الأحد 02 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

نظرات محمد المهدى..

التدين المشوه.. محاكمة نفسية لضلالات جماعات الإسلام السياسى

حرف

هناك عدة أنواع من التدين من بينها الصراعى والوسواسى والرخو، ونبدأ بالحديث عن التدين الصراعى الذى هو أحد أنماط التدين التى تغرى طائفة من البشر باتباعها؛ لأنها تتوافق مع تركيبتهم النفسية المسكونة بالخوف، والتوجس، وسوء الظن، والرغبة فى التسلط والصراع «لدى القيادات الدينية»، أو الاستسلام والتسليم والرغبة فى التبعية وتقديس الطاعة «لدى الأتباع»، وهنا تتلاقى احتياجات القيادة «الرغبة فى التسلط» مع احتياجات الأتباع «الرغبة فى الطاعة والتسليم والاحتماء بالقائد المقدس».

ولقد ابتلى العالم العربى والإسلامى بأفراد وجماعات تمارس هذا النوع من التدين الصراعى كانت تتوالد ذاتيًا من بعضها البعض؛ منها من يبدو هادئًا معتدلًا فى بعض المراحل ثم يتحول إلى العنف، ومنها من يبدأ عنيفًا منذ البداية، وقد أرهقت تلك الجماعات مجتمعاتها وأدخلتها فى تقسيمات وصراعات وانشقاقات على أسس دينية ومذهبية وطائفية، وفى الحقيقة لم تقتصر مجموعات التدين الصراعى على المسلمين «سنة وشيعة» فقط، ولكنها ظهرت لدى بعض الطوائف المسيحية، كما ظهرت لدى اليهود وبعض الديانات الأخرى، وفيما يلى نحاول فهم هذه الظاهرة وكيف تتكون وتنتشر، وما آثارها على المجتمعات.

ولكى نبسط الموضوع بعض الشىء نستدعى نظرية أن الحياة على الأرض يحكمها قانونان رئيسان: قانون الحب وقانون الصراع.

فقانون الحب نشأ مع العلاقة بين أبينا آدم عليه السلام وأمنا حواء، أما قانون الصراع فنشأ مع العلاقة بين قابيل وهابيل، ومن حسن الحظ أن قانون الحب سبق قانون الصراع، وهو أقوى منه فى الأغلب، ولذلك نجد أن الحياة تستمر وتتطور على الأرض رغم ما يدور بين البشر من صراعات، ولو كان قانون الصراع هو الأقوى لانتهت مظاهر الحياة بفعل الصراعات والحروب بين البشر، وكل شخص يأخذ بقدر من هذين القانونين فتتشكل لدينا ألوان طيف هائلة فى السلوك البشرى، من أناس يفيضون حبًا وحنانًا ورحمةً وإيثارًا وتسامحًا، إلى أناس يفيضون غلظةً وقسوةً وعدوانًا وانتقامًا، وبينهما درجات بينية عديدة، إذن، حين يستقبل شخص «أو مجموعة من الناس» الحقيقة الدينية على دائرة الحب، فإننا نتوقع إدراكًا سمحًا واسع الأفق للدين وللحياة وللبشر يفجر فى نفس صاحبه الحب والرغبة فى العطاء والرحمة للبشر «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ»، أما إذا وقعت الحقيقة الدينية فى دائرة الصراع فى النفس البشرية، فإنها تتشكل فى صورة استعلاء دينى عنصرى وكراهية للآخر واحتقار له، والدخول فى صراع دائم مع كل من يختلف مع فهم الشخص للحقيقة الدينية، ومن هنا يتشكل ما نطلق عليه التدين الصراعى.

ومن سمات التدين الصراعى:

أولًا: يقوم على فكرة الاستعلاء العقدى لدى الشخص «أو الجماعة»، فيرى نفسه أفضل من الآخرين وجديرًا بقيادتهم والتحكم فى توجهاتهم حتى ولو لم يرضوا بذلك، فهم فى رأيه لا يعرفون ما يصلحهم، بمعنى أنهم فى حالة ضلال أو جاهلية.

ثانيًا: يفترض دائمًا أن الآخرين فى حالة رفض وكراهية وتآمر على الدين ومن يمثلونه، أى أن ثمة مؤامرة محلية وكونية دائرة طوال الوقت لاجتثاث الدين ومن آمنوا به، ثالثًا: يستشعر هشاشة الدين وضعفه وقابليته للاجتثاث والمحو، ولهذا يكون دائم القلق والخوف على ضياعه، رابعًا: يستشعر مسئوليته الشخصية عن بقاء الدين على الأرض، وأن زواله يعنى زوال الدين.

خامسًا: يستشعر المسئولية نحو دفع الناس للإيمان بالدين حتى ولو قهرًا، وينسى أن الله تعالى جعل الأمر اختيارًا.

سادسًا: يلجأ للسرية دائمًا ليحتمى من الأعداء الكثيرين المتوقعين أو المتوهمين، ويبرر ذلك بأن الأديان فى أغلبها لجأت للسرية للحفاظ على أتباعها.

سابعًا: يلجأ للتقية ليناور بها الأعداء المنتشرين فى كل مكان حسب إدراكه، فتتشكل حالة ازدواجية فى السلوك، فيخالف ظاهره باطنه، ويحدث بذلك حالة ارتباك وعدم مصداقية لكل من يتعامل معه، ثامنًا: يسىء الظن ويتشكك فى نوايا الآخر ويعتبره عدوًا «ظاهرًا أو كامنًا» للدين يجب الحذر منه طوال الوقت، ويكون أقرب للتركيبة البارانوية التى لا تثق بأحد، تاسعًا: يعيش فى مجموعات مغلقة تتبنى نفس الفكر وتنهج نفس السلوك وتحتمى ببعضها من القهر الخارجى، ويوظف حالات التهديد أو القهر الخارجى ليحافظ به على تماسك المجموعة وتميزها عما يحيط بها من بشر، عاشرًا: ينعزل وتنعزل معه مجموعته عن الفضاء المجتمعى الأوسع، ويفقد القدرة على التواصل المفتوح، حادى عشر: يهتم بامتلاك أدوات القوة والسيطرة والتحكم استعدادًا لمعارك مقبلة ومؤكدة فى وعيه، ثانى عشر: يتورط فى ممارسات عنف من وقت لآخر وربما يستمر طوال الوقت فى سلوك العنف، وقد يعتذر فى بعض المراحل عما اقترفه من العنف ويعلن بعض المراجعات لينال قبولًا مجتمعيًا أو يحقق مصالح فى فترة بعينها، ولكن حتمًا سيعاود سلوك العنف لأنه أمر جوهرى فى تكوينه نابع من فكرة الصراع المقدس، أو الذى يضفى عليه هو القداسة، ثالث عشر: تغيب عنه روحانيات الدين ومعانيه العميقة ويتمسك بالشكليات والمظاهر والنصوص، رابع عشر: لا يتورع عن أى سلوك براجماتى «نفعى» أو انتهازى؛ لأنه يعتبر نفسه فى معركة ولها ضرورات تبيح ما يفرضه الدين من محظورات، خامس عشر: تتغير الموازين الأخلاقية والمعايير السلوكية حسب الظروف والأحوال، فالبوصلة متجهة دائمًا نحو تحقيق أهدافه، سادس عشر: يتميز سلوكه فى فترات الصراع والمواجهات بالعنف اللفظى «السب والشتم والدعاء على المخالفين له فى آرائه وتوجهاته» والبدنى الظاهر، رغم تظاهره فى الأحوال العادية بالطيبة والهدوء والورع، سابع عشر: فى حالة استنفار دائم وجاهزية للاشتباك، ثامن عشر: يبالغ فى استخدام الدفاعات النفسية كالإنكار والتبرير والتهويل والتهوين والإزاحة لكى يرى حقائق العالم كما يريد أن يراها وليس كما هى على أرض الواقع، وهذا يجعله منفصلًا تمامًا عن الأحوال المحيطة به، فتتخبط قراراته وتضطرب خطواته ويصاب بفشل ذريع يقوم بإسقاطه فورًا على قوى الشر التى يراها تحوطه فى كل مكان وتتكون من كل من هو مخالف له، فيقوم بسبهم والدعاء عليهم ويدخل فى حالة عداء تجاههم، وهناك حالات يتم فيها استدعاء التدين الصراعى، حيث ينتج عنها لدى الفرد أو لدى الجماعة ردود أفعال من الوسط المحيط به «سلطة أو شعبًا» تتوجه نحو ذلك المتدين الصراعى بالإيذاء البدنى أو اللفظى أو الاغتيال المعنوى، ويسير هذا الأمر فى الخطوات التالية:

أولًا: استدعاء الكراهية: حين يكتشف الناس حقيقته أو يتوجسون من خطره أو يقلقون من غموضه وسريته أو يعانون من سلوكه الانتهازى الذى يستغل الدين لتحقيق مصالح خاصة، ثانيًا: استدعاء المحنة: بأن يؤدى السلوك الشخصى أو الجماعى لإيقاع الأذى والمطاردة والمحاصرة والسجن والاعتقال وربما القتل لأصحاب التدين الصراعى، وهم يستلذون المحن أحيانًا فى حالة من الماسوشية، ويبررونها على أنهم أبرار وأطهار فى مواجهة كفار أو ضالين أو ظالمين، ثالثًا: استدعاء المظلومية والاضطهاد: حيث تتكرر المحن والمصائب نتيجة تكرار سلوكيات التدين الصراعى، فتتشكل منظومة من مشاعر الظلم والاضطهاد لدى الشخص أو المجموعة المضطهدين، كما تتشكل علاقة سلبية بينهم وبين سائر المجتمع المحيط بهم والمتوجس منهم خيفة والمعادى لهم، رابعًا: استدعاء الوصم: بمعنى أن تتشكل صورة ذهنية منفرة، ويحمل الشخص أو المجموعة وصمة تجعله محل ازدراء وكراهية من المجتمع. وقد تلعب وسائل الإعلام بنفسها أو مدفوعة من السلطة دورًا فى شيطنة وتشويه أصحاب التدين الصراعى كراهية لهم ونكاية فيهم، خامسًا: استدعاء العنصرية: حيث يتعامل الناس «أو الأنظمة المستبدة» مع أصحاب التدين الصراعى بشكل عنصرى، فيمارسون ضدهم التمييز العنصرى فيمنعونهم من الوظائف الهامة ويطاردونهم ويلاحقونهم طوال الوقت ويلحقون بهم الأذى الذى ربما يصل إلى القتل، سادسًا: استدعاء الإقصاء والنبذ وربما الإجهاز والمحو، وهناك تجليات للتدين الصراعى فى المجال السياسى.

فقد دخلت أغلب مجموعات وجماعات التدين الصراعى فى المجال السياسى باسم الدين، ومن هنا تشكل ما سُمى بتيار الإسلام السياسى الذى استقطب أعدادًا كبيرة من الشباب يتوقون بنية طيبة إلى تحقيق مشروع حضارى إسلامى، وإلى إعادة المجد للإسلام، وإلى تحرر المجتمعات الإسلامية من قبضة السيطرة الأجنبية، وقد فُرض على هذا الشباب مبدأ السمع والطاعة بدعوى «الجندية»، واستُغلت حماسته وقودًا فى الصراعات السياسية وصراعات المصالح باسم الدين، وزُجّ به فى مواجهات مع السلطة «أى سلطة» ومع فئات الشعب الرافضة للهيمنة والتسلط باسم الدين، وبعض المدافعين عن هذه الجماعات يقول بأنهم حموا الدين أثناء المد الشيوعى، وأنهم حافظوا على الهوية الدينية للمجتمع أمام حركات المد العلمانى، وأنهم جعلوا تلك الهوية فى حالة نشاط وتوهج خاصة مع انطفاء وذبول المؤسسات الدينية الرسمية، وأنهم شكلوا معارضة قوية للحكام المستبدين وكانوا هم المعارضة الأقوى والمهددة لهم؛ وهذا كله غير صحيح، إذ إن جماعات التدين الصراعى أعطت صورة مشوهة ومنفرة عن الدين، ووضعته فى حالة صراع مع السلطة طوال الوقت ومع فئات أخرى فى المجتمع، وأعطت المستبدين تكئة ليستمروا فى حكمهم واستبدادهم عقودًا طويلة وهم يستخدمون جماعات التدين الصراعى كفزاعة للداخل والخارج ويصيغون القوانين وبها الكثير من المحاذير والقيود لكى يغلقوا الباب أمام محاولات تسلل قوى التدين الصراعى إلى السلطة، وفرضوا الطوارئ سنوات طويلة ليتمكنوا من السيطرة عليهم طوال الوقت. أى أن المجتمع كله كان يدفع ثمنًا باهظًا لذلك الصراع العبثى بين السلطة المستبدة وجماعات التدين الصراعى الطامحة إلى الحكم والطامعة فيه طوال الوقت، وقد رفعت تلك الجماعات شعارات سياسية مختلطة بالدين ومارست الحشد السياسى باسم الدين بدعوى أن الدين يشمل كل شىء فى الحياة بما فيها السياسة، ولكنها فى الحقيقة كانت تغرق فى الممارسات والأطماع والصراعات السياسية طوال الوقت تحت غلالة رقيقة وهشة من التدين، مما أحدث التباسات شديدة فى المجتمع وصراعات عبثية على الهوية والتوجهات استنزفت قوى المجتمع وأخذته بعيدًا عن مشاكله وهمومه الحقيقية وحرمته من جهود التنمية الحقيقية، ورسخت لانتشار حالات من ادعاء التدين تغطى على طبقات فساد متراكمة لدى الفرد والمجتمع، وللإنصاف، فإن بعض هذه الجماعات كانت تقوم بجهود فى العمل الخيرى والتربوى والدعوى فى وقت غاب فيه دور الدولة عن الفئات الفقيرة والمهمشة، وهذه الجهود خلقت قاعدة جماهيرية لتلك الجماعات فى وقت من الأوقات، ولكن هذه القاعدة ضعفت كثيرًا فى السنوات الأخيرة مع غرق تلك الجماعات فى الصراع السياسى وما ارتكبته من أخطاء كبيرة عرضتها لمعاودة المظلومية، وأنشأ توجهًا عنصريًا تجاهها اختلف هذه المرة فى أنه ليس قادمًا من السلطة فحسب، ولكنه قادم من السلطة وفئات غير قليلة من الشعب، والسؤال هنا: هل تتم فى هذه الظروف مراجعة فكرة التدين الصراعى من جذورها، أم يدخل أصحابها فى دورات جديدة من استدعاءات القهر والاضطهاد والمظلومية بلا نهاية، خاصة أن لهم أعداءً كثرًا فى الداخل والخارج؟