه القراءة إلى التغيرات الكبيرة التى طرأت على خطابة لينكولن بعد أن بدأ هاى العمل مع الرئيس المنتخب خلال الفترة ١٨٥٩-١٨٦٠.

انغمست فى أرشيف جون هاى- دفاتره، ومذكراته، ومقالاته الصحفية، وكتاباته المنشورة وغير المنشورة فى الشعر والرواية والتاريخ، بالإضافة إلى خطاباته، ودفاتره الجامعية وخطاباته، التى لم يقرأها أحد منذ أن أودعها أبناؤه فى أرشيف المجموعات الخاصة بمكتبة جامعة براون عام ١٩٣٩.
كشفت هذه الوثائق عن صوت هاى الأدبى المميز، متبصرة أنماط قوافيه البليغة، ثم أنماط قوافى خطابات ورسائل الرئيس لينكولن الرئيسية فى السنوات اللاحقة. بدخولى عالم لينكولن من خلال دراسات هاى، اكتسبت منظورًا فريدًا حول إسهام هاى فى نثر لينكولن.
أوضح ستيفن كروبين، كبير كتاب خطابات الرئيس باراك أوباما، أن مهمته ككاتب خطابات للرئيس، على عكس لينكولن وهاى، كانت «نقل صوت المتحدث». بالنسبة لكروبين، «كانت هذه هى الطريقة التى خدم بها رئيسه». كانت مهمته «الاقتراب قدر الإمكان مما يريد الرئيس قوله وكيف سيقوله».
أوضح كروبين أن كتابة الخطابات المعاصرة ليست مجرد «انطباع عن الرئيس»، بل تعكس «طريقة تفكيره وتواصله»، مفسرة «صوته وحجته وروايته». وفى حالة أوباما، الذى خاطب أمة منقسمة، «أبرز الخطاب تجارب الآخرين»، كما يقول كروبين.
كان الرئيس يشرح «هويتنا كأمريكيين». لم يكن هذا بالأمر الهين بالنسبة لمحام دستورى، كما كان أوباما، أن «يحيى ثقتنا بأنفسنا». استخدم أوباما مهاراته فى التواصل لردم الهوة بين الناس وجمع أكثر من ٣٠٠ مليون شخص ممن اختلفوا فى آرائهم.
ويقول كروبين إن مهمة أوباما كانت الاختلاف دون أن يكون منفرًا، وجمع الناس معًا، مرددًا الصوت الذى صنعه.
على النقيض من ذلك، عكست مساهمة هاى فى رسائل لينكولن الرئيسية وخطاباته ورسائله خطابات هاى وشعره.

كتب مايكل بورلينجيم وجون آر. تيرنر إيتلينجر، محررًا كتاب «داخل البيت الأبيض فى عهد لينكولن: مذكرات جون هاى الكاملة عن الحرب الأهلية»: «كانت العلاقة بين لينكولن وهاى شبيهة بالعلاقة بين جورج واشنطن وألكسندر هاميلتون، اللذين كانا بمثابة أب وابن له فى زمن الحرب.
إذ أظهر، كما فعل هاميلتون فى مناصب مماثلة، اللباقة والحكمة التى خدمته كما خدمت هاميلتون فى مجالات أوسع من الخدمة العامة». كان هاميلتون كاتب خطابات الرئيس واشنطن خلال ولايته الثانية.
ربما يكون تيد سورنسن، مستشار الرئيس وكاتب خطابات جون إف. كينيدى، أشهر كاتب خطابات فى العصر الحديث. وقد أكد سورنسن على ضغوط العمل فى المكتب التنفيذى، موضحًا أن الرئيس كينيدى لم يكن لديه الوقت الكافى للتخطيط وكتابة جميع البيانات المطلوبة منه بدقة متناهية.
وأوضح سورنسن فى مذكراته «المستشار» أن الرئيس كينيدى «لم يتظاهر قط.. بأنه يملك الوقت الكافى لكتابة كل كلمة من كل خطاب كان يطلب منه إلقاؤه أسبوعيًا، بل يوميًا فى نهاية المطاف. كثير من المؤرخين مخطئون فى ذلك. لم يكن يملى على المسودات الأولى لأقوم بتنقيحها. لم يكن تعاوننا سرًا، ولم يكن بلا سابقة تاريخية».
أوضح جارى ويلز فى كتابه «لينكولن فى جيتيسبيرج» أن «رغبة لينكولن فى نقاش أدبى صادق» دفعته إلى «التقرب أكثر فأكثر من هاى». وبالتأمل فى عملية إبداعهما، برزت كلمة «الشعر» فى المقام الأول.
وهى مشتقة من الكلمة اليونانية القديمة poiesis، التى تشير إلى فعل الإبداع. فى التقاليد الكلاسيكية التى تعلم فيها هاى، لم يكن الشعر يشير إلى كتابة الأبيات الشعرية، بل كان فعل الإبداع، أى إيجاد شىء لم يكن موجودًا من قبل. وهذا بالضبط ما أنجزه لينكولن وهاى معًا.
بإتقانه أسلوب الرئيس فى الخطابة، استوعب هاى ميل لينكولن نحو التأمل والمثالية والتمسك بالمبادئ. وقد صقل هاى الكلمات التى كتبها لينكولن وتحدث بها، وأثرى بها الشعر والأساطير والبلاغة الكلاسيكية والانطباعات الرومانسية عن الحرب، ممجدًا الواجب الذى تم إنجازه.
أشعل لينكولن شعلة الفكر والرؤية الأخلاقية لرئاسته وهو يكتب ويملى ملاحظاته ومذكراته على سكرتيريه جون هاى وجورج نيكولاى، وقد دون هاى الكثير منها فى يومياته.
انسابت الكلمات من قلمه الذى أتقن الأدب وتقنياته، بدءًا من اليونان القديمة وعصر النهضة الملحمى، وصولًا إلى شعراء القرن الثامن عشر الإنجليز.
أما فن الإقناع اللفظى، الذى ارتقى به هاى إلى مستوى الفن فى العديد من المحافل بجامعة براون، فقد وظفه لينكولن فى خدمة الشعب بصفته كاتب لينكولن الخاص، ليصبح بذلك ركيزة أساسية فى رئاسته.
«كيف أصبح لينكولن، ذو التعليم الرسمى المحدود، رئيسنا الأكثر بلاغة؟» يجيب كتاب «كاتب خطابات لينكولن» على هذا اللغز بلا شك.







