الأحد 02 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

نظرات محمد المهدى..

التطرف.. قطع الطريق على أسباب انفجار المتزمتين فى وجه المجتمع

حرف

يوجد التطرف فى أى مجال من مجالات الحياة؛ فمثلًا هناك التطرف السياسى أقصى اليمين أو أقصى اليسار، والتطرف الاجتماعى، والتطرف الدينى... إلخ. وأيًا كان الشكل الذى يأخذه التطرف إلا أنه يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع توجد منفردة أو مجتمعة.

أولًا: التطرف المعرفى «الفكرى»، وهو أن ينغلق الشخص على فكرة أو أفكار معينة، ولا يقبل المناقشة أو إعادة النظر فيها، ويعتبرها من الثوابت المطلقة. وهو فى هذه الحالة لا يلغى وظيفة عقله فقط فى تمحيص هذه الفكرة أو الأفكار، بل إنه يلغى أى رأى آخر مخالف، ولا يسمح لهذا الرأى أن يدخل مجال وعيه، فضلًا عن أن يتفهمه أو يناقشه أو يتقبله.

ثانيًا: التطرف الوجدانى، وهو شعور حماسى طاغٍ نحو شىء معين يجعل الشخص مندفعًا فى اتجاه معين دون تبصر، وربما يدفعه هذا الانفعال إلى تدمير نفسه أو غيره، وربما يندم بعد ذلك حين تخف حدة هذا الانفعال «المؤيد أو الرافض» ويعود إلى رشده، وفى بعض الأحيان لا يحدث هذا وإنما يظل الشخص يشحن نفسه «أو يشحنه المجتمع» بشحنات وجدانية هائلة تهدد بالانفجار فى أى لحظة.

ثالثًا: التطرف السلوكى، وهو المغالاة فى سلوكيات ظاهرية معينة بما يخرج عن الحدود المقبولة، وكأن هذه السلوكيات هدف فى حد ذاتها، ولذلك يكررها الشخص بشكل نمطى، وهى خالية من المعنى وفاقدة للهدف، ولا يتوقف الأمر عند الشخص ذاته بل يحاول إرغام الآخرين على التقيد بما يفعله هو قهرًا وقسرًا، وربما يلجأ إلى العدوان على الآخرين لإرغامهم على تنفيذ ما يريد، وهناك أسباب عديدة للتطرف من بينها. 

أولًا: أسباب بيولوجية «Biological Causes»، مثل الاختلال الكروموسومى، والعوامل التركيبية الوراثية، والعيوب الخلقية، والإصابات المخية... إلخ. ونتيجة لهذه الاختلالات يصبح المخ شديد الحساسية للمؤثرات الخارجية، وتصبح الاستجابات العصبية مفرطة أو شديدة الحدة، ثانيًا: أسباب نفسية اجتماعية «Psycho-Social Causes»: مثل.

الحرمان من رعاية أحد الأبوين أو كليهما فى سن مبكرة، الحرمان الاجتماعى، صدمة نفسية شديدة خاصة فى الطفولة، العلاقة المضطربة بالأقران، اضطراب العلاقة بين الطفل ووالده أو بين الطفل ورموز السلطة فى الأسرة أو فى المدرسة أو فى المسجد. وينمو هذا الصراع ويكبر ويصبح الشخص فى صراع مع أى رموز للسلطة على المستوى الاجتماعى أو السياسى أو الدينى. وهذا يفسر لنا رفض الشباب المتطرف الانضواء تحت أى سلطة حتى ولو كانت رشيدة، فهم يفضلون تكوين مجموعات ممن هم فى مثل سنهم دون وصاية أو توجيه من مصدر أعلى، وجود بعض الاضطرابات النفسية مثل:

١- الاضطراب العصابى: كالقلق والاكتئاب، ففى محاولة الشخص للخروج من دائرة القلق أو الاكتئاب يلجأ إلى نقل مجال الصراع من داخل النفس إلى الخارج، حيث يصبح الصراع دائرًا بين النفس والمجتمع، وبالتالى يصبح الصراع أقل إيلامًا للشخص وأكثر قبولًا منه حيث يشعره أنه يقوم بدور ما.

٢- اضطراب الشخصية البارانودية: وهذا الشخص المتعالى المتسلط الذى يرى أنه جدير وحده بتوجيه الناس إلى ما يريد، وأن الناس كل الناس عليهم أن يسمعوا ويستجيبوا، وإذا اعترضوا فلا بد من قهرهم ولو بالقوة.

٣-اضطراب الشخصية السيكوباتية: وهذا الشخص يحمل بذور العداء والكراهية وعدم الولاء للمجتمع، لذلك فهو يأخذ موقف المحارب لكل القيم والأعراف والتقاليد السائدة.

٤- الاضطراب الذهانى: وهذا يمثله بعض المرضى العقليين المصابين بالفصام أو الهوس أو الاضطرابات الضلالية، حيث يعتقد المريض فى نفسه أنه المسيح أو المهدى المنتظر أو الإمام الأعظم الذى جاء لهداية الناس، وفى بعض الحالات يستطيع المريض أن يكتم هذا الاعتقاد عن المحيطين به، ولكنه يتصرف انطلاقًا منه فيظهر أمام الناس فى صورة مصلح أو داعية مشوه الفكر والوجدان والسلوك.

٥- التعميم والتحويل: وفى بعض الأحيان يكون التطرف مدفوعًا بأشياء أخرى مختلفة عن الشكل الظاهر تمامًا، كأن يكون الشخص واقعًا تحت تأثير معاناة مادية أو اجتماعية أو سياسية شديدة، أو فشل فى أن يحقق ما يريد على المستوى الشخصى، لذلك يحول القضية الشخصية إلى قضية عامة، وهذا يعطى لمعاناته ومحاولاته معنى أكبر يخفف من آلام الإحباط الشخصى الذى يشعر به، وفى ذات الوقت لا يجد نفسه وحيدًا فى هذه الأزمة، ثالثًا: أسباب اجتماعية ثقافية «Socio-Cultural Causes».

١- انخفاض المستوى الاجتماعى والاقتصادى؛ لأن الأسرة الفقيرة لا تستطيع أن تدعم أفرادها وأن تزودهم بمهارات التكيف خاصة فى وقت الأزمات.

٢- التغيرات الاجتماعية أو الثقافية أو التكنولوجية السريعة: ففى مراحل التغيرات السريعة يختل التوازن، وتتداخل القيم والمفاهيم ويكثر التطرف. 

رابعًا: أسباب دينية: 

١- اتساع الهوة بين القيم السائدة والقيم المعلنة، ما يعطى رسالة مزدوجة للشخص تدعه فى حيرة وقلق، وهذا يجعله يشك فى مصداقية من حوله، وبالتالى يصبح أكثر عدوانية نحوهم؛ فمثلًا يتعلم الطفل أو المراهق فى المدرسة والمسجد أن الكذب حرام، وأن الرشوة حرام وأن الظلم حرام وأن الخمر حرام، وأن السفور حرام وأن الربا حرام، ومع ذلك يجد كثيرًا من هذه الأشياء سائدة فى مجتمعه فيحدث داخله صراع مؤلم يحاول التخلص منه بتحطيم مظاهر الخروج على القيم المعلنة حتى يستريح. 

٢- استفزاز المشاعر الدينية من خلال تسفيه القيم أو الأخلاق أو المعتقدات أو الشعائر بالقول أو الفعل مع عدم إعطاء الفرصة للرد على ذلك.

٣- مقاومة دواعى السقوط: حين يبدأ الشاب طريق الالتزام الدينى فهو يبذل جهدًا هائلًا للتغلب على رغباته الداخلية «خاصة الجنس والعدوان»، ولكنه يفاجأ بأن ثمة مثيرات فى المجتمع تحاول إيقاظ هذه الرغبات بشكل مُلح، وهنا يشعر ذلك الشاب باحتمال السقوط فى هوة الرغبات غير الأخلاقية، فيحول الصراع من داخل نفسه إلى صراع مع العوامل المثيرة فيشتبك مع رموز المجتمع، على اعتبار أنهم مسئولون عما يحدث له.

خامسًا: عوامل تعزيزية: هناك بعض العوامل التى من شأنها زيادة حدة التطرف واستمراريته، ومن هذه العوامل معاملة التطرف بتطرف مضاد، أو الاقتصار على الوسائل القمعية دون البحث والتعامل مع جذور المشكلة، وهذا يؤدى إلى ما يسمى بالتغذية المرتجعة للتطرف «Feedback»، وإلى نشوء ظاهرة الدوائر المغلقة.

توصيات: 

أولًا: محاولة الاكتشاف المبكر للتطرف الفكرى والوجدانى ومحاولة علاجه قبل أن يتحول إلى تطرف سلوكى يوقع صاحبه تحت طائلة القانون، ثانيًا: دراسة كل حالة توصف بالتطرف على حدة، ويشترك فى هذه الدراسة أطباء نفسيون وإخصائيون نفسيون واجتماعيون وعلماء دين، ثالثًا: البعد عن التعميم فى التعامل مع التطرف ومحاولة حصر ردود الأفعال تجاه من يصدر منه السلوك المتطرف حتى لا تتسع دائرة التطرف والتطرف المضاد مع الوقت.

رابعًا: التأكيد على أهمية الحوار العلاجى، ذلك الحوار الذى يضع فى الاعتبار دوافع التطرف وأسبابه وطرق علاجه، وفى ذات الوقت لا يلغى المسئولية الجنائية المترتبة على السلوك المتطرف. وهذا الحوار ربما ينجح فى قطع الدوائر المغلقة والتغذية المرتجعة للتطرف من خلال اكتشاف خلل معرفى أو وجدانى أو سلوكى يمكن تصحيحه أو علاجه قبل وأثناء وبعد توقيع العقوبة. 

خامسًا: تنظيم المجتمعات بالصورة التى تخفض مثيرات التطرف والعنف إلى أدنى مستوى، وذلك من خلال منع الظلم على المستويين الفردى والاجتماعى، وإرساء العدل، ومنع تفشى الفواحش والمنكرات وإرساء قواعد التكافل الاجتماعى.

سادسًا: بث الوعى الدينى الذى يرتقى بروح الإنسان عن طريق تقوية الإيمان الذى يسمو بالنفس ويذكرها بالحساب والجزاء، والصلاة وما تهيؤه من استرخاء نفسى وعضلى يخفف من حدة التوتر، والزكاة كوسيلة لتزكية النفس وتخفيف حدة الصراع الاجتماعى، والصوم وما يمنحه من قوة السيطرة على نزعات الإنسان العدوانية، والحج وما يوحى به ويرسخه من معانى الأخوة الإنسانية ووحدتها.

سابعًا: تدريس أدب الخلاف ضمن المناهج الدراسية. قال تعالى: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ».

شخصية المتطرف وشخصية الداعية: 

لقد حدث اختلاط أو خلط كبير بين مفهوم التطرف ومفهوم الدعوة، وذلك نظرًا لوجود بعض التشابهات السطحية «الشكلية» بين المتطرف والداعية، والتى يستغلها أصحاب الإدراك المشوه أو المغرض فى التعميم المخل، فيضعون المتطرفين والدعاة، جهلًا أو عمدًا، فى صف واحد رغم التباين الهائل بينهما والذى يصل إلى حد التضاد والتنافر.

التفرقة بين شخصية المتطرف وشخصية الداعية

والسؤال المهم هو: كيف نفرق بين المتطرف والداعية من حيث الشكل والمضمون؟ والإجابة تتلخص فى النقاط التالية:

التركيب الجسمانى والشكلى: فى كثير من الأحيان تجد المتطرف ذا طول بائن أو قصر مستهجن، أو يحمل فى تركيبه الجسمانى عاهة معينة أو اختلافًا يميزه عن الناس بشكل أو بآخر. وتبدو فى قسمات وجهه الحدة أو التجهم، وفى حركاته نبرة العدوان أو التحدى. وهو إما كثير الكلام والحركة أو قليلهما بشكل لافت للنظر. وفى كل الحالات نجد إهمالًا واضحًا فى مظهره وعدم تناسق فى ملبسه. أما الداعية فهو يبدو وسطًا معتدلًا فى شكله ومظهره، حسن السمت منبسط الوجه، نظيفًا متناسقًا، ودود النظرات، ولا يميل إلى لفت الأنظار بغرائب المظهر أو الملبس.          

الحالة النفسية: يبدو فى المتطرف بروز زائد فى إحدى النواحى «كجنوح فى الفكر أو الانفعال أو السلوك»، فتراه يركز بلا هوادة على فكرة بعينها أو تراه عصبيًا أو عدوانيًا بلا مبرر واضح، أما الداعية فهو متناسق الفكر والانفعال والسلوك كأنه منظومة كونية رائعة، وهو هادئ النفس، سمح، طيب.

الحالة الروحانية: المتطرف يكون بعيدًا عن روحانيات الدين وتساميه فى عقيدته وشرائعه، فتجده يتحدث حديثًا جافًا ويسلك سلوكًا خشنًا ويبدى عدوانية أرضية منفرة، أما الداعية فتجد فى كلامه وصمته وحركاته وسلوكه روحانية صافية تجعل الاقتراب منه مريحًا سلسًا، وتشعر من حوله بأنهم يحلقون معه إلى السماء.

العلاقات الاجتماعية: أول ما تلمحه فى المتطرف السلوك العدوانى المتسلط القاهر، ولذلك تجد علاقاته الاجتماعية مضطربة غاية الاضطراب حتى مع أقرب المقربين له «والديه أو زوجته أو أبنائه»، وهو دائم الصراع مع من حوله، أما الداعية فهو محب مسالم، حسن العلاقات مع من حوله حتى وإن اختلف معهم فى الرأى، وهو فى خدمة من حوله، ذو مروءة ونجدة وإيثار. وحتى فى مواجهة الضالين أو المشركين تجده يكره أفعالهم ولا يكرههم، وشعاره فى ذلك: «اللهم اهدِ قومى، فإنهم لا يعلمون».                

الأهداف: هدف المتطرف هو التحكم والتسلط والاستعلاء على الناس وتوجيههم إلى حيث يريد قهرًا وقسرًا «إرضاءً لرغباته ونقائصه الذاتية»، أما هدف الداعية فهو التربية والتوجيه والتنوير وإرشاد الناس إلى ما يصلحهم، وكثيرًا ما يضحى بنفسه وبماله فى هذا الطريق، وشعاره: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».