الأحد 26 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

أيام كانت معه.. سهرة مع المرأة التى تتحدث عنها دمشق

كوليت خورى
كوليت خورى

عندما صدرت رواية «أيام كانت معه» للشاعرة كوليت خورى فى دمشق عام 1959، أثارت جدلًا واسعًا فى الأوساط الأدبية والصحفية لجرأتها وشجاعتها، خاصة وأنها كانت ابنة لأحد الدبلوماسيين الكبار فى ذلك الوقت، ونالت الرواية وكاتبتها اهتمامات عديدة، وكانت مصر وسوريا تعيشان عرس الوحدة العربية، وبالتالى نالت قدرًا كبيرًا من الاهتمام الصحفى، فذهب الصحفى مفيد فوزى، والفنان جمال كامل إلى دمشق لإجراء حوار معها، وتم نشره فى مجلة صباح الخير، كذلك أجرت معها الكاتبة فوزية مهران حوارًا سريعًا فى القاهرة، نشرته عام 1959 فى باب عصير الكتب، فى المجلة ذاتها، وأيضًا فعل الشاعر صلاح عبدالصبور، ولأن الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى كان مقيمًا ويعمل مراسلًا لمجلة روز اليوسف، أجرى معها ذلك الحوار المثير ونشرته مجلة روز اليوسف.

الشاعرة كوليت خورى

كنت صريحًا معها عندما سألتنى، وهى توصلنى بسيارتها الصغيرة إلى البيت الذى أنزل فيه خلف دار المعلمات بدمشق فى الثانية والنصف صباحًا..

- ما الذى دفعك لتأخذ منى هذه الاعترافات؟

قلت لها:

- ثلاثة دوافع.. الأول حبى للشعر.. والثانى أنى قرأت لك قصيدة جريئة فأحسست أنك تصلحين لموضوع مثير، والثالث فضول شخصى.

اسمها كوليت خورى..

وهى تقول.. إن أصل اسمها «خولة» وتنشد للدلالة على ذلك بمطلع معلقة طرفة بن العبد:

لخولة أطلال ببرقة ثهمد

تلوح كباقى الوشم فى ظاهر اليد

وكوليت خورى هى حفيدة السياسى المعروف فارس الخورى، وهى أيضًا زوجة رجل إسبانى اسمه زياس يجيد العزف على الجيتار، فهى أيضًا مدام زياس لكنها تكتب اسمها على الكتب.. كوليت سهيل، وسهيل هو اسم أبيها المحامى.

ذهبت إليها بعد أربع مكالمات تليفونية.. وعندما فُتح لى باب شقتها كانت ترد على التليفون وصافحتنى وهى ما زالت تتكلم وعندما انتهت سألتنى: هل ترغب فى كوب من البيرة؟.. ولم أجد لدىّ مانعًا.. كانت تلبس فستانًا ديكولتيه أسود تلونه بقع من ألوان أخرى مرسومة على طريقة التكعيبيين، وكان شعرها قصيرًا غلاميًا.. لكنها أكدت لى أنها عندما تطلق شعرها يصل إلى خصرها.. وقامت لترد من جديد على التليفون.. قال لها شخص ما إنه طلبها لا لأنه يريد أن يتحدث معها هى بالذات، ولكن لأنه يريد فقط أن يتحدث، قالت لى ذلك بعد أن ظلت تتحدث ربع الساعة على الأقل.. وكنت لا أدرى كيف أبدأ الحديث لأن رجلًا جاء يسألها ماذا يصنع غدًا عندما يسافر إلى لبنان؟.. وتركتها تكلمه بينما كنت أنا أتودد لطفلتها وسرعان ما أصبحنا صديقين..

إن طفلتها اسمها.. نار.

وهى تقول إنها اختارت لها هذا الاسم لأنه جميل عندما ينطق بالطريقة الفرنسية. بالمناسبة كانت كل أحاديثها فى التليفون بالفرنسية.. ودعنا الرجل بعد أن كلفته بأن يأتى لها ببعض نسخ من روايتها الجديدة من لبنان حيث تطبع..

كوليت خورى مع مصمم غلاف روايتها “أيام معه" الفنان أميرلاى عام 1958

لقد كتبت هذه الرواية بالعربية وسمتها «أيام معه»، وعندما جاءتنى بصورة الغلاف الذى رسمه لها أحد الرسامين الشبان فى دمشق، وجدته متأثرًا بلون الفستان الديكولتيه الأسود الذى تلبسه كانت أرض الغلاف سوداء وكانت عليها نفس البقع الملونة.

قالت لى.. هذه الرواية هى أول إنتاج أكتبه بالعربية.. وهى قصة فتاة فى السابعة عشرة من عمرها، تقرض الشعر، وتعبد الحرية، وتحب رسامًا..

وفُتح الباب لشاب وسيم يلبس بنطلونًا وقميصًا، وله وجه شاحب.. جلس فى هدوء ولم يتكلم لأنه كان مشغولًا بالتحايل على الزكام.. 

وعرّفتنى عليه.. كان هو رسام الغلاف، وكانت الكلفة مرفوعة بينها وبينه تمامًا، وقال لى الرسام الشاب إنه يرسم بنفس الطريقة التى يرسم بها بيكاسو، ثم ذهب إلى البيك آب يدير بعض الأسطوانات..

ومع نزار قبانى

بدأت فى الحديث عن ديوانها الذى كتبت أشعاره بالفرنسية وسمّته «فان تان» وبالعربية «عشرون عامًا» وطلبت منها أن تترجم لى قصيدة «هربت» وقرأت:

هربت من غرفة تملؤها الألحان 

وفى الهواء وعلى الجدران

تبعثرت أوراق وردة

أوراق تشربت وجدًا

وهذيان لحظة

وأحلام يقظة

وجنون

هربت من حلم سعادة

من عبير شهوة

من نار تحرق الإرادة

ومن لظى عيون

وقلت لها:

■ ما قصة هذه القصيدة؟

قالت:

- إنها قصة تجرى كثيرًا فى بلادنا عند المغامرة تهرب الفتاة الشرقية.. كنت فى سهرة.. شرب، رقص، أضواء خافتة، شخص طريف جدًا.. فى نهاية السهرة دعانى ليوصلنى بسيارته. هربت من باب آخر.

■ لماذا هربت؟

- لأننى شممت رائحة مغامرة.

■ ألا تحبين المغامرات؟

- كنت أعلم أننى لا أريد هذا الشخص.

■ ألم تندمى بعد أن هربت؟

- لم أندم، لا أدرى، لا.. لم أندم.

■ واضح فى القصيدة أنك ندمت.

- المهم أننى لم أذهب.

■ قصيدة ثانية لو سمحت.

- استمع إلى «سيجارتى» علمتنى أن أدخن حتى أكون قادرة على مجالستك ولأننى كنت أحبك 

عشت هذه العادة.

عندما كنت تذهب بعيدًا عنى

ويفارقنى ذلك

كنت أبحث بين أصابعى

عن الرائحة التى أعرف

كنت أريد أن أكون برفقتك

فى اللون الرمادى كنت أجدك

فى الوقت الحاضر

يا للسخرية!

إنى أدخن كى أنساك.

ومددت يدى إلى علبة السجاير وقدمت لها سيجارة وأخذنا ندخن..

■ هل أستطيع أن أتصور أنك حتى الآن تدخنين من أجل النسيان؟

- لقد أدت السيجارة مهمتها، وأصبحت الآن عادة.

■ هل تعلمت التدخين حقًا مع هذا الشخص الذى تتحدثين إليه فى القصيدة؟

- نعم.

■ ما رأيك فى فكرة الحب الأول؟

- ما دام هناك أكثر من رجل واحد وامرأة واحدة، فليس هناك ما يسمونه الحب الأول.

■ كم مرة أحببت؟

- كنت متأكدة أنك سوف تسألنى هذا السؤال.. لكننى لن أجيب.

■ لماذا؟

- لأننى أعد تجاربى فى الحب أسمى من أن تنشر فى الصحف.

■ ولكنك تنشرين أشعارك فى الصحف وأشعارك إذا كانت صادقة تتحدث عن تجاربك الغرامية.

- ومع ذلك لن أقول لك.

■ ستقولين إذا كنت صادقة فى إيمانك بالحرية.

- أحببت مرتين.

واستطردت:

استمع إلى هذه الكلمات فى روايتى «أيام معه». إن البطلة فيها أشياء كثيرة منى.. إنها تقول «أنا لا أريد رجلًا غبيًا يتقدم للزواج بى لمجرد علمه بأن سمعتى ناصعة مثل سمعة الكثيرات من اللواتى أعرف.».

■ كم كان عمرك حين تزوجت؟

- ١٩ سنة، وكذلك كان عمر زوجى.

■ أين زوجك؟

- إنه الآن فى أمريكا.. إنه يدرس فى فرنسا ويقضى الصيف فى أمريكا..

■ هل تسمعين عن مدام كوليت الأديبة الفرنسية؟

- نعم.

■ ما رأيك فى أدبها؟

- هل يمكن أن يكون اسمها كوليت ولا تكون عظيمة؟

■ هل هناك اتفاق بينك وبينها فى غير الاسم؟ أعنى فى وجهة النظر؟

- لا أدرى.

■ ألا تعلمين أن سيمون دى بوفوار اعتمدت على روايات مدام كوليت حيث كتبت مؤلفها الشهير «الجنس الآخر»؟

- أنا شخصيًا لا أذكر لها إلا قصة اسمها «القطة».. رجل ربى قطة وأحبها. تزوج الرجل.. غارت المرأة من القطة، وغارت القطة من المرأة.. ترك الرجل زوجته واحتفظ بالقطة.. حقيقة، إن القطط والنساء تتبادل الغيرة.

ولم أتنبه لوجود قطتها إلا فى تلك اللحظة فسألتها:

■ وهل تغارين أنت من القطة؟

- لا.. إنها هى التى تغار منى.

■ هل لك شعر عربى؟

- قصيدة اسمها «بوح».. 

عيونك يا سيدى صلاة وحلم ندى 

تصب رحيق الحياة على جفنى المجهد 

تبوح بألف رجاء تعطر دنيا الغد 

عيونك قبلة حب، نداء من الأبعد 

عشقت الدنى فى العيون وفى بوحها 

.... الأسود

عيونك نور الطريق طريقى أنا الأوحد

عبدت ضياء السواد ومن قبل لم أسجد

فقضيت حياتى انتظارًا للقياك ياسيدى

وإنى.. أمد يدى فخذ فى يديك يدى.

■ عظيم.. فمن هو سيدك؟

- شخص رأيته مرة.. كنت أحضر سهرة مملة. خمسون شخصًا لا أعرفهم .. وكان هناك رجل ينظر إلىّ، أعجبتنى نظرته. إنه لا يستحق. لقد تحدثت معه بعد ذلك فذهب إعجابى وندمت على كتابة القصيدة.

■ هل تعلمين أن قصيدتك تشبه كثيرًا أشعار نزار قبانى؟

- صحيح.. ربما.

■ من تفضلين من الشعراء؟ 

- المتنبى.. إننى معجبة به جدًا، والشاب الظريف، وعمر أبوريشة، وبشارة الخورى، وسعيد عقل، ونزار قبانى، ونازك الملائكة، وعمر الخيام.. وأنت..

■ ماذا قرأت لى؟

- لا أذكر..

■ إذن لماذا تضعين اسمى مع شعرائك المفضلين؟

- لأننى لا بد أن أذكر شاعرًا من الإقليم الجنوبى..

- أشكرك..

كنت مشغولا بتأملها.. إنها فى الثالثة والعشرين من عمرها، ذات جسد جميل وعينين سحرهما فى الإجهاد الذى يبدو عليهما من كثرة السهر.. 

كانت الساعة قد بلغت الواحدة.. وكان صاحبها الرسام الشاب ما زال يسمع الموسيقى، ويشرب البيرة، وكان ما زال مُصرًا على الصمت.. 

وسألتها:

■ ألم تتأخرى عن موعد نومك؟

- إننى لا أنام؟

■ هل تشربين باستمرار؟

- إننى أصنع كل شىء.. أشرب وأدخن وأرقص.. لكننى لا أحب الرقص.. وأسبح، وألبس الديكولتيه.. ونظرت.. كانت تلبس الديكولتيه فعلا.

■ هل تعرفين أن فيك شبهًا من فرانسواز ساجان.. أقصد فى الملامح؟

وقالت ضاحكة:

- أنا أحلى منها.

■ ماذا يكون شعورك عندما تحسين أن أحدًا يشتهيك؟

- أنزعج.

■ وكيف تعرفين أنه يشتهيك؟

- أعرف من نظراته.

الحوار المثير نشرته مجلة «روز اليوسف»