الأربعاء 06 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الناجى.. صفحات فى حياة نور الشريف

ياسر جلال: وهب حياته للفن.. وكواليس أعماله ورش تمثيل مجانية

حرف

مدرسة فنية خرجت أجيالًا وموهبة نادرة التكرار».. بهذه الكلمات تحدث الفنان الكبير ياسر جلال ووصف أستاذه نور الشريف، على حد تعبيره، حيث قال عنه إنه كان بمثابة المعلم والموجه للأجيال الجديدة ولزملائه داخل العمل الفنى، مشيرًا إلى أن كواليس أعماله كانت تشبه ورش التمثيل المجانية. ياسر جلال أو «نبيل ابن الوزير» كشف فى حواره مع «حرف» عن كواليس وقوفه الأول فى بداية مشواره الفنى أمام الفنان نور الشريف عبر مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى» فى العام 1996، مشيرًا إلى أن الفنان الكبير كان دائم النصح والإرشاد له حتى إنه حذره من شخصية نبيل لما فيها من محاور شريرة قد تؤثر على مسيرته، حتى منحه الثقة والتهنئة بعد نجاحه فى المسلسل. ياسر جلال تحدث أيضًا عن الجوانب الإنسانية فى حياة نور الشريف وكذلك عن طباعه داخل التصوير وكيف كان يقدر الجميع ويمنحهم دروسًا ونصائح تساعدهم على استكمال مسيرتهم الفنية بشكل مميز. عن نور الشريف وكواليس المسلسل الأيقونى «لن أعيش فى جلباب أبى»، يشارك الفنان ياسر جلال «حرف» الاحتفاء بذكرى ميلاد «الحاج عبد الغفور البرعى».

■ فى بدايات مشوارك الفنى وقفت أمام الفنان فى «لن أعيش فى جلباب أبى» وهو دور ترك بصمة فى تاريخ الدراما وتاريخك الفنى.. إذا تحدثنا عن نور الشريف بعد سنوات من رحيله، ماذا تقول عنه؟

- الفنان نور الشريف فنان كبير وعظيم خُلقًا وفنًا وثقافة، وهو باختصار ظاهرة لن تتكرر، حيث وهب حياته وعمره تقريبًا للفن، فكان طوال الوقت يقرأ، وطوال الوقت يذاكر، وأنشأ أرشيفًا لكل عمل قام به، فكان يحتفظ بسيناريوهات المسلسلات؛ وعادةً ما يتخلص معظم الفنانين من السكريبت بمجرد انتهاء العمل، لكن الأستاذ نور الشريف كان يحتفظ بالمسلسل ويكتب ذكرياته مع كل مشهد.

لقد رأيته ذات مرة ونحن نعمل معه وهو يقرأ المشهد من الحلقة، ففى العادة نحن كفنانين نقوم بتفريغ المشاهد الخاصة بنا من الحلقات ونقوم بتدبيسها لحفظها ثم نتخلص منها بعد التصوير، لكن الأستاذ نور كان يمسك بالحلقة كاملة، يقرأ ويحفظ منها، وبعد انتهاء المشهد يقوم بشطبه، ويدون ملاحظاته مثل: ماذا كان يرتدى فى هذا المشهد، وتاريخ وساعة تصويره، وإذا كان هناك «راكور» أو ارتباط بمشهد قادم، كما كان يصف حالته النفسية والمزاجية أثناء التصوير، وإذا وقع موقف طريف فى «اللوكيشن» كان يدونه فى الصفحة البيضاء المقابلة للحوار، يمكن أن نقول إنه كان يؤرخ لعمله، حيث كان يعيش للتمثيل ولأدواره، وكان أستاذًا ومعلمًا يعطى ورشًا ويدرب الناس.

■ دورك فى المسلسل كان محوريًا رغم أنك ما زلت فى البدايات.. هل كان أول لقاء جمعكما؟

- معرفتى بالفنان نور الشريف بدأت حين كان يحضر إلى المعهد العالى للفنون المسرحية لمشاهدة مشاريع التخرج الخاصة بنا، لكن لم يكن بيننا تواصل مباشر حينها، ولأن والدى رحمه الله جلال توفيق كان مخرجًا مسرحيًا ونجم إذاعة، كان يأخذنى معه فى بداياتى، ومن هناك تعرفت على الأستاذ أحمد توفيق، الذى اختارنى للمشاركة فى «لن أعيش فى جلباب أبى»؛ حيث كنت أعمل معه فى الإذاعة، فقال لى: أنت ممثل جيد وشكلك مناسب، لماذا لا تعمل فى التليفزيون؟ فالإذاعة لا يراك فيها أحد، أرسل لى الأستاذ أحمد دور «نبيل» وكنت سعيد الحظ بالوقوف أمام الأستاذ نور الشريف، حيث كان يوجهنى فى أداء الجمل، مثل متى أقطع الجملة، ومتى أقوم بوقفة كاملة أو وقفة معلقة، هذه الأمور درسناها فى المعهد، لكن الأستاذ نور طبقها معى عمليًا؛ كان يطلب منى تجربة سكتة معينة بعد جملة محددة لراحة النَفَس ولتأثير المعنى، كان يوجه الممثل بشكل علمى صحيح، ويعرف كيف يخاطب الممثل باللغة التى يفهمها.

وكان يقول دائمًا إن من علامات شطارة الممثل هى قدرته على استيعاب وتنفيذ ملحوظة المخرج أو الزميل الكبير، والأستاذ نور ساعدنى كثيرًا فى ذلك، والحمد لله المسلسل حقق نجاحًا مدويًا وكان سببًا فى شهرتى الواسعة فى العالم العربى كله.

■ بالتأكيد تلك العلاقة والتجربة جعلتك تقترب بشكل وثيق من الفنان نور الشريف.. ما النصائح التى وجهها لك لتصبح فنانًا ذا مسيرة مميزة؟

- أثناء دورى فى مسلسل لن أعيش فى جلباب أبى قال لى: «أنت ستعانى جدًا من هذا الدور، ولكن عليك أن تتحمل». سألته عن السبب، فقال: «لأن هذا الدور شرير، ولم أكن أتمنى أن تبدأ مشوارك بدور شر، بل بدور يحبه الناس»، وعندما عُرض المسلسل وانزعج الناس من الشخصية، اتصل بى وقال لى: «هذا هو قمة النجاح، قدرتك على تجسيد الشخصية وجعل الناس تنفعل معها هو نجاح باهر، وعليك الآن أن تستمر وتنوع فى أدوارك»، وما زلت حتى اليوم أسير على نصيحته فى اختيار أدوار متنوعة ومختلفة، حيث إن كواليس عمله كانت بمثابة ورش تمثيل مجانية.

■ هل وجوده على رأس مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى» ساهم فى أن يعيش حتى الآن ويتحول لأيقونة يشاهدها الناس فى كل مرة وكأنها المرة الأولى؟

- بالتأكيد، مع اكتمال عناصر العمل الفنى؛ من الكتابة المتميزة للأستاذ مصطفى محرم (عن رواية إحسان عبد القدوس)، إلى الإخراج الكبير للأستاذ أحمد توفيق، بالإضافة لوجود نجم بحجم نور الشريف وأداء تمثيلى قوى من الجميع، لكن كلمة السر الحقيقية هى أن العمل لمس الناس بشكل مباشر؛ فنجاح أى عمل يعتمد على قدرة الناس على رؤية أنفسهم فيه، هذا المسلسل عبر عن مجتمعنا، ومشاكله كانت موجودة فى معظم البيوت، لذا شعر الناس بأنه يخصهم، وكان هناك انضباط واجتهاد رهيب من الجميع، وحتى ديكور وكالة البلح كان عبقريًا وصادقًا جدًا بتفاصيله من السجاد والفرش، مما نقل واقع الوكالة ومعلميها وتجارها بصدق شديد.

■ بالتأكيد فنان بحجم وقيمة نور الشريف فى الوقت الذى كان ينصح ويوجه من الممكن أن ينفعل أحيانًا داخل الكواليس.. ما الذى كان يغضبه؟

- كان يغضبه جدًا أن يمزح أحد أثناء العمل أو التمثيل، أو أن يتأخر أحد عن الموعد، لأنه كان يحضر قبل المخرج نفسه، حيث كان يأتى مبكرًا جدًا قبل المصورين والمهندسين والعمال، فالالتزام بالنسبة له هو ما يفرق بين فنان وآخر، فكيف لبطل العمل أن يأتى مبكرًا ويتأخر باقى المشاركين فى العمل.

■ فى النهاية.. ورغم مرور سنوات عديدة على عرض المسلسل.. هل هناك سر لم يذع عنه تحتفظ به؟

- هناك سر طريف فى تفاصيل شخصية نبيل، وهو أن الشارب الذى ظهرت به فى المسلسل لم يكن حقيقيًا، بل كان شنبًا مركبًا؛ ففى تلك الفترة لم يكن لى شارب، وكان الجميع يقول لى إننى أشبه رشدى أباظة بهذا المظهر الذى نفذه الماكيير الكبير يوسف طه - رحمه الله- بدقة متناهية لدرجة أنه بدا طبيعيًا تمامًا، وبعد المسلسل، نصحنى الفنان القدير رشوان توفيق بأن أربى شاربى فعليًا مع شعرى لأن هذا اللوك يناسبنى، وقد فعلت ذلك لاحقًا.