نظرات محمد المهدى..
الإلحاد.. هل يقود الدين أحيانًا إلى إنكار الله؟
هناك دوافع وبواعث للإلحاد، ليست بالضرورة دينية، بل من خلال التعامل مع أعداد كبيرة من الملحدين بشكل متعمق يتضح أن أغلب الحالات وراءها دوافع نفسية أو عائلية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فلسفية أو فكرية. ورغم أنه يبدو على السطح أنها مسألة دينية عقيدية، فإن الأبعاد سالفة الذكر تكون كامنة ومحركة لسلوك صاحبها حتى دون أن يدرى، وكأنه يختزل كل صراعاته ومعاناته ومشكلاته فى الشكل الدينى «أو اللادينى» يحاول أن يحقق من خلاله توازنه النفسى، ولهذا يجب أن تدرس كل حالة إلحاد على حدة، ويتم التعامل معها على أنها حالة متفردة لها خصائصها المميزة من حيث النشأة والظروف البيئية والأحوال النفسية، ولهذا نجد أن الكثير من حالات الإلحاد لدى الشباب لا تجدى معها الحوارات الدينية ولا يجدى تقديم الأدلة والحجج والبراهين لأن الأصل فى المشكلة ليس دينيًا، بل إن تقديم الحجج والبراهين الدينية من جانب بعض العلماء والوعاظ الذين لا يدركون عمق حالة الإلحاد قد يغرى الملحد بالكثير من الجدال «الذى يتقنه جيدًا» لا لشىء إلا لإثبات قدرته على إفحام محدثه وتحقيق انتصار على الرموز الدينية التى يكرهها وعلى المجتمع الذى يرفضه وعلى السلطة التى يتمرد عليها، ولعل أكبر سبب للإلحاد فى التاريخ البشرى هو الرغبة فى التخلص من القيود التى تفرضها الأديان على الناس، خاصة الأشخاص الذين يكرهون أى قيود مهما كان مصدرها ومهما كانت درجتها ويرغبون فى الانطلاق فى حياتهم بتوجيه عقولهم وخياراتهم الشخصية، ومن العوامل الدافعة للإلحاد لدى المراهقين والشباب الهوة العميقة بين القيم المعلنة والقيم السائدة فى المجتمع، وهنا يشعر المراهق أو الشاب أن المجتمع الذى يعيش فيه مجتمع منافق يقول شيئًا ويفعل شيئًا آخر.
وقبل أن يصل الشاب إلى مرحلة الإلحاد يعيش فترة يعانى فيها الإحباط والغضب وفقدان المعنى فى كل ما حوله، ويعيش صراعًا هائلًا بين متناقضات عديدة فى حياته لا يجد لها مخرجًا من وجهة نظره إلا إنكار كل الثوابت وتحطيمها وعلى رأسها الدين لكى ينطلق متحررًا من كل القيود التى تسببت فى معاناته. وبعضهم يتوجه نحو الإلحاد بحثًا عن الحرية والتحرر من كل القيود، فهو يرى أن المؤسسات الدينية والمجتمع يستخدمان الدين بشكل نفعى ويوظفان السلطة الروحية لسلب حريته، وقد يكون الإلحاد رد فعل عنيفًا على حالات التطرف الدينى السائدة فى المجتمع، وكأنه تحقيق لقانون التوازن فى الكون الذى تضبطه قاعدة: لكل فعل رد فعل مساوٍ له فى القوة ومضاد له فى الاتجاه. وتزداد الرغبة فى الإلحاد كلما كان التدين السائد فى المجتمع ظاهريًا أو انتهازيًا أو نفعيًا أو هروبيًا أو تسلطيًا، ويشجع على الإلحاد رؤية الدين كنوع من التفكير الخرافى الذى لا يثبت أمام المنطق والعقل النقدى، خاصة حين يحاول الشخص أن يقيس الخبرة الدينية والمعتقدات الدينية بنفس مقاييس العلم التجريبى ولا يراعى الفارق بين هذا وذاك واحتياج الخبرة الدينية لمنهجية مختلفة فى النظر والقياس نظرًا لاختلاف المجال، وبعض علماء الدين تكون لديهم الرغبة فى إقحام الدين فى كل تفاصيل الحياة البشرية، وحجتهم فى ذلك أن الدين يدخل «أو يجب أن يدخل» فى كل شيء لأنه منهج كامل متكامل لحياة البشر، وهذه كلمة حق يراد بها باطل؛ إذ تسمح للدعاة والمشايخ بأن يتسلطوا على حياة البشر ويتحكموا فيهم ويصبحوا أوصياء عليهم، وهذه التسلطية الدينية تدفع الشاب الراغب فى الحرية أن يتخلص ليس فقط من سلطة القادة الدينيين بل من سلطة الدين نفسه الذى يتحدثون عنه، وبعض الملحدين يزعجه التدين الصراعى الذى يفرق البشر إلى مجموعات متصارعة ويخلق حالة من العنصرية والاستعلاء والكراهية والإقصاء والنبذ بين أصحاب الديانات المختلفة، وأن الدين يتم توظيفه، سياسيًا وعسكريًا، وبالتالى يؤدى إلى صراعات وحروب تزهق فيها الأرواح باسم الإله، ومن هنا يتنكر هؤلاء للدين الذى يفرق بين البشر ويعتقدون أن الإلحاد هو الدين الإنسانى الذى يسمح بالتواصل مع كل البشر دون تفرقة ودون صراعات.
ويقول علماء النفس بأن الإلحاد هو عقيدة «اللاأب» «Faith of the Fatherless»، أى أن الملحد لديه مشكلة مع الأب «والده أو والدته أو ما يعادلهما من السلطة الأبوية أو الأمومية»، وهو يعمم صراعه مع الأب فى علاقته بالرب فيرفضه ويجحده ويجاهره بالعداء. إن الإحباط وخيبة الأمل من الأب إما بسبب الغياب أو سوء المعاملة أو الموت يؤدى إلى الكفر بالإله.
ولا تخلو دوافع الإلحاد من الجانب الجنسى حيث لوحظ تحرر الملحدين من كل التابوهات ومنها الجنسية والدخول فى علاقات لا يحكمها سوى الرضا والقبول والتوافق الشخصى بين الطرفين، وفى اعتقادهم أنهم حرموا أنفسهم من نعمة الجنس سنوات بناءً على اعتبارات دينية وها هم بعد أن ألحدوا تحرروا من تلك القيود وعاشوا كما يريدون ويحبون.
ويرى علماء الاجتماع أن الإلحاد حالة من الخلع الاجتماعى حيث يمر الإنسان بثلاث مراحل: المرحلة الأولى وهى «الاجتماعية العامة» حيث ينتمى الشخص لعموم الناس وتكون فكرة الدين مقبولة لديهم ولديه، والمرحلة الثانية هى «الاجتماعية الخاصة» وفيها ينتمى الشخص إلى «شلة» أو مجموعة خاصة تقبل أو تشكك أو ترفض الدين، والمرحلة الثالثة هى الخلع التام حيث ينكفئ الشخص على ذاته ويتبنى قناعة شخصية ذاتية تمامًا ليس لها علاقة بالسياق الاجتماعى، ويرى خبراء السياسة أن موجات الإلحاد ليست كلها خيارات فردية تلقائية بريئة، وإنما يكمن وراء بعضها تخطيط شبكى تدفعه بعض المنظمات والهيئات السرية والعلنية بهدف تحقيق مكاسب سياسية أو تغييرات فى الخريطة الاجتماعية لبعض الدول المستهدفة ويستشهدون على ذلك بوجود روابط منظمة وشبكات عنكبوتية تجمع الملحدين فى أماكن كثيرة من العالم، أى أن الموضوع لا يخلو من قوى دفع تآمرية، خاصة مع استخدام شعارات لبعض المجموعات تشبه شعارات الأناركية والماسونية، ومن المفيد لفهم هؤلاء الشباب تتبع كتاباتهم فى مواقعهم على الإنترنت ودراسة حالاتهم، وتكتمل الصورة بدراسة حالات العائدين من تجربة الإلحاد مثل الدكتور مصطفى محمود وغيره حيث يصف الطريق ذهابًا إلى الإلحاد وعودة منه، يربط البعض بين صعود وهبوط تيار الإسلام السياسى إبان ثورات الربيع العربى وما بعدها وبين تنامى ظاهرة الإلحاد، فقد كان ثمة بريق لفكرة المشروع الإسلامى للنهضة وقدرة وجدارة الجماعات الإسلامية على التغيير فى مجتمعاتها بما يحقق العدل والإنصاف ويحارب الفساد ويحقق الازدهار تحت راية الإسلام، وقد أدى هذا إلى حماس الشباب فى الثورات واندفاعهم بقوة لتحقيق حلم النهضة بمرجعية إسلامية طالما حلموا به، ولكن فشل مجموعات الإسلام السياسى «أو إفشالها» أدى إلى ردة فعل عكسية نتج عنها تنامى ظاهرة الإلحاد، خاصة بين الشباب «الذى كان متدينًا»، حيث اتضح عدم نضج التجربة السياسية للأحزاب والجماعات الإسلامية وسقطت رموز مهمة فى أعين الشباب، وحدثت حالة من التمرد على قيادات وأفكار وممارسات تلك الجماعات من بعض الشباب المنتمين إليها أو المتعاطفين معها، بينما بدا لفئة أخرى من الشباب أن الإسلام نفسه عاجز عن أداء الدور السياسى فانفلتوا منه، وقد كانت هناك نصائح من العقلاء الحريصين على الإسلام وعلى الشباب أن تتمهل الأحزاب الإسلامية فى توغلها السياسى وأن ترضى بالمشاركة دون المغالبة وأن تعطى فرصة لإنضاج التجربة السياسية لدى هذه الأحزاب على مهل، ولكن قيادات هذه الأحزاب والجماعات اندفعوا بلا حساب نحو اغتنام السلطة والتمكين فحدث ما حدث، وهنا تجددت الدعوات المخلصة للفصل بين الدعوة والسياسة لأن فى هذه الحالة سيسلم الدين من التوظيف ومن الاستغلال؛ إذ إن توظيف الإسلام فى العمل السياسى واستغلاله للصعود فى الانتخابات البرلمانية والرئاسية ثم عدم قدرته على الاستمرار «سواء لأسباب ذاتية أو خارجية» أعطى إيحاءً لبعض الشباب بأن المشروع الإسلامى فشل، وانسحب ذلك فى وعيهم على الإسلام ذاته، والأمر لم يقتصر على الشباب المسلم فقط وإنما هناك شباب مسيحى دخل دائرة الإلحاد، وربما كان تورط بعض القيادات الكنسية فى العمل السياسى وإثارة نزعات الصراع والعنصرية الدينية خلف إحباطات هؤلاء الشباب الذين شاركوا فى الثورة ضد رغبة وتعليمات الكنيسة ثم وجدوا تحالفات وتربيطات سياسية لا تتفق مع مبادئهم وطموحاتهم نحو الحرية، التفكير المستقبلى لمجموعات الملحدين العرب:
هم يقومون الآن بتقوية روابطهم وزيادة أعدادهم أملًا فى الوصول إلى العدد الذى يسمح بالإعلان عن أنفسهم كأفراد وكمجموعات على أساس أن الخروج إلى العلن بأعداد كبيرة يجعل من الصعب مواجهة المجتمع لهم بأى إجراءات عقابية، وهم يطمحون فى تكوين لوبى فى المجتمع يدافع عن حقهم فى الاعتقاد وحقهم فى إثبات إلحادهم فى بطاقات الهوية، وحقهم فى الدعوة لمبادئهم وأفكارهم، وأن يعقدوا اجتماعاتهم ويقيموا فعالياتهم دون أى اعتراض قانونى أو مجتمعى، ويمكن التعامل مع موجة الإلحاد على النحو التالى:
أولًا: من المهم أن نفرق بين الخارج من الدين والخارج على الدين؛ فالأول لديه مشكلات فى قناعاته الدينية أدت إلى انسحابه من الدين بشكل فردى فى هدوء وربما مع الوقت وتغير الأحوال تتغير قناعاته ولكنه فى النهاية لا يحاول زعزعة عقيدة غيره أو الترويج لأفكاره الإلحادية، أما الثانى «الخارج على الدين» فإنه لا يكتفى بإلحاده الشخصى وإنما يدعو غيره إلى الإلحاد ويشارك بنشاط فى تكوين مجموعات وشبكات مرتبطة بأجندات سياسية أو جماعات مصالح تحتية، وهو يسخر من الأديان ومن معتنقيها ليل نهار ويسفه المجتمع الذى يعيش فيه وربما يعمل ضد استقرار هذا المجتمع.
ثانيًا: من المهم أن نفرق بين أنماط ومستويات الإلحاد المختلفة وأن ندرس كل حالة على حدة ونراعى الدوافع الكامنة وراء إلحاد كل شخص، ولا يغرينا وجود عوامل مشتركة أن نعمم الأحكام على الجميع. وسيكون لكل حالة سيناريو خاص للتعامل معها، ولكن هناك قواعد عامة فى التعامل مع هؤلاء الشباب ومنها التفهم والصبر وطول البال واستبقاء علاقة جيدة رغم الاختلاف، وإعطاء الفرصة للتفكير والتيقن وعدم فرض أفكار سابقة التجهيز.
ثالثًا: حين تكتشف الأسرة أن ابنها قد دخل فى الإلحاد غالبًا ما تحدث حالة من الفزع وتتوجه الأسرة نحو الوعظ والإرشاد وتستدعى بعض العلماء لإقناع الابن بالعدول عن إلحاده، ولكن هذه المحاولات غالبًا ما تفشل فتتجه الأسرة للحل العقابى وربما تمارس النبذ والطرد والتبرؤ من الابن وهذا يزيده عنادًا وإصرارًا.
رابعًا: إجراء دراسات علمية متخصصة على دوافع ومفاهيم وظروف الإلحاد فى صوره الفردية والجماعية، وإذا أمكن يتم عمل قاعدة بيانات بأعداد الملحدين ومواقعهم وتأثيرهم وذلك بهدف التعامل الواقعى معهم بعيدًا عن التعميمات والتهويلات، خامسًا: الاهتمام بالتواصل الإلكترونى «على الإنترنت» حيث يتركز نشاط شباب الملحدين عليه نظرًا لتخوفهم من الظهور، وذلك يستدعى عمل مواقع للمساعدة والرد على التساؤلات الباحثة عن اليقين وعلى الشبهات والشكوك.
سادسًا: دراسة أفكار الملحدين من خلال تفحص مواقعهم الإلكترونية وكتاباتهم وربما من خلال لقاءات حية معهم، وذلك لترتيب محاضرات وندوات ومنشورات وكتيبات موجهة خصيصًا وبشكل نوعى إلى جوانب التشكيك ومواطن الخلل فى العلاقة بالدين أو المجتمع، وتجنب الوعظ فى الهواء والذى لا يتصل بالقضية وجوانبها بشكل مباشر، سابعًا: ترتيب ورش عمل وحلقات نقاشية مفتوحة لبعض الخطباء والأئمة حول مسألة الخطاب الدينى وعلاقته بالإلحاد وحول جوانب الظاهرة وتعلقاتها الدينية والنفسية والاجتماعية والسياسية.
ثامنًا: عمل جلسات فردية وجماعية للأفراد والمجموعات من الشباب الملحد يديرها أطباء نفسيون أو متخصصون فى علم النفس أو التربية.
تاسعًا: عمل توعية وقائية فى الصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون للشباب الذى لم يقع بعد فى دائرة الإلحاد.
عاشرًا: معالجة قضية اغتراب الشباب التى ترتكز على مشكلات سياسية ودينية وتجعل هؤلاء الشباب فى حالة انفصال عن قضايا المجتمع، وذلك بإشراكهم فى المشورة والفعل وإدماجهم فى كل مجالات التنمية والنهوض بالمجتمع واحترام أفكارهم وإبداعاتهم، حادى عشر: أما الأفراد والمجموعات الذين يتحركون بناءً على أجندات بعينها ويرتبطون بشبكات مصالح محلية أو دولية فتتولى أمرهم الجهات القانونية دون مبالغة فى التخوين أو العقاب.







