الناجى.. صفحات فى حياة نور الشريف
محمد رياض: لم أشاهده إلا ومعه كتاب.. والعمل معه فرصة
«مهما حضرت مبكرًا ستجد الأستاذ نور قد سبقك، وهو جاهز تمامًا، يرتدى ملابس الشخصية، ويمسك بالسيناريو يذاكر المشهد».. هكذا وصف الفنان الكبير محمد رياض الحاج عبد الغفور البرعى، قائلًا: التزامه كان يخجلنا ونراقبه فى صمت لنتعلم منه.
رياض الذى قدم الشخصية الأشهر له على مدار تاريخه «عبدالوهاب عبدالغفور البرعي» فى المسلسل الأيقونى لن أعيش جلباب أبى، تحدث عن نور الشريف وكيف كان يحتوى جميع الزملاء والفنانين الشباب المشاركين فى العمل، يوجهم ويعلمهم وينصحهم، حيث اعتبر فرصة العمل معه بمثابة المنحة الذهبية التى يحصل عليها المحظوظون فى الساحة الفنية.
محمد رياض أو عبد الوهاب، شارك «حرف» احتفاءها بذكرى ميلاد الفنان الكبير نور الشريف، متحدثًا عنه من الناحية الفنية والإنسانية.

■ فى البداية حدثنا عن الأعمال التى وقفت فيها أمام الفنان الكبير نور الشريف؟
- كنت من المحظوظين جدًا الذين عملوا فى بداياتهم الفنية مع الأستاذ نور الشريف، لقد تشرفت بالعمل معه فى ثلاثة أعمال درامية كبرى، وهى: مسلسل «عمر بن عبد العزيز» وقدمت فيه دور عبد الملك، وكذلك مسلسل لن أعيش فى جلباب أبى وقدمت فيه دور عبد الوهاب عبد الغفور البرعى، ومسلسل هارون الرشيد وقدمت فيه دور أحمد هارون الرشيد، هذه الأعمال الثلاثة كانت فى بدايات حياتى الفنية، وجاءت تقريبًا بشكل متتالٍ، لذا أحمد الله أننى عملت معه فى هذه الأدوار المهمة.
■ فنيًا ذكرت أنك كنت محظوظًا بالوقوف أمام الفنان نور الشريف.. ما الاستفادة الفنية التى كان يمنحها لمن حوله؟
- الأستاذ نور كان مدرسة فنية متكاملة، كان يساعد كل من يعمل معه بلا استثناء، سواء كانوا ممثلين شبابًا أو حتى مخرجين، خاصة المخرجين الجدد الذين كان يقدمهم من خلال إنتاجه الخاص، لقد كان من أكثر الفنانين الذين رأيتهم مساهمة فى كل العناصر الفنية للعمل، ولم يبخل يومًا بنصيحة، سواء كانت نصيحة فنية تتعلق بالأداء أو نصيحة إنسانية تتعلق بالحياة.

■ هل كان يوجه لك أو للفنانين الشباب رسائل بعينها تساعدهم على العمل والاستمرارية؟
- من خلال تعاملى معه فى أكثر من عمل فنى، هو لم يكن يوجه نصائح مباشرة فجة مثل افعل كذا أو قل كذا، بل كان يجعلك تشعر أنك زميل له فى اللوكيشن، نحن كنا نراقبه ونتعلم منه بالنظر؛ التزامه أجبرنا جميعًا على الحضور مبكرًا، فمهما حضرت مبكرًا ستجد الأستاذ نور قد سبقك، وهو جاهز تمامًا، يرتدى ملابس الشخصية، ويمسك بالسيناريو يذاكر المشهد، كنت أراقبه كيف ينطق الجملة، وكيف يبنى الحالة النفسية للمشهد، والمعنى الذى يريد إيصاله، كان حالة فنية كاملة «ممثل، مخرج، ومنتج» حتى فى الأمور التقنية، كان يساعدنا؛ فأحيانًا ونحن نمثل، كان يلاحظ بذكائه أن زاويتنا أمام الكاميرا ليست مثالية، فكان يضبط لنا الوقفة أو الزاوية دون أن يشعرنا بشىء، ليضمن ظهورنا بأفضل شكل، لقد كان المحترف الأمثل فى مهنة التمثيل.
■ وماذا عن الجانب الإنسانى خاصة وأنك قدمت دورًا لا يُنسى فى مسلسل أيقونى فى تاريخ الدراما من خلال دور عبدالوهاب عبدالغفور البرعى؟
- لقد تعلمت منه الكثير على المستوى الإنسانى بعيدًا عن الفن، الأستاذ نور كان يحتوى كل من يعمل معه، عندما تلجأ إليه لسؤاله عن أمر شخصى أو مشكلة تخصك، كان يعطيك النصيحة من واقع خبرته وتجاربه الحياتية العميقة، كان رجلًا مثقفًا جدًا، ولا تراه فى الكواليس إلا وبيده كتاب يقرأ فيه، علمنا الانضباط والجدية الشديدة فى كل شىء.

■ تحدثت كثيرًا عن إنسانية نور الشريف واحتوائه للزملاء والشباب.. ولكن ما الذى كان يغضبه فى كواليس التصوير؟
- لم يكُن سريع الغضب بل بالعكس كان ودودًا وصبورًا جدًا، ولكنه كان يُحب الجدية فى العمل بشكل صارم خاصة أثناء التصوير، فكان ينفعل أحيانًا إذا شعر بوجود هزار أو مزاح زائد عن الحد أو عدم جدية فى وقت العمل والتصوير، فهو كان شخصية جادة جدًا، يضحك ويمزح معنا فى الأوقات العادية، لكن بمجرد بدء الشغل، لا مكان إلا للجدية والالتزام المطلق، الأستاذ نور من وجهة نظرى رجل احترم فنه، فاحترمه الجمهور وأحبه، وأسعدنا جميعًا وترك أثرًا لن يمحى.
■ ألا تتذكر موقفًا طريفًا أو حكاية حدثت أثناء علاقتك بالفنان الكبير؟
- الحكايات والمواقف فى حياة الأستاذ نور لا تنفصل عن جديته فى المواقف والانضباط والإخلاص فى العمل، ولأوضح لك مدى جديته، سأحكى لك موقفًا؛ فى إحدى الفترات كنا نذهب سويًا للعب البلياردو فى مكان ما كنوع من التسلية، والأستاذ نور، حتى فى اللعب، كان يأخذ الأمر بمنتهى الجدية، فقام بشراء كتب متخصصة عن أصول لعبة البلياردو، وأحضر أشرطة فيديو «فيديوهات» ليتعلم منها، بل واشترى طباشير «أستيكة» بماركة معينة خاصة به، وكان يذهب لأماكن ليتدرب فيها ليكون محترفًا، هو شخصية جادة جدًا فى كل تفاصيل حياته، وهذا ما تعلمناه منه.
■ ختامًا.. هذه الجدية والصرامة هل كانت تجعل فى كواليس العمل حالة من التوتر؟
- على الإطلاق، بل كان يحرص على المزاح معنا، وأتذكر أنه فى ذلك الوقت لم نكن نهتم بتوثيق كل لحظة كما يحدث الآن، ولم تكن الهواتف المحمولة موجودة، ولكن الأستاذ نور كان يعشق التصوير الفوتوغرافى جدًا، وكانت كاميرته لا تفارقه أبدًا، فى إحدى المرات، طلب منى أن أقف ليصورنى بنفسه، وقال لى: «يا محمد، انتبه، هذه الصورة ستكون من أجمل الصور التى التُقطت لك». وبالفعل صورنى صورة رائعة الجمال، ولكن للأسف ضاعت منى مع مرور السنين، وأتمنى لو أجدها يومًا.







